21/04/2024
دكتور فيصل القاسم هو ذاك المُلهم
--------
كتب : أحمد حمود الأثوري
عندما توضع في دائرة لا تجلس في المنتصف بل على الأطراف ووسع الدائرة " .
نصيحته الثمينه للشباب ، في لقاء مشوق تمنيت أن يطول. وأدعوكم للإستمتاع بالحلقة التي اصبحت تريند وأتوقع لها 100 مليون مشاهدة على اليوتيوب خلال شهر من الآن. سأترك رابطها بأول تعليق .
جزء من حياة ، اتاحت ثلاث ساعات منه الفضفة وكشف جانب مما لا نعلمه حول شخصية الرجل الذي اصبح منارة إعلامية وداعم لمناهضة الديكتاتوريات ونصرة الشعوب ، وعن كواليس برنامجه الشهير وما يحدث فعلياً ، وكيف يتم الدفع بالضيوف وبرمجتهم لإفشال وصول صوت الآخر .
حلقة هادئة ومحفوفة بالتشوق تخرج منها بعد ثلاث ساعات كرحلة مدهشة ، وتأخذك بعيداً وتلامس جزء من شخصيتك ، وتلهمك كيف يمكن أن تنفذ من كل تلك الحياة القاسية والبائسة ، وتعثر الخطىء وسوء الحظ ، إلى النجاح والبروز ، وان تكون رقماً يشار إليه عالمياً .
بين عامي 2003 الى 2008 كنت في سوريا، زرت السويداء أكثر من مرة واكاد ان أتخيل تلك الأماكن التي تحدث عنها د فيصل القاسم ، عن طفولته وشبابه ، وتلك المنغصات التي أعترضت حياته البائسة أنذاك، وتلك الساحة التي تم الإنتقام له منها من مرابطي ثورة الكرامة حالياً هناك .
عدا ذلك كأنه يتحدث عن طفولتي وصباي في إرتباطه بالراديو ، وعدم وجود الكهرباء وعن ظروف الدراسة ، وعن الحمل الثقيل في اللاوعي في صراع الأفكار.
في قرية مُهمشة على أطراف مدينة السويداء السورية تسمى قرية الثعلة ، ولد وعاش طفولته وشبابه في بيت طيني ، مكون من غرفة واحدة حجارة وطين وسقف طيني ، نعم غرفة واحدة هي غرفة النوم والمطبخ والحمام والدراسة وكل شيء .. بها تنام وتاكل وتطبخ وتدرس وتستحم . وتحاصرك بها مجاميع الفئران المنتشرة بإرجاء الغرفة.
من فقير مُعدم لا يفقه بالسياسة ولا يعرف عنها شيء وخجول وفاقد الثقة بنفسه إلى أشهر وأنجح إعلامي عربي
من فتى يرى التلفزيون في إحلامه كل يوم إلى أشهر واكثر من يُشاهد وبأشهر شاشات عربية وعالمية،
إعلامي عربي شهير ، كنّا نظنه يحب الضوضاء وإفتعال الخلافات من أجل إنجاح حلقات " الإتجاه المعاكس " ليكشف لنا عن حقيقة حبه للهدوء والموسيقى الهادئة بكل الأوقات ، وعدم مشاهدته للتلفاز ، ومشاهدة حلقاته بعد إذاعتها ليتعلم منها ، وكاشفاً عن مراحل عدة بحياته قبل إلتحاقه بإذاعة البي بي سي وقناة الإم بي سي وتلفزيون البي بي سي وإنتهاء بقناة الجزيرة .
المذيع الخجول ، الذي كان يخجل وكان لصلعته ونحف جسده خجل آخر يفقده الثقة ، والذي نشاهده بكل قوته وحضوره الطاغي والذي حقيقة كان قلقاً وخائفاً قبل كل مقابلة سواء كانت لعمل ، أو تلك التي حفلت بلقاءات الزعماء العرب وغير العرب .
حلقة بودكاست من ثلاث ساعات ، لأول مرة أتمنى لحلقة أن تمتد لساعات وساعات ولا تنتهي - كوني لا أميل للحلقات الطويلة جداً إلا بحالات كهذه الحلقة التي كشف لنا فيها د فيصل القاسم عن تكوين شخصيته والظروف التي مر بها حتى وصل إلى ما وصل إليه.
طفل من اسرة فقيرة تعمل في مزارع الأخرين وفي سلم الفقر المُدقع ، ويعاني ظروف إقتصادية وإجتماعية، متعلق بالراديو كأحدث تكنولوجيا انذاك ويسجل صوته مُقلداً مُذيعي الأخبار ويراسل الإذاعات ، ولم يعرف التلفاز وكلفه الأمر مرتين أحداهما ان ينتقل لمسافة بعيدة ليرى التلفاز ، وأخرى مُتلصصاً من نوافذ البيت الزجاجية لاحد مُقتني التلفاز أنذاك حتى اصبح يراه في حلمه كل يوم ، وهو ذاك المراهق الذي ادهشه طعم ومنظر اللحمة التي تناولها في أحد المعسكرات الذي تمنى أن يلتحق به - ولم يحالفه الحظ لصغر سنه- . والذي ظل بساحة مدينة السويدا يعرض تفسه لطالبي العمالة اليومية ولم يك له حظ لصغر سنه وضعف بنيته رغم تعلمه لمهارات عده ككهربائي ومساعد حداد ويعمل بحمل الباطون .
وهو ذاك الصبي الذي تعلم الشبابة - ليبرز في القرية - فاصبح يداعب أنغامها ليدبك الجميع على وقع أنغامه -
هو ذاك الطالب الثانوي الذي كان مثال للطالب الكسول ومثار السخرية لإهماله ، ولعدم القيام بكتابة واجباته المدرسية وكثير الغياب لعدم إمتلاكه نصف الليرة التي تمكنه من إستقلال باص من قريته إلى مدرسته ، والذي فاجىء الجميع بالسنة الاخيرة من الثانوية " البكالوريا " بحصوله على المرتبه الأولى - بعد أن سبقتها مرحلة تحول بعد مرافقته لإبن البيك ، شيخ القرية. ، حصل على المرتبة الأولى وهو يعاني على غرار الإنجليزية التي تفوق بها ، عقدة من اللغة العربية لدرجة أن أعرب المضاف إليه فاعلاً ورافقته تلك العُقدة والحاجز من اللغة العربية حتى بعد إنهاء الدكتوراة في لندن ، ولم يتغير حاله مع اللغة حتى قُبيل حصوله على فرصة بالإنضمام إلى إذاعة بي بي سي.
وهو ذاك الشاب والطالب الجامعي الذي انهى دراسته الجامعية ولم يعرف معنى السياسة فقد احرق في صباه الكتب الماركسية التي وجدها أمام بيته - خوفاً من سطوة النظام- ولم يك يعلم ان ما أحرقه هو كل ما يجول بنفسه وما يريد أن يحققه في حياته. لم يك يعلم وهو يحرق تلك الكتب إنها تحكي قصته والمكنون المكبوت في أعماقه وما ينتمي له من طبقة مسحوقة " الطبقات المسحوقة وصراع الطبقات ، والتمييز الطبقي والبروليتاريا وإستغلال الطبقات العاملة ومن يتحكم بالمجتماعات والخ " .
وهو ذاك الطالب الجامعي المتفوق على طلاب جامعة دمشق في كلية الاداب إنجليزي ، والذي ذهب لإمتحانات عدة مُستعيراً كتب من زملاءه ، وحاملاً دين لصديق دفع عنه قسط جامعي وببطن خاوية وجوع مقيت كلفه أن يفتح خزانه زميله في المدينة الجامعية ليسرق منها ملعقتي حليب بودرة مجفف ليسكت به جوعه وينقذ نفسه من شبح الهلاك جوعاً .وهو ذاك الطالب الجامعي الذي عانى حياة صعبة يشتغل ويدرس ويقتات على ما يحمله من داره من مكدوس وزيتون ، وبرغل. لم يدخل الكافتيريا " المقصف " ولم يشرب القهوة أو الشاي بالجامعة ، ولم يك يمتلك ثمن ساندويتش فلافل، وحوّل تلك المعاناة لإصرار وحصوله على المركز الأول حتى تخرج منها وأصبح مُعيداً لمادة اللغة الإنجليزية واصبح محاضراً في كلية طب الأسنان.
وهو ذاك الاكاديمي الذي انتقل كمنحة دراسية إلى بريطانيا ، وتم إعفاءه من دراسة الماجستير وإنتقاله للدكتورة مباشرة ، - والذي أنهاءها لاحقاً بسنتين فقط ، والمقرر أن تنتهي بست سنوات - .
أثناء وصوله بريطانيا أنفتحت عيناه و اكتشف السياسة وقدم أطروحاته حول تحطيم المقدسات بالمسرح البريطاني ، وعلاقة المثقف بالسلطة وكيف يجب ان تكون ، بعد أن انفتحت عيناه على حقيقة الماركسية ونظرياتها التي غيبت عنه .
كيف ابحر بنا في عوالم ما قبل واثناء الإلتحاق ب إذاعة وتلفزيون البي بي سي ، والام بي سي والجزيرة أخيراً وإرتباطه بها بإذهاننا جميعاً ، وكيف بدأت قصة البعد الرابع " الإتجاه المعاكس "
والحلقات المثيرة وإنعكاساتها ، الخوف والقلق والإقدام والترقب .
حلقة مدهشة ، اظن أنها ستلهم الجميع من الشباب وتخفف منسوب الإحباط لدى الكثير وتفتح عوالم الأمل والكفاح أمامهم .
-----------------
أحمد حمود الأثوري