12/10/2024
ندى مطهر الارياني
كأبنة أحد المخفيين القسريين ضاقت بي السُبل بحثا" عن أبي. مازالت ذاكرتي مليئه بالمنظر الأخير له وهو يُغادر المنزل بعد ظهر أحد الأيام في 1982 وأنا أجري بعده متعلقه به. طفله صغيره: اين المصروف يابابا. رد علي بكلمات مازالت ترن في أذني حتى اليوم. لم أنساهن ولن أنساهن الى الأبد " مع أمك" كانت تلك أخر الكلمات وأخر المناظر وأخر اللمسات الحانيه.
سنوات وسنوات ونحن نبحث عن أبي. توفيت والدتي كمدا" وألما" وحسره. كانت تصحوا كل يوم والأمل لا يفارقها أن أبي عائد. وعندما كبرنا كان وقع خُطانا يُخيل لها أنه" مطهر زوجها وشريك عُمرها. كانت تصيح بتلهف من "مطهر؟".
ماتت أمي وكانت أخر كلماتها لنا بناتها أن نبحث عنه فهو لم يمت.
عوده الى ذلك اليوم المشئوم فوالدي أختفى بعد ظهر أحد أيام أكتوبر 1982. تم أختطافه وأعتقاله وهو في طريقه للعمل بوكالة الحسيني للسيارات. من المعلومات التي توفرت لدينا بعد ذلك أن والدي بقي يومين مسجونا" بالامن السياسي بالحديده وبعدها تم ترحيله الى صنعاء وهذا بشهادة اصحابه الذين تم اعتقالهم معه.
مساء أمس الأحد 18 مايو 2014 كانت أخر محاولاتي- وليس نهاياتها- محاولتي كمئات المحاولات للبحث عن ابي.
أتصلت باللواء جلال الرويشان -الرئيس الجديد للجهاز المركزي للأمن السياسي. وافق اللواء مشكورا" على الرد على مكالمتي- كمواطنه يمنيه.
أبتداء حديثنا القصير جدا" معه بتعريفه عن نفسي وأنني أبنة المخفي قسرا" مطهر عبدالرحمن عبدالواسع الأرياني.
سألت اللواء جلال الرويشان سؤال محدد وواضح: أين أبي؟
رد علي بالحرف الواحد "سجوننا خاليه والارشيفين لكُل المعتقلين السياسيين أُحرقت سنة 90 وهما ارشيف الشمال والجنوب وانا السجون التي امامي خاليه من أي معتقل سياسي".
قلت له: "انااحملك المسوليه امام الله وستُتسأل عنها"
قال" اتحملها".
أنتهت مكالمتنا.
لكن أسألتنا كأقارب لهؤلاء المخفيين لم نجد لها أجابه الى اليوم. ماهو ذنب هؤلاء الذين حملوا الوطن في أكتافهم وحبوا اليمن كما يحب أي يمني مُخلص لبلاده. ماهو ذنب والدتي وأخواتي. كُلنا حُرمنا من حنان الأبوه وتم أخفاء والدنا طوال 32 عام. لا نعرف لهُ مصير سواء أن الأمن السياسي أعتقله.
هل تدمير الأرشيف أجابه شافيه لكُل مخفي قسريا"؟
تدمير أرشيفي المساجين السياسسين في الشمال والجنوب ليس جديد. فاللواء غالب القمش أخبر لجنة الحوار الوطني أن جهاز الأمن السياسي لم يعد لديه أي كشوفات بأسماء المعتقلين السياسيين قبل 1990.
أذا" ماهو الحل؟
أنا أُطالب من اللواء جلال الرويشان أن يساعدني ويساعد أُسر الكثير من المخفيين في أيجاد أقاربهم...أحياء أم أموات..أجساد أم رُفات.
أدعوا رئيس الجهاز أن يكون رئيسا" مختلفا" لجهاز الأمن السياسي. أدعوه أن يصنع جسرا" معنا- أسر المخفيين لردم الهوه السحيقه التي تفصلنا كمواطنيين يمنيين أولا" وكأصحاب أباء فُقدوا وتم أخفائهم لعقود مع الجهاز الذي يرأسه.
بأمكان اللواء الرويشان أن يكون قائدا" مختلف لهذا الجهاز ويُشكُل لجنه مع من يراه من الجهات ذات العلاقه الحكوميه ومن أُسر المخفيين القسريين. لجنه تساعدهم في التعرف على مصيرهم حياء أم أموات.
هل هذا كلام عاطفي؟ رُبما!
لكن اللواء الرويشان سيقراء كلماتي هذه وسيجد أنها خطوه عظيمه في طريق الأجابه على أسئلتنا وعن مصير أقاربنا. مئات الأسر تنتظر أجابات واللواء الرويشان يعرف أن الكشوفات والأُرشيفات دُمرت لكن الأدوات لم تختفي. مازال أولئك الذين قاموا بعمليات الأعتقال والأخفاء أحياء يُرزقون.