31/05/2026
من الناحية القانونية والتاريخية، لا تُبنى هوية الشعوب والأوطان على الشعارات الإعلامية أو الخطابات السياسية أو الرايات التي ترفعها مرحلة زمنية معينة، لأن هذه كلها أدوات ورموز قابلة للتغيير والتبديل والتطوير، بل وقد تختفي بانتهاء الظروف التي أوجدتها.
أما الهوية الحقيقية فهي ذلك الإرث المتراكم عبر مئات السنين من التاريخ والحضارة والثقافة والعادات والتقاليد والبنية الاجتماعية والقيادات التاريخية التي شكلت وجدان المجتمع وذاكرته الجماعية.
ولهذا فإن من يختزل هوية الجنوب في شعار أو صورة أو وسيلة إعلامية أو حتى رمز سياسي معاصر، ثم يهاجم السلاطين والمشائخ والقبائل والإرث الحضاري والتاريخي للجنوب، يقع في تناقض صارخ يكشف خللًا عميقًا في فهم مفهوم الهوية ذاته.
فالشعارات تتغير. والحملات الإعلامية تتبدل. والأحزاب والحركات السياسية تظهر وتختفي. والقيادات السياسية تتعاقب. أما التاريخ فلا يتغير. والحضارة لا تُمحى بقرار. والإرث الاجتماعي لا يسقط بمنشور أو خطاب.
ومن منظور قانوني، فإن الأمم والشعوب تُعرف بتاريخها وتراثها ومكوناتها الاجتماعية والثقافية المتجذرة، لا بالشعارات المؤقتة التي قد تتغير من جيل إلى جيل. ولهذا تحرص الدول على حماية التراث والموروث التاريخي والثقافي باعتباره جزءًا من الشخصية القانونية والمعنوية للشعوب، بينما لا تمنح الشعارات السياسية مثل هذه المكانة.
وإن من يرفع شعار الدفاع عن الجنوب بينما يهاجم رموزه التاريخية وموروثه الاجتماعي، يشبه من يدّعي حماية شجرة وهو يقطع جذورها بيده.
فالهوية الجنوبية لم يصنعها إعلام، ولم تؤسسها منشورات مواقع التواصل، ولم تنشئها شعارات عابرة، بل صنعتها قرون من التاريخ، وشكلتها حضارات الجنوب، ورسختها سلطناته وإماراته وقبائله ومشائخه وأعيانه وموروثه الثقافي والاجتماعي.
كما إن المشكلة ليست في الاختلاف السياسي، وإنما في غياب الوعي القانوني والتاريخي لدى البعض، حتى أصبح الرمز عندهم أصلًا، والأصل عندهم هامشًا، وأصبحوا يدافعون عن الظل ويهاجمون الجسد، ويتمسكون بالشكل ويعادون المضمون.
فالرايات تُرفع وتُنزل، والشعارات تُستبدل، والإعلام يتغير بتغير الزمن، أما التاريخ والإرث الحضاري والاجتماعي فهما الباقيان، وهما اللذان يمنحان أي رمز قيمته ومعناه وشرعيته. ومن لا يدرك هذه الحقيقة فإنه لا يدافع عن الهوية، بل يدافع عن تصور ضيق ومؤقت للهوية لا يصمد أمام القانون ولا أمام التاريخ.
المحامي/عثمان الكلدي