12/12/2021
إفرض... أنك إستيقظت من نومك... فوجدت نفسك في صحراء جرداء قاحلة موحشة مرعبة... لا طعام فيها ولا ماء... ولا أي صورة من صور الحياة.
وبينما أنت تائه في الصحراء... تتأمل في جمال الطبيعة... وتشم رائحة أمواج البحر المنعشة...
إذا بشخص عملاق مرعب يخرج عليك من بين الأشجار...
شخص طول بعرض بإرتفاع... حاجة ولا العماليق... ووجهه محمر منتفخ من الغضب... وشرر الحقد والكراهية والضغينة يشتعل في عينيه...
وجدته يجري نحوك... هاجما عليك... وفي يده موزة...
إينعم... في يده موزة...
أيون... زمبؤلك كدا... في يده موزة...
وتقدم هذا الشخص العملاق المرعب الغاضب منك... حتى أصبح بينك وبينه شبر أو شبرين...
ثم رفع العملاق الشرس يده التي فيها الموزة... في وجهك...
وقال لك بصوت جاعوري غاضب: "إنت ليه مش عايز تاكل التفاحة دي؟"
إنت ليه مش عايز تاكل التفاحة دي؟
٭٭٭٭٭
في هذا الموقف العصيب .. أنت أمامك حل من ثلاثة حلول... لا خامس لهما:
الحل الأول:
----------
الإستجابة... الخضوع... الإنبطاح... الإستسلام... أو حتى ما يسميه البعض "التقية".
فتقول للعملاق الشرير: دا أنا بأحب التفاح جدا... خصوصا لما يكون من إيديك الحلوة دي يا سيد الكل... هات التفاحة كدا...
وتأخذ من يده الموزة... وتأكلها كما هي... بقشرها...
وأنت تقول له: الله... يا سلام على التفاح وعلى طعم التفاح... ما أجمل هذا التفاح... الواحد ما يشبع منه أبدا... هذا التفاح... تسلم الأيادي!!
طبعا ممكن تفلسف لنفسك هذا المنطق الإنبطاحي بأساليب كثيرة:
الضرورات تبيح المحظورات...
إتقاء الشر والحفاظ على النفس...
إتقاء الحاكم المتغلب...
ثم أن الموز مذكور في القرآن بينما التفاح غير مذكور في القرآن... أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير...
ثم أنه ثبت علميا أن قشر الموز مفيد جدا في تقوية عضلات شعر القفا...
تستطيع أن توجد من الحجج الكثيرة لتبرير موقفك الإنبطاحي أمام ذلك العملاق الغاضب... حتى لا يسحقك ويمسح بك أسفلت الطريق الصحراوي...
لكن مشكلة هذا الإسلوب الإنبطاحي في التعامل...
أنه في المرة القادمة سيهجم عليك العملاق... وهو يحمل طبق خراء... ثم يسألك بصوت جاعوري غاضب: "إنت ليه مش عايز تاكل طبق العسل دا؟"...
وستضطر أن تأكل "العسل".
فمشكلة المنهج الإنبطاحي... أنه يقودك للحضيض... ولا قاع له.
الحل الثاني:
-----------
المقاومة... الصدام... التحدي... إدعاء البطولة والشجاعة... أو ما يسميه البعض "النضال"...
فعندما يسألك العملاق الشرس: "إنت ليه مش عايز تاكل التفاحة دي؟"
تقول له: سلامة الشوف يا عم الحاج... هذه موزة وليس تفاحة...
في هذه الحالة... بصراحة من حقه يفعصك ويطحنك ويعجنك... ويجعل دمك يسيل أنهارا تروي أشجار الغابة... ولا يبالي...
لأنك أنت الذي تعمدت التصعيد والصدام...
فالمشكلة لم تعد في أنك لا تريد أن تأكل "التفاحة"... وإنما أنك أصبحت تتهمه هو شخصيا أنه عديم النظر... أو أهبل أو مجنون... أو جاهل... لدرجة أنه لا يعرف الفرق بين الموزة والتفاحة...
أنت الذي أهنته وإستفزيته...
أنت الذي حولت المشكلة من خلاف على أكل "التفاحة" إلى إهانة شخصية له ولقدراته الذهنية.
ولذلك من الطبيعي جدا أن يقول لك: لأ بقي... هذه تفاحة وليست موزة... وأنا لست عبيط حتى لا أعرف الفرق بين الموز والتفاح...
وستأكل هذه التفاحة بالقوة وغصب عنك... إفتح بقك...
ثم يدس الموزة بكل عنف داخل... فمك!!
ولذلك... كثيرا ما تتحول المقاومة والنضال... إلى حالة إغتصاب.
مشكلة المنهج النضالي... أنه غالبا ما يؤدي إلي التهلكة... وبدون عائد.
الحل الثالث:
------------
الإمتصاص ثم الإنعكاس... أو ما أقول عليه "بدل ما تزقو شدو وكعبلو"
يعني عدم الخضوع والإنصياع... ولكن في الوقت نفسه عدم المواجهة والصدام...
وإنما تمتص طاقة الصدام... ثم تعكسها لتكون طاقة في مواجهة الخصم... ويكون عليه هو أن يتعامل معها... بينما أنت جالس تتفرج.
فعندما يسألك العملاق الشرس وهو يحمل في يده موزة: "إنت ليه مش عايز تاكل التفاحة دي؟"
تقول له: أصلي بصراحة مابحبش التفاح.
لاحظ أنت لم تنبطح وتستسلم وتأكل الموزة بقشرها على أنها تفاح... ولكنك في الوقت نفسه لم تستفزه وتصدمه في أعز ما يملك وتكشف له جهله في معرفة الفرق بين الموز والتفاح... كما أنك لم تعترف أو تقر بما يدعيه من أنك مش عايز تاكل "التفاحة"...
وإنما أنت قمت بإمتصاص صدمة المواجهة... وحولت طاقة الصدام من شخصنة المشكلة حول "التفاحة دي"... إلى قضية فسلفية عامة... عن كل التفاح.
عندها... لن يجد العملاق الشرس مفرا من الإنحراف عن المسار التصادمي حول "التفاحة دي"... وينجرف في مسار فلسفي جديد...
فيسألك العملاق الشرس: ولماذا لا تحب التفاح؟
[لقد وقع في الفخ... خلاص شديته... ومش فاضل غير إنك تكعبلو]
فتقول له: أصل بصراحة... التفاح بيفكرني بالموز... وأنا مش بأحب الموز...
ينظر العملاق للموزة/ التفاحة في يده مستعجبا ويسألك: إزاي يعني... فلا وجه للشبه بين الموز والتفاح.
تقول له: ما أنا عارف ومتفق معاك تماما... لكن أنا عندي مرض نفسي يجعلني أشوف التفاح على أنه موز...
عارف التفاحة اللي إنت ماسكها في إيدك دي... أنا شايفها موزة!!! حالتي صعبة خالص!!!
عارف لو كانت تفاحة كنت أكلتها وأنا مبسوط جدا... خصوصا أنها من إيدك الكريمة... لكن المشكلة إني عندي مرض نفسي بيخليني أشوف التفاح على إنه موز... وأنا مابحبش الموز...
عندها سيقف العملاق الشرس محتارا... ينظر للموزة/التفاحة في يده وهو حيران متعجب...
سيفكر العملاق نفسه: هل هذه موزة أم تفاحة؟
يغمض عينيه ثم يفتحها فيرى أمامه موزة... ثم يغمضها ويفتحها مرة أخرى فيرى تفاحة...
ليست المشكلة إن كان العملاق أصبح يرى في يده موزة أو تفاحة... فليست وظيفتك في الحياة هدايته للطريق المستقيم ومعرفة الفرق بين الموز والتفاح...
وأنما الهدف أنك أوقعته في نفس المقلب الذي كان ينصبه لك... وخرجت أنت منه بسلام... فلا أنت إضطريت للإنبطاح وأكل الموز على أنه تفاح... ولا أنت تصادمت مع العملاق فيجعل منك شهيد الموز.
٭٭٭٭٭٭
وهكذا في كل أمور الحياة...
لو نظرت في كل الخلافات والمشاكل بين البشر... سواء خلافات سياسية أو إقتصادية أو عسكرية... سواء خلافات بين الدول والشعوب أو القبائل والأعراق أو الأحزاب والجماعات أو الأديان والأيدلوجيات...
أو خلافات بين الشركات... أو خلافات بين الزملاء في العمل أو خلافات مع الجيران...
أو خلافات عائلية... أو خلافات داخل الأسرة الواحدة... أو خلافات بين الزوج وزوجته... أو بين الأب وإبنه أو الإخ وأخيه...
جميع الخلافات والمشاكل البشرية... مهما كان حجمها أو نوعها أو مكانها...
جميعها يمكن إختصارها في مشكلة واحدة...
ومشكلة واحدة فقط:
إنت شايفها موزة... وهو شايفها تفاحة...
إنت شايفها موزة... وهو شايفها تفاحة...
والموضوع كله يعتمد على موازين القوى...
فلو كان هو الأقوى... فأمامك خيارين: أما الإنبطاح والإستسلام وتلحس البيادة... أو المقاومة والنضال وتأخذ أجر الشهادة.
أما لو كنت أنت الأقوى... فأمامه خيارين: إما أن يقاومك فتسحقه وتنصر الحق و أهله... أو يستسلم لك فتذله وتهينه وتأخذ نساءه سبايا وملك يمين.
وما أقوله لك... أن هناك بديل ثالث...
بديل لا يعتمد على إن كنت أنت المسكين أو أنت صاحب التمكين...
بديل غير المعركة الصفرية التي أنت فيها إما قاهر أو شهيد
هذا البديل الثالث هو الإمتصاص ثم الإنعكاس: بدل ما تزقه شدو وكعبلو...
لأن خليك فاكر...
فيه إحتمال كبير جدا... أن مافي يده... لا هي موزة ولا تفاحة...
وإنما في يده بطيخة!!
(٣٠ يناير ٢٠١٧)