06/20/2026
كلمة السفير/ طاهر محمد السني، مندوب ليبيا الدائم لدى الأمم المتحدة، التي ألقاها يوم الخميس 18 يونيو 2026، أمام مجلس الأمن، خلال جلسته المخصصة للنظر في البند المعنون "الحالة في ليبيا".
السيداتُ والسادة،
في البداية، يجدرُ بنا أن نُثمِّنَ الجهودَ الوطنيةَ المُخلِصةَ لكافة المشاركين في "الحوار المهيكل"، والذين واصلوا العملَ الدؤوبَ على مدار ستة أشهرٍ مضت، مدفوعين برغبةٍ صادقةٍ لإيجاد مخرجاتٍ عمليةٍ تُطرح كحلولٍ ومقارباتٍ نوعيةٍ للأزمة الليبية الراهنة بمساراتها المختلفة، رغم التحديات وتعدد المبادرات والسيناريوهات المطروحة.
ومع هذه الجهود الصادقة، فإنه من الضروري التنويه ونقل ما تمت ملاحظته من قبل الكثيرين، بأن بعض مخرجات هذا الحوار جاءت على خلاف ما قدمت له البعثةُ الأممية، من كون هذا الحوار سيُعنى بقضايا تأسيس الدولة ومعالجة جذور الخلاف، كما وجب علينا أن ننقل التحفظات على المنهجية التي أديرت بها الجلسات، والتي يبدو أنها بدت منحازةً لتضمين وجهة نظرٍ محددةٍ، مع إهمال عدة آراءٍ أخرى دون توضيح المسببات.
لذا كنا نأمل أن يعكس التقرير الختامي جميع الآراء المختلفة، لا سيما المُعبِّرة عن توجهات شريحةٍ واسعةٍ من الشعب الليبي، بما يضمن تمثيلاً متوازناً لمختلف الرؤى الوطنية.
فمثلاً، قد تضمن التقرير تصوراً لمرحلةٍ انتقاليةٍ جديدة، وأغفل الرؤى في الحوار الداعية إلى انتخاباتٍ مباشرةٍ وشاملة، أو التطرق إلى مشروع الدستور المُنجَز، رغم كونهما من أهم الاستحقاقات الوطنية لإنهاء الانقسام وعدم الاستقرار.
لذا فإن الحكم على نجاح الجهود والحوارات الجارية يضعنا اليوم أمام تساؤلاتٍ جوهريةٍ واستحقاقاتٍ مُلِحَّةٍ تحتاج إلى إجاباتٍ بالخصوص:
أولاً: هل تمثل هذه المخرجات صيغةً عمليةً وتوافقيةً حقيقيةً تعكس تطلعات الجميع؟
ثانياً: ما هي الآليات التنفيذية الكفيلة بتطبيق هذه المقترحات على أرض الواقع؟ وهل هناك ارتباط بينها وبين حواراتٍ سابقة، مثل توصيات اللجنة الاستشارية ومخرجاتها العام الماضي؟ وكيف يمكن البناء عليها؟ أم أنها مساراتٌ منفصلة عن بعضها؟
ثالثاً: كيف سيتم التعامل مع التباين واختلاف وجهات النظر التي عبّر عنها بعض المشاركين في الحوار المهيكل ومعالجتها بشكلٍ بنّاء، وبالأخص ما حدث في مسار الحوكمة كما ذكرت السيدة تيتيه اليوم، وكذلك مع مجموعة من ممثلات المرأة؟
ورابعاً، وهو الأهم: كيف يمكن توظيف واستثمار هذه المخرجات كرافدٍ أساسيٍّ يدعم المسار السياسي العام؟
تساؤلاتٌ يجب أن يتم الانتباه إليها وأخذها في الاعتبار، وإيجاد إجاباتٍ واضحةٍ، وبكل شفافية، لليبيين.
وفي هذا الإطار، من المهم البناء على التقدم المُحرَز في لجنة (4+4) للتوافق على إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وهو ما سيعزز فرص إجراء انتخاباتٍ عامةٍ تُجدِّد شرعية السلطات، وكذلك دعم التوافق الذي حدث لفك الارتباط بين الانتخابات التشريعية والرئاسية، والتوصل إلى اتفاقٍ بشأن قانون الانتخابات التشريعية، باعتباره سابقةً مهمةً في مسار الحوار السياسي الليبي الممتد لعشر سنواتٍ خلت.
ويأتي هذا التوافق امتداداً لما تحقق من اتفاقٍ على توحيد الميزانية العامة للدولة لأول مرةٍ منذ أكثر من ثلاثة عشر عاماً، بما يعزز الانضباط المالي، وترشيد الإنفاق العام، ويدعم التعافي الاقتصادي، لذا ندعو بهذه المناسبة إلى أهمية تنفيذ ما جاء فيه من اتفاق.
وكذلك وكما ورد في عدد من بياناتكم اليوم، أخذنا علماً بوثيقة المبادئ المشتركة بين رئاسة مجلس النواب، ورئاسة المجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي بشأن تفاهمات استكمال الإطار الدستوري والقانوني للانتخابات، وسعيها لتعزيز وحدة المؤسسات السيادية لتهيئة الظروف لإنجاز الانتخابات وإنهاء الانقسام المؤسسي.
السيدات والسادة:
إن ما سبق من مبادرات ومسارات يؤكد على أن الحلول المستدامة في ليبيا تنبع من الحوار والتوافق بين المؤسسات الوطنية بما يحترم الملكية الوطنية للعملية السياسية، ومن هنا ندعوكم لدعمها.
ومن هنا، نود إعادة التأكيد على الثوابت الراسخة التي لا حياد عنها لضمان نجاح أي مسارٍ سياسي:
1. الإنهاء الفوري لكافة المراحل الانتقالية.
2. صياغة قوانين انتخابية قابلة للتطبيق وقاعدة دستورية تضمن نزاهة العملية السياسية.
3. الاستفادة من تجارب الماضي وعدم تكرار أخطائها.
4. التعامل مع القوى الفاعلة وعدم الإقصاء أو التهميش.
5. الالتزام الكامل بقرارات مجلس الأمن ذات الصلة والاتفاقات السياسية المنبثقة عنها.
وتأسيساً على ما تقدم، ندعوكم لدعم المبادرات الوطنية التي تستند إلى هذه المفاهيم، ونجدد الترحيب بكافة الجهود الدولية التي تسهم بإيجابية في صياغة حلولٍ عمليةٍ وتوافقاتٍ بنّاءةٍ، بما يضمن دعم الإرادة الوطنية واحترام القيادة الليبية للحل.
السيداتُ والسادة،
نحذر مجدداً من أن استمرار هذه الحلقة المفرغة والانسداد السياسي سيكون سبباً في إنتاج أزماتٍ ومختنقاتٍ جديدة، قد تستغلها بعض الأطراف لتمرير أجنداتٍ خارجيةٍ مشبوهة، لا تستهدف زعزعة استقرار ليبيا فحسب، بل تهدد أمن واستقرار المنطقة بأسرها.
وفي هذا الإطار، تواصل الحكومة العمل على بسط سلطة الدولة وتعزيز مؤسساتها الأمنية والعسكرية، بما أسهم في حفظ الأمن والاستقرار، وملاحقة الخارجين عن القانون، وكشف الجهات الداعمة لأعمال الشغب والعنف.
ومن بين هذه الأزمات، ملف الهجرة غير الشرعية، وما تبعه خلال الفترة الماضية من أحداث. فإذ نثمن التعبير السلمي عن المواقف تجاه هذه القضية وتداعياتها، فإننا نستغرب استغلال بعض الأطراف لها، ولأهدافٍ سياسيةٍ ضيقة، عبر تأجيج الشارع ونشر معلوماتٍ مضللة.
ونؤكد للجميع أن ليبيا لن تكون أرضاً لتوطين المهاجرين بأي صورةٍ كانت، وأنها تواصل العمل مع المجتمع الدولي لمعالجة هذه الظاهرة، مثلما أثمرت الجهود عن إطلاق آليةٍ رباعيةٍ تضم ليبيا وإيطاليا وتركيا وقطر لوضع حلولٍ عمليةٍ وجذريةٍ لهذه الظاهرة.
وفي هذا الشأن، فإننا نشير إلى أن المقاربة الحقيقية والجذرية لمواجهة هذه الظاهرة تبدأ بتفكيك الشبكات الدولية الإجرامية العابرة للحدود والقضاء عليها، والتي تتاجر بآلام البشر، واعتبار ذلك أولويةً قصوى لكل الدول المتأثرة بهذه الظاهرة، سواء دول المصدر والعبور أو دول المقصد.
وفي حديثنا عن أهمية ملاحقة ومعاقبة مهربي البشر وشبكاتهم، نعيد التأكيد على أهمية ملاحقة ومعاقبة المتورطين في جرائم تهريب النفط، و التي أشرنا اليها في عدة مناسبات ، فهم ليسوا أقل خطورةً، فنهب قوت الليبيين وثرواتهم واستغلال الوضع الراهن يسهم في تمويل هذه الشبكات الإجرامية وغيرها.
وفي الختام،
رغم التحديات، والمسؤولية الوطنية المحمّلة على عاتقنا، لننقل لكم صوت الشعب الليبي بكافة التوجهات والانتماءات، يجب أن لا يتم إغفال المظاهر الإيجابية والواعدة التي تشهدها هذه المرحلة، حيث نرى انخراطاً واسعاً ومبشراً من مختلف شرائح المجتمع الليبي، من قياداتٍ وطنيةٍ ونخبٍ سياسيةٍ ومؤسساتِ مجتمعٍ مدني، في نقاشاتٍ وحواراتٍ فاعلة. إن هذا الحراك المجتمعي يدل دلالةً واضحةً على وعي الشعب الليبي ورغبته الحقيقية والمُلِحَّة في صياغة حلولٍ سلميةٍ وطنية، والابتعاد التام عن لغة المواجهات والنزاعات المسلحة، لذا ندعو هذا المجلس والمجتمع الدولي إلى تلقف هذه الفرصة ودعم الشعب الليبي من أجل استقرار البلاد وبناء شراكات دوليةٍ أساسها الندية واحترام السيادة الوطنية.