31/01/2026
تطاوين:
{الشركات البترولية بين رمزية الثروة وواقع المناولة… حين يُضرب الاتفاق عرض الحائط}
صورة دار المؤسسات البترولية بتطاوين
أكثر من مجرد دلالة إدارية؛ فهي تختزل مفارقة عميقة بين ثروة وطنية تُستخرج من باطن الأرض، وواقع اجتماعي هشّ يعيشه عمّال شركات المناولة، الذين وجدوا أنفسهم ضحية اختلالات تشريعية وتطبيقات مجحفة، كان لها الأثر المباشر في تعميق الاحتقان الاجتماعي بالجهة.
فعلى الرغم من تعدّد الشركات البترولية وحضورها الكثيف، ظلّ ملف المناولة العنوان الأبرز لمعاناة مئات العمّال: عقود غير مستقرة، غياب ضمانات مهنية، تملّص من الاتفاقيات الممضاة، وتجاهل متواصل لحقّ الشغّال في الأمان الوظيفي والكرامة الاجتماعية. وهو ما مثّل ضرباً صريحاً للاتفاقات الاجتماعية التي أُبرمت برعاية الدولة، وأفرغ الحوار الاجتماعي من مضمونه.
الأخطر من ذلك، أنّ بعض التصريحات غير المسؤولة الصادرة هنا وهناك، ساهمت في تأجيج الرأي العام، ومَسّت بشكل مباشر من السلم الاجتماعي، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى خطاب جامع، يوازن بين متطلبات الإصلاح وضرورة الاستقرار. فالتشكيك، والتقليل من مشروعية المطالب الاجتماعية، أو تحميل الضحية مسؤولية الأزمة، لا يخدم إلا مناخ التوتر ويغذّي فقدان الثقة.
سياسياً، يطرح هذا المشهد سؤالاً محورياً: من يعطّل مسار الإصلاح الشامل؟
ذلك أنّ تونس، ووفق التوجهات المعلنة لسيادة رئيس الجمهورية، اختارت طريق البناء والتشييد، وإعادة الاعتبار لقيمة العمل، وحق كل تونسي في العيش الكريم. غير أنّ ما يحدث على أرض الواقع، من تعطيل لتفعيل قانون المناولة، أو الالتفاف على روحه، يفرغ هذه التوجهات من مضمونها، ويفتح الباب أمام ممارسات تتناقض مع مشروع الدولة الاجتماعي.
إنّ حماية العمّال، واحترام الاتفاقيات، وتطبيق القانون بعدالة، ليست مطالب فئوية، بل ركائز أساسية لإنجاح مشروع تونس الإصلاحي. فالدولة القوية لا تُبنى بثرواتها فقط، بل بعدالتها الاجتماعية، وقدرتها على تحويل الثروة إلى استقرار، والاحتجاج إلى حلّ، والغضب إلى أمل.
وتبقى تطاوين، بما تحمله من رمزية وطنية، اختباراً حقيقياً لمدى التزام الجميع—دولة، شركات، ومتدخلين—بخيار الإصلاح العادل، وبحقّ أبناء الجهة في نصيب من ثروتهم، وكرامة في عملهم، وأفق واضح في مستقبلهم.
م. ع #