بسم الله الرحمان الرحيم
ثوابت حركة الشعب
1- الثوابت القومية
أ- الوجود القومي العربي
لقد بدأ تكون الأمة العربية جنينا في رحم الإسلام فور الهجرة إلى المدينة المنورة وفيها تحولت الجماعات القبلية من المسلمين وغير المسلمين إلى شعب ذي وطن خاص به مقصور عليه هو المدينة. حيث تشكل وطن مشترك عليه حاكم واحد هو الرسول محمد عليه الصلاة والسلام وذلك بإتفاق هذا الشعب بكل مكوناته الدينية والقبلية. ووقع الإلتزام ب
دستور واحد عرف في التاريخ بإسم "الصحيفة". كمجموعة من القواعد العامة التي تضبط علاقات الوحدات الاجتماعية فيما بينها وعلاقاتها مجتمعة تجاه الخارج.
ولما كانت الأمة بالدلالة الإجتماعية لهذا الإسم تتكون من عناصر ثلاثة , شعب معين, مستقر على أرض معينة خاصة به ومقصورة عليه, وحضارة تميزه هي نتاج التفاعل بين الشعب وأرضه. فإن الأمة العربية بقيت نامية ولكن في طور التكوين يتسع نموها طول حركة الفتح الإسلامي وإنضمام الشعوب والقبائل إلى شعب المدينة وإتساع الأرض حتى شملت كل ما هو معروف اليوم بالوطن العربي. وتم التفاعل الحر بين هذه الشعوب والقبائل مع الأرض المشتركة, تفاعلا سلميا تارة وغير سلمي تارة , وخلاله تعربت باقي الشعوب في الوطن الواحد. وإستطاعت على مدى قرون أن توحد حضارتها بفعل وحدة الأرض ووحدة الدين , حتى جاءت الحروب الصليبية واشترك كل المقيمين في الوطن العربي في الدفاع عن وطنهم المشترك على مدى قرن من الزمان (1096 إلى 1192 ميلادية) فاكتملت الأمة العربية تكوينا وتلاشت أو اندثرت التجمعات القبلية والشعوبية , وتحولت العروبة من إنتماء عرقي إلى علاقة إنتماء إلى أمة واحدة نشأت في حضن الإسلام الذي صاغ حضارتها لتكون العروبة والإسلام سبيكة واحدة لا يفهم العربي على فطرته أي إزدواج بينهما.
وبدأ ازدهار الأمة العربية و ابداعها المبكر علميا وثقافيا وفنيا وفكريا وحملت بنجاح رسالة الاسلام سلميا الى أقصى أركان الأرض , إذ كان الرحالة والتجار من العرب قدوة إسلامية لكل من إتصلوا بهم من الشعوب.
ب- مشكلة التخلف العربي
لقد انقضت جحافل قبائل الترك المسلمين على الأمة العربية التي علمتهم الاسلام عام 1517. لم يكن فتحا إسلاميا كما كان يفتح العرب, بل كان بغيا متخلفا جاهلا مدمرا, فبذروا في الأرض العربية بذور الاستعمار وباعوا السيادة قطعة قطعة بما يسمى الإمتيازات لفرنسا (1535) ثم لأنجلترا (1579) ثم لهولندة ثم لروسيا ثم للسويد ثم لنابولي ثم لبلجيكيا ثم للبرتغال ثم لليونان. وفي سلطتهم احتلت فرنسا الجزائر (1830) وتونس (1884) واحتلت أنجلترا جنوب "الجزيرة العربية" (1834) والاحساء (1871) ومصر (1882) ومسقط (1892) والكويت (1899) واحتلت إيطاليا ليبيا (1912) وحينما انهزمت منها إلى دولة مستعمرة.
وهكذا وقع تفتيت الأمة العربية الى دول إقليمية بالطريقة التي أرادها المستعمرون (معاهدة سايكسبيكو) مما جعلها عاجزة ومسلوبة القدرة على التقدم وإسترداد إشعاعها العالمي كمنارة إسلامية. إلى درجة أن انقضت جماعات محدودة من الصهاينة على فلسطين فمكنهم الأنجليز منها قبل أن يغادروها وإعترف بهم الأمريكان كدولة قبل أن تحسم المعارك بين أصحاب الوطن والمغتصبين.
ولقد حالت تجزئة الأمة العربية دون سيطرة الشعب العربي على إمكانياته المادية والبشرية - كما يجب أن يكون - من أجل استئناف مسيرة تقدمه, كما حالت دون قدرة الأمة العربية على تحرير أراضيها المغتصبة والإنتصار على مشروع الإستكبار العالمي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.
إن الإستعمار والتجزئة والطائفية والمذهبية والتفتيت العرقي والاستبداد والاستغلال يقفون جنبا إلى جنب في خندق واحد من أجل الحيلولة دون تجميع الأمة العربية لطاقاتها وإمكانياتها من أجل تقدمها. فأصبحت الأمة العربية عاجزة عن استئناف دورها الذي بدأته في حمل دعوة الإسلام إلى الأمم الأخرى.
ت- غايات النضال العربي
إن حركة الشعب تلتزم بالنضال إلى جانب كل القوى التقدمية من أجل تخليص الشعب العربي من مشكلة التخلف العربي (العجز عن توظيف امكانيات الأمة العربية من أجل تقدم الشعب العربي ).
بكل ما يعنيه ذلك من :
- المساهمة في معارك تحرير الأراضي العربية المسلوبة وعلى رأسها معركة تحرير فلسطين من قبضة العدوان الصهيوني المدعوم بقوى الاستكبار العالمي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.
- التصدي لكل مشاريع التبعية للتحالف الصهيوني الاستعماري التي تحول بين الشعب العربي وبين قدرته على بناء مستقبله على الوجه الذي يحقق مصالحه وليس مصالح قوى الاستكبار العالمي.
- المساهمة والدعم الكامل لكل المشاريع الوحدوية العربية من أجل الإتجاه بالشعب العربي نحو بناء دولة العرب الواحدة التي تجسد وحدة الوجود القومي العربي وتمنح أمتنا العربية إمكانية السيطرة على ثرواتها المادية والبشرية وتوظيفها من أجل تقدمها ودعمها لكل مشاريع التحرر والعدل في العالم.
- التصدي لكل مشاريع التفتيت والصراع الطائفي والمذهبي والعرقي التي تستنزف المجتمع العربي وتمنعه من مواجهة المشكلات الحقيقية إضافة إلى جر الأمة العربية إلى مستنقع التفتيت إلى كيانات طائفية وعرقية خدمة للمشاريع المعادية لأمتنا العربية وعلى رأسها المشروع الصهيوني.
- النهوض بالحضارة العربية الإسلامية من أجل استئناف إشعاعها كمنارة للقيم الإنسانية العادلة.
- المساهمة في وحدة القوى التقدمية المناضلة من أجل تخليص الشعب العربي من مشكلات التجزئة والاستعمار والاستغلال.
2- محاور النضال القطري
في إطار الإلتزام بغايات النضال العربي تناضل حركة الشعب على إمتداد قطر تونس العربي من أجل الغايات القطرية المرحلية كجزء لا يتجزأ من المشروع العربي الإسلامي الذي ينتصر لحق الأمة العربية الإسلامية في الوحدة والتقدم.
حيث تلتزم حركة الشعب بالدفاع عن الثوابت التالية في إطار فهم متجذر في المشروع العربي الإسلامي لوحدة الأمة وتقدمها, لتقدم نفسها للشعب العربي في تونس كرافد من روافد هذا المشروع القومي يمد أمتنا بكل الإمكانيات النضالية الممكنة للتصدي للمشاريع المعادية للتحرر والتقدم العربي من ناحية ولدفع القوى العربية التقدمية من أجل وحدتها كالبنيان المرصوص لتحقيق غايات النضال العربي التي تكتمل إستراتيجيا في بناء دولة العرب الواحدة.
وعلى أساس ما تقدم فإن حركة الشعب تلتزم بالدفاع عن :
أ- الإستقلال الوطني
لقد اختفت من المستعمرات الجيوش المسلحة . ورفعت اعلام الاستقلال في أكثر انحاء الأرض . لتفسح المجال لأسلوب جديد يحافظ به المستعمرون اليوم على الاستعمار، والاستعمار تبعية . وهي كما تتحقق بالاكراه المادي فتفرضها القوة الباطشة، تتحقق بالاكراه الاقتصادي الذي يجذب ضحيته من امعائها الى الموقع الذي يراد لها بدون بطش ظاهر.
فلقد جلت الجيوش عن كثير من المستعمرات . ورفعت عليها رايات الاستقلال . وتولى ابناؤها الحكم فيها. وأصبحوا بذلك مسئولين عن حل مشكلات التنمية في مجتمع مسلوب منذ قرون . فهم لا يملكون من أسباب التقدم الاجتماعي إلا القليل من العلم و المال والادوات والمهارة وان كانوا يملكون الارض والبشر والرغبة في التطور . هنا يتقدم المستعمرون فيقدمون العلم والمال والادوات والخبرة بشرط أن تقبل الحكومات الإلتزام بما يقترحونه من نصائح وخطط وبرامج في كيفية تطوير مجتمعاتهم المتخلفة . ثم تختار هذه الحكومات العميلة الطريقة المناسبة لتحويل تلك النصائح الى قرارات نافذة حتى لو إستوجب ذلك خديعة الشعوب أو تسليط القهر والبطش أو غير ذلك من الوسائل. ولكن الدوائر الاستعمارية لا تقدم خططا وأموالا وخبرات إلا بما يتفق مع مصالحهم ولاشيء غير مصالحهم الاستعمارية . وعندما تنفذ هذه الخطط والنصائح والبرامج لن تكون إلا في خدمة تلك المصالح . وهكذا تظل التبعية قائمة ولكن مغلفة بأكثر الاغلفة تضليلاً : أعلام الاستقلال السياسي. وفي ظلها يجد أكثر الناس حديثاً عن الحرية والديمقراطية انهم غير قادرين على أن يتقدموا إلا بقدر ما يريد المستعمرين وفي الاتجاه الذي يريدونه ، أو لا يتقدموا على الإطلاق .
ونحن لا ندعوا شعبنا إلى الانغلاق وعدم الإستفادة من أي فرصة عادلة من أجل تقدمه ولكننا نميز بين التعاون وبين التبعية.
فالعلم بمقابل أو بغير مقابل يكون تبعية عندما نفقد المقدرة على اختيار من نتعلم منه. والمال بفائدة أو بغير فائدة يكون تبعية عندما نفقد المقدرة على اختيار من نقترض منه . والأدوات بثمن أو بغير ثمن تكون تبعية عندما نفقد المقدرة على اختيار من نشتري منه . والخبرة بأجر أو بدون أجر تكون تبعية عندما نفقد المقدرة على اختيار من نستعين به . و " النصائح " مفيدة أو غير مفيدة تكون تبعية عندما نفقد المقدرة على أن نقول : لا. لأننا عندما نفقد المقدره على الاختيار نفقد الحرية . وعندما نفقد الحرية نكون تابعين . يكون المستعمرون قد استولوا على مجتمعنا كله عندما استولوا على إرادتنا، عندما سلبونا المقدرة على أن نقول تلك الكلمة التي تفرق بين الحر والعبد : " لا " . وليس من اللازم أن نفقد الحرية عنوة . هذا اسلوب قديم . بل نفقدها عندما " نقتنع " بأنا لا نستطيع أن نتقدم - في عصر الدول العظمى إلا إذا كنا تابعين . ونفقدها عندما نقبل التبعية غروراً منا بأنا كما دخلنا شباكها بإرادتنا نستطيع أن نفلت منها في أي وقت نريد . ونفقدها عندما لا نفطن الى علامات زائفة وضعت لنا خفية على طرق موهومة الى التقدم الاجتماعي فنندفع عليها الى أن نجد أنفسنا في الكمين . ونفقدها عندما يحملنا الطموح المثالي على أن نحقق في زماننا ما يتجاوز امكانياتنا الخاصة " فنرهن " المستقبل وفاء لما يزيد حتى اذا ماجاء المستقبل وجدنا أنفسنا تابعين . ونفقدها حتماً اذا توهمنا ان الاستعمار قد انقضى يوم ان غادرت جيوشه المستعمرات ورفعت في اماكنها اعلام الاستقلال . ان هذا الوهم المخدر كفيل بأن يذهب بنا الى مواقع التبعية بدون أن نعرف كيف اصبحنا تابعين ، أو حتى بدون ان نفطن الى اننا قد اصبحنا تابعين . فلا نعرف ما فقدنا إلا يوم ان نحاول قول : لا، فنكتشف اننا غير قادرين . وهكذا لم يعد لازماً أن يضعنا المستعمرون في شباك التبعية بل قد نذهب نحن " بحسن نية " الى داخل الشباك المنصوبة فنفقد الحرية .
من أجل ذلك تناضل حركة الشعب من أجل الدفاع عن إستقلالنا الوطني ضد مشاريع الهيمنة والتبعية لقوى الإستكبار العالمي. متمسكين في نفس الوقت بالتعاون على جميع المستويات مع كل الشعوب والدول في إطار إستقلال قرارنا الوطني وفي إطار ما تستوجبه مصلحة شعبنا في العزة والكرامة والتقدم.
كما نؤمن بأن أي نمو إقتصادي يرتكز على التبعية للدوائر الإستعمارية هو نمو زائف وهش لا يمكن أن نعتبره مؤشرا لمستقبل سليم بل نعتبره ارتباطا مخربا سيخلف تدميرا محتما لاقتصادنا ونسيجنا الاجتماعي آجلا أم عاجلا.
و نحن نعتبر أن التعاون على جميع المستويات بين شعبنا وبين الشعوب والقوى المناهضة للاستعمار والتبعية هو دعامة رئيسية للمحافظة على استقلالنا الوطني ضد مشاريع الهيمنة والتبعية.
ب- الهوية العربية الإسلامية
إن الأمة العربية تكونت في ظل الإسلام الذي صاغ نسيجها الحضاري بما قدمه من قيم وضوابط إسلامية ظلت تتحكم في الوجدان الشعبي العربي وفي العلاقات الاجتماعية داخل مجتمعنا العربي بكل مكوناته , رغم كل حملات التغريب والتخريب الحضاري التي تتعرض لها أمتنا من الداخل ومن الخارج تحت عناوين زائفة للحداثة والتشكيك في الدور التقدمي للرسالات السماوية في تقدم أمتنا العربية.
ونحن نؤمن" أن الطاقات الروحية التى تستمدها الشعوب من مثلها العليا النابعة من أديانها السماوية أو من تراثها الحضارى قادرة على صنع المعجزات.
إن الطاقات الروحية للشعوب تستطيع أن تمنح آمالها الكبرى أعظم القوى الدافعة، كما أنها تسلحها بدروع من الصبر والشجاعة تواجه بها جميع الاحتمالات، وتقهر بهما مختلف المصاعب والعقبات، وإذا كانت الأسس المادية لتنظيم التقدم ضرورية ولازمة فإن الحوافز الروحية والمعنوية هى وحدها القادرة على منح هذا التقدم أنبل المثل العليا وأشرف الغايات والمقاصد."
إن حركة الشعب لا تكتفي بمجرد الإيمان بأننا ننتمي إلى أمة لها حضارة إسلامية. فنحن نرتقي بهذه القناعة إلى مستوى المطالبة بأن يكون نظام حياتنا على جميع المستويات بما فيها القانوني والثقافي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي منسجما مع هويتنا العربية الإسلامية يلتزم بضوابطها وقيمها ويجتهد من خلال منظومتها التشريعية ليصوغ نظامنا القانوني والسياسي والاقتصادي في إطار سماحة الإسلام وإحترام الإختلاف والتمسك بوحدة المجتمع بكل مكوناته.
وعلى هذا الأساس تطالب حركة الشعب بأن تكون الشريعة الإسلامية مصدرا رئيسيا للتشريع. لينسجم نظام الدولة مع شخصيتنا العربية الاسلامية فيحافظ عليها ويوفر شروط نموها وتقدمها في إطار سماحة الإسلام ودعوته للاجتهاد والتقدم وتجنب النعرات الطائفية والمذهبية والعرقية التي تفتك بوحدة المجتمع فتحرمه فرص العزة والكرامة والتقدم.
ت- العدالة الاجتماعية
تؤمن حركة الشعب أن الاستغلال هو اتجاه النشاط الاقتصادي الى غير مصلحة المجتمع ككل. والمستغلون هم الذين لا يستهدف نشاطهم تلك المصلحة . وضحية الاستغلال هو المجتمع كله. وسبب الاستغلال هو عدم التحكم في المسار الإقتصادي بإتجاه إشباع حاجيات الشعب المتجددة . والغاء الاستغلال يكون بتحقيق العدالة الإجتماعية التي تعني سيطرة الشعب على وسائل الانتاج من خلال التخطيط الشامل وتوجيه النشاط الاقتصادي الى مصلحته ككل وليس لمصلحة فئة قليلة من المجتمع على حساب مصلحة أغلبية المجتمع.
إن هذا الإيمان بضرورة العدالة الاجتماعية ينبع من إيماننا بقواعد العدل الاجتماعي التي وضعها الإسلام لتحقيق مجتمع المساواة الذي تدعمه التجارب الإنسانية التي حاولت التحرر من القهر والاستغلال الاقتصادي وتحقيق حياة المساواة والكفاية.
فالقرآن الكريم يقرر أن الملكية صفة من صفات ربوبية الله تعالى﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَات وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَ اللّهُ عَلى كُلّ شَيْء قَدِيرٌ ﴾(المائدة: 17).﴿وَآتُوهُم مِّن مَّال اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ﴾ (النور: 33).
فإذا كانت ملكية المال لله وحده كما بينا فإنه تعالى منزه عن الانتفاع به، ومن هنا كانت حكمة استخلاف الجماعة في الانتفاع بالمال على الوجه الذي يحدده مالك المال تعالى ويتجلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وانفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه﴾ (الحديد: 7).
والدولة هي أداة الشعب لتحقيق إستخلاف الجماعة فقد قال تعالى ﴿يأيها الذين امنوا أطيعوا الله و أطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ في إطار قواعد العدل ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ والشورى ﴿وأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾. لذلك وجب على الدولة أن تعمل على توظيف واستثمار كل الإمكانيات والثروات المادية والبشرية من أجل سد حاجات أغلبية المجتمع بكل مكوناته بدون ترجيح كفة الانتاج وتراكم الثروة لمصلحة فئة قليلة على حساب بقية الفئات أو لجهات معينة على حساب جهات أخرى تعاني الفقر والحرمان والظلم. وذلك يستوجب الإحاطة بحاجيات كل فئات الشعب والامكانيات المتاحة من أجل بناء خطط إقتصادية تمكن دولة الشعب من توظيف الامكانيات المادية والبشرية لتغطية حاجيات المجتمع عبر أسلوب علمي يسيطر على كل جوانب عملية الإنتاج الوطني.
نحن نفهم التقدم الاقتصادي كركيزة من ركائز تقدم المجتمع ككل وليس كتراكم للثروة والربح بأيدي قلة من الشعب أو قلة من الجهات مقابل تفقير وتهميش بقية المجتمع أو بقية الجهات. وذلك يتطلب إعطاء الأولوية لتغطية حاجات أغلبية الشعب. وهو بالتالي يتطلب أن تتحمل الدولة مسؤوليتها كاملة في الإحاطة بهذه الحاجات والسيطرة على مسار الانتاج بما يغطي حاجيات الشعب بعيدا عن الإتكال الكلي على الاستثمار الخاص خاصة في المجالات الاستراتيجية التي تؤثر على مستوى حياة المواطن.
إن العدالة الإجتماعية بالمفهوم الذي ذكرناه لا تتناقض مع الملكية الفردية بل إنها تهذب التصرف فيها بأن تجعل هذا التصرف في الملكية الفردية منسجما مع مصلحة المجتمع ولا يهدد استقراره ولا يبدد ثرواته بما لا ينفع أغلبية الشعب.
إن تحقيق العدالة الإجتماعية بالمفهوم الذي أوردناه يتطلب مرحلة إنتقالية يقع من خلالها
1- الحد من إستمرار إقتصاد السوق الذي يزج بالمجتمع في متاهة المنافسة الحرة والبحث المخرب عن الربح دون أي إعتبار لمصلحة المجتمع في تغطية حاجاته والإرتقاء بمستوى حياة الغالبية. مما يؤدي إلى تراكم الثروة والمال بيد فئة قليلة من المجتمع على حساب أغلبية مفقرة ومهمشة تتحول إلى آلات إنتاج تعمل على مزيد تضخيم ثروة القلة من الأثريات والمرفهين في مقابل مزيد من الفقر والخصاصة وضيق الحال لدى أغلبية الشعب.
2- التحول التدريجي بالأساليب العلمية إلى مستوى سيطرة الشعب من خلال دولته على مسار الانتاج ليكون هدفه التنمية العادلة والمتوازنة التي تغطي حاجات المجتمع ككل.
إن تحقيق العدالة الاجتماعية بهذا المفهوم يستوجب مشاركة فعالة للمجتمع بكل مكوناته ومؤسساته في معرفة المشكلات التنموية والمساهمة بحرية في صياغة القرارات الاستراتيجية لحل هذه المشكلات إضافة الى تمكين المجتمع من مراقبة حسن سير النشاط الاقتصادي بما يتناسب مع مصلحته العامة. وذلك لتطهير مؤسسات الدولة من البيروقراطية المخربة وتطهير حركة الانتاج من المتلاعبين بثروات الشعب المادية والبشرية.
إن الديمقراطية السليمة هي شرط أساسي لتحقيق العدالة الاجتماعية لأنها تمكن الشعب من المعرفة الواسعة بالمشاكل التنموية والاحاطة بالامكانيات المتاحة والمساهمة الفعالة في صياغة المشاريع التنموية والمراقبة المستمرة لمسار تنفيذها.