14/09/2026
سقط الدكتاتور لكننا لا نزال عبيداً
..
سقط الدكتاتور وانتهى عهد طويل من القهر والاستبداد، وتحررت البلاد من سلطة كانت ترى نفسها مالكة للدولة والموارد والناس، وتتعامل مع المواطنين بوصفهم قطيعاً من الرعايا لا حقوق لهم، لكن الحقيقة التي ربما لا يزال هناك من يكابر على الاعتراف بها هي أن الدكتاتورية لم تسقط بعد وأننا لا نزال عبيداً.
الدكتاتورية ليست مجرد سلوك شخص سلطوي، وهي أيضاً ليست منظومة أمنية تبطش بالمجتمع، أو حزباً سياسياً مستأثراً بالحكم. هي كل ذلك معاً، لكنها قبل كل ذلك، وبعده، ثقافة تسكن العقول قبل أن تتوطن في مؤسسات الدولة، وعادات وسلوكيات وأوهام تتوارثها المجتمعات حتى بعد سقوط الطغاة، ولهذا يمكن أن يسقط الدكتاتور بينما تبقى الدكتاتورية جاثمة في دواخلنا، تتحرك في أفكارنا ومواقفنا وطريقة تعاملنا مع السلطة ومع بعضنا بعضاً.
نحن نريد حكم القانون لكننا لا نلتزم به ولا نقبل أن يطبق علينا، ونطالب بدولة القانون لكن حين يكون القانون في مصلحتنا فقط، ثم نبحث عن ألف تبرير لخرقه عندما يمس مصالحنا أو مصالح جماعتنا، ولا بأس لدى كثير منا أن يخالف الحكام الجدد القانون لأنهم يعتقدون أنهم مدينون لهم لأنهم “حررونا”، ومن حررنا يكافَأ بأن يصبح فوق القانون، وكأن ذاك “التحرير” الذي جاء بهم إلى السلطة يمنحهم حصانة من الامتثال للقواعد التي يفترض أن تحكم الجميع.
نريد العدالة ونطالب بها، ولكن نريدها عدالة تقتص من خصومنا فقط، نريد محاكمتهم ومحاسبتهم، لكننا نتلمس ألف عذر ومبرر لجرائمنا. نطالب بكشف فساد من سبقونا ونطلب محاسبتهم، ثم نغض الطرف عن فسادنا واستبدادنا، وكأن الجريمة تكون جريمة فقط عندما يرتكبها الآخر.
نحن لا نزال عبيداً لأوهام دينية تجعلنا نتخيل أنفسنا نخبة مختارة وسادة على البشرية، فيما نحن عاجزون حتى عن أن نكون سادة على أنفسنا وعلى أوطاننا وعلى مقدراتنا وقرارنا. نرفع شعارات التفوق على الآخرين فيما نحن ننحدر بتسارع مخيف نحو قاع القاع، نعيش في وطن ممزق، ومجتمعات محتربة، واقتصادات منهكة، ودول لا نملك فيها من القرار إلا ما يسمح لنا به أصحاب القوة والنفوذ.
نحن ما زلنا عبيدًا لأحكام فقهية تراكمت عبر القرون، فنخلط بين جوهر الرسالة الإلهية وبين التأويلات البشرية لهذه الرسالة، ونقدم اجتهادات تاريخية باعتبارها حقائق مقدسة، ثم نتوهم أننا مستهدفون حينما ينفر منا الآخرون.
نحن لا نزال عبيداً لمنظومة عادات اجتماعية لا يمكن أن يألفها ويتعايش معها عقل بشري سليم اعتاد محاكمة الأفكار والمفاهيم ووزنها في ميزان المنطق والعدل.
نحن حقاً لا نزال عبيدًا لانتماءاتنا الضيقة، ولم نصل بعد إلى اليقين بإمكانية وجود أفق رحيب يتسع لنا جميعا اسمه “وطن”، لأننا ما زلنا مجرد جماعات بشرية متنافرة ومتخاصمة يقتل بعضنا بعضاً، ويستبيح بعضنا بعضاً، ونشحذ السيوف على رقاب بعضنا بعضاً ونختلف على كل شيء تقريبًا، ولا يجمعنا سوى قطعة أرض تكاذبنا على بعضنا وأسميناها وطناً، دون أن تكون بيننا روابط وطنية حقيقية، ومن دون أن نعي حتى المعنى البسيط للمواطنة.
نحن لا نزال عبيدًا نصفق لمن يبيعنا لنخاسين ينهبون بلادنا ولقمة عيشنا ويستثمرون في ممتلكاتنا وثرواتنا الوطنية، ويسوقوننا إلى سوق العمل كالدواب مقابل لقمة عيش بالكاد تكفي لنملك القدرة على العودة إلى خيامنا المنصوبة بجانب ركام بيوتنا، وكأنه لا حق لنا في الثروة التي تنتجها أرضنا ومواردنا.
نحن لا نزال عبيداً ونصفق لأولئك الذين أثروا اليوم على حساب تهجيرنا وتشريدنا، واستثمروا في دماء أبنائنا، ويتاجرون بمقدرات وطننا وأصول دولتنا ويقدمونها بكل طواعية لمن أثروا بالأمس وقدموا كل الدعم لمن سفك دماء شبابنا وسامهم سوء العذاب.
لذلك علينا أن نتقيأ كل الأفكار والانتماءات السقيمة التي تجعل الوطن مجرد غنيمة لجماعة، وأن نتحول من رعايا ينتظرون ما يمنحه ويتفضل به الحاكم، إلى مواطنين شركاء في السلطة والثروة على السواء، مواطنين قادرين ويملكون الحق في مراقبة الحاكم ومحاسبته، مواطنين يؤمنون بأن السلطة وظيفة لا أكثر، وأن الثروة الوطنية حق عام وليست مغنمًا، وأن القانون يجب أن يكون فوق الجميع، وأننا ما لم نصل إلى ذلك فإننا لم نتحرر بعد ولا يزال صك عبوديتنا بأيدي حكامنا.
الأوطان تبنى فقط عندما يتحرّر الإنسان من الخوف، ومن تأليه الحاكم، ومن تنزيه السلطة ومن تقديس الجماعة، ومن وهم امتلاك الحقيقة المطلقة، وما لم نعلم ونتعلم أنه إن لم تكن قضية الحرية متوطنة في نفوسنا، وهاجساً دائماً من هواجسنا، ودأباً يومياً في سلوكنا وكفاحنا ومطالبنا فلن تُكتب لنا أبداً، فالشعوب التي يتكرر استعبادها مرة تحت شعارات القومية ومرة تحت شعارات الدين لن تكون الحرية من نصيبها قط، ولن تكون جزءًا من تفاصيل حياتها.
غزوان قرنفل
محامٍ وناشط حقوقي وكاتب سوري
( المقال لا يعبر بالضرورة عن موقف هيئة التنسيق الوطنية )