15/12/2014
السيَر الذاتية: متعة وفائدة
بقلم: صديق "الصديق الأخير"
كما أن عنوان العمل الأدبي هو آخر ما يضعه الكاتب؛ كذلك تكون السير الذاتية التي تحوي عنوان نجاح الكاتب وأحداث حياته وأسراره هي آخر كتبه غالبا.
ومع أنه من الأمور المشوّقة، إلا أنه من غير المحبذ أن يبدأ القارئ بقراءة السيرة الذاتية للكاتب دون أن يطلع على بعض أعماله السابقة، لأن ذلك سيسبب له الضياع عندما يأتي الكاتب على ذكر الطريقة التي أتته بها فكرة كتابة رواية معينة، وكيفية بدءه بكتابتها وتطوير أحداثها, وخاصة عندما يتحدث عن أشخاص فيها قام بخلقهم وإبداعهم.
أهمية السيرة الذاتية أنها تطلعنا على مسيرة حياة شخص قضى في الحياة داخل الأدب عقودا عدة، ومرت عليه أحداث وأحداث: عايش حروبا أو شارك فيها، تشرد وعاش تحت الجسور آكلا الخبر والملح شاربا ماء المطر، عشق وأحب حتى الثمالة، لم يمتلك ثمن شراء كتاب فكان يستعيره أو يسرقه... قبل أن يصل بفضل صبره وعمله المجدّ إلى أن يؤلف الكتب ويرتقي إلى المكانة التي بلغها.
ويمكننا أن نقول بصفة عامة، وبدءا من القرن العشرين، أن نزوة الكتابة لا تدع أي كاتب اقترب من نهاية عمره إلا وتدفعه إلى كتابة سيرة أحداث حياته، الأمر الذي لم يتح لمن ماتوا في سن الشباب جراء مرض عذبهم أو بسبب حادث، مثل أنطون تشيخوف وألبير كامو. هؤلاء تقوم عائلاتهم بعد رحيلهم بنشر أوراقهم الخاصة التي كانوا يسجلون عليها ملاحظات وأفكار وشذرات ويوميات، بالإضافة إلى الرسائل التي أرسلوها وتلك التي وصلتهم. وكل ذلك يفيدنا في معرفة كيفية عملهم وطريقة تفكيرهم وقبضهم على الفكرة التي يبدؤون بها كتابة نص معين، فأكبر رواية تنطلق من فكرة صغيرة راودتهم أو خبر سمعوه أو حادثة رأوها وقاموا بتدوينها في يومياتهم.
ومن كتب السير الذاتية نذكر إحدى أكثرها وسعا وهي ثلاثية مكسيم غوركي (طفولتي، بين الناس، جامعياتي)، والأكثر شعبية هذه السنة، سيرة ماركيز "عشت لأروي". ومؤخرا نقلت إلى اللغة العربية سيرة حياة الكاتب الألماني الأشهر وصاحب نوبل لعام 1999 غونتر غراس المعنونة "تقشير البصلة". ويقصد بهذا العنوان أنه قام بتقشير طبقات ذاكرته طبقة طبقة كما تُقشّر البصلة، وقد فعل ذلك بكل صدق وجرأة فاجأت عموم القراء في العالم وأثارت ضده موجة عارمة من الانتقاد، حيث اعترف أنه كان في السنوات التي سبقت الحرب العالمية الثانية عضوا في شبيبة هتلر النازية.