26/05/2026
عندما تلد الخُصوبة فقراً: عن مزارعٍ بلا سماد ومسؤولٍ يستثمر في "الخارج"
من أمتع الهوايات التي يمارسها بعض مسؤولينا الأفاضل وجلوس الصالونات المخملية، هي ممارسة "الاستعلاء التنموي" على المواطن البسيط. يجلس أحدهم خلف مكتبه الأنيق، تحت تكييفٍ يصارع الرطوبة، ليتساءل بنبرة حائرة ومصطنعة: "يا أخوانا، إحنا ليه ما عندنا مصانع؟ ليه بنصدر القطن خام والماشية حية؟ المزارع ده ماله كسلان كده؟ والراعي ده ليه ما بيفكر يطور أدواته؟!".
هذا السؤال، في ظاهره، يبدو وكأنه نابع من غيرة وطنية ورغبة عارمة في النهضة. أما في باطنه، فهو قمة الاستهبال والاستخفاف بعقول الناس. والناس، كل الناس، "عارفة وشايفة".
معجزة الإنتاج بلا مقومات: هل نزرع بالنيات؟
دعونا نأخذ هذا المسؤول "المندهش" من يده، ونقذفه وسط مشروع زراعي في أقاصي الولايات، أو في وعثاء المرعى في السافنا الغنية. عندما يطالب المواطن البسيط بوجود منشأة استثمارية أو مصنع لتعليب الخضر أو مسلخ حديث للحوم، فإنه لا يطلب معجزة من الفضاء، بل يطلب "ألف باء" التنمية التي فرطت فيها الحكومات المتعاقبة.
كيف يجرؤ مسؤول على لوم المزارع والراعي، والدولة لم توفر لهما حتى الساعة تياراً كهربائياً مستقراً؟ المصانع يا سيادة المسؤول لا تعمل بـ "الأمنيات"، ولا بـ "المولدات التجارية" التي تأكل تكلفتها أرباح الإنتاج قبل أن يبدأ. المصنع يحتاج إلى كهرباء قومية مستمرة، مياه وفيرة ومنتظمة، وشبكة طرق تربط مناطق الإنتاج بأسواق التوزيع. عندما يضطر المزارع لشراء الجازولين من السوق السوداء ليشغل طلمبة مياه، وعندما يقطع الراعي مئات الكيلومترات بحثاً عن مرعى لأن الدولة لم تفكر يوماً في إنشاء "مصانع أعلاف" أو "منشآت أسمدة" مدعومة، يصبح الحديث عن "التصنيع" نوعاً من الكوميديا السوداء. إنهم يطالبون المنتج بأن يصنع طائرة، بينما هم لم يوفروا له حتى مسماراً!
احتكار "الكيكة" وتجفيف المنافسة
الأزمة ليست في انعدام العقول أو رؤوس الأموال الصغيرة، بل في "الهندسة الخبيثة" للاقتصاد المحلي. الوعي الشعبي اليوم يدرك تماماً أن هناك طبقة احتكارية تمارس سياسة تجفيف منابع المنافسة. إذا فكر مزارع طموح أو شاب مبتكر في تأسيس مصنع صغير لإنتاج الأسمدة العضوية أو تدوير المخلفات الزراعية، يصطدم بجدار من البيروقراطية التعجيزية، والضرائب والجبايات التي تظهر له من حيث لا يحتسب، ناهيك عن حصر القروض البنكية الميسرة والتسهيلات الجمركية لأشخاص محددين جداً—أشخاص يملكون "الولاية المطلقة" على القرار الاقتصادي بفضل نفوذهم وعلاقاتهم.
هناك فئة مستفيدة من بقاء السودان مجرد "مخزن للمواد الخام". الاستيراد السريع يدر أرباحاً هائلة ومهولة للنخبة المحتكرة، ولا يحتاج لـ "وجع رأس" البنية التحتية. فلماذا يتعبون أنفسهم ببناء بلد، طالما أن جيوبهم تمتلئ من استيراد كل شيء، من الإبرة وحتى الصلصة؟
المفارقة المضحكة المبكية: "الوطنية" خارج الحدود!
وهنا نصل إلى ذروة المسرحية الهزلية. المسؤولون ورجال الأعمال النافذون الذين يخطبون فينا نهاراً عن "أهمية الإنتاج المحلي" ودعم الاقتصاد الوطني، هم أنفسهم أصحاب الاستثمارات الضخمة والمصانع العملاقة في... مصر، السعودية، الإمارات، وتركيا!
نعم، فالأموال التي عجزت عن إيجاد طريق لإنشاء شبكة كهرباء في الجزيرة أو كردفان أو دارفور، وجدت طريقها بكل سهولة وسلاسة لتأسيس خطوط إنتاج عالمية في الخارج. هناك، في تلك الدول، يدرك مسؤولونا فجأة قيمة "البنية التحتية"، ويحترمون القوانين، ويلتزمون بالمعايير، لأن البيئة هناك تضمن لأموالهم النمو والاستقرار.
المفارقة التي تدمي القلب أن خيرات السودان—من مواشي متميزة، وسمسم، وصمغ عربي، وقطن—تُصدر بأبخس الأثمان لتلك الدول، وتدخل أحياناً في ذات المصانع التي يملكها "أبناء البلد النافذون" في المهجر، ليتم تصنيعها وتعبئتها، ثم نعود نحن ونستوردها كمنتجات نهائية بالعملة الصعبة! هل هناك عبث وسخرية أكبر من هذا؟ المستثمر السوداني يبني اقتصاد الآخرين، بينما يطلب من المواطن في الداخل أن ينتج تحت ضوء "اللا مبالاة الحكومية".
الوعي الذي يخيفهم
إن أهم خطوة في طريق التغيير هي "الوعي". والوعي اليوم يقول: كفى ضحكاً على الذقون. المواطن لم يعد يبتلع طُعم "لوم المنتج". الراعي والمزارع هم الأبطال الحقيقيون الذين يمسكون بآخر خيوط الحياة في هذا البلد رغم أنف الظروف وطرد البيئة الاستثمارية.
التصنيع والاستثمار لا يبدأ من لوم الضحية، بل يبدأ من توفير الكهرباء، وتسهيل الإجراءات، وكسر دابر الاحتكار، وإعادة أموال البلد لبناء بيئة جاذبة في الداخل بدلاً من تشغيل عمالة الدول الأخرى. وإلى أن يدرك المسؤولون أن دورهم هو خدمة الإنتاج لا احتكاره، سنظل نستمع إلى خطاباتهم المضحكة، ونحن ننظر إلى مصانعهم في الخارج، ونردد بمرارة: "عارفينكم.. والناس كلها شايفة".