25/03/2026
📚"إمبراطورية الإسلام في حوض النيل" قصة أول حرب جهادية في العصر الحديث 1869-1899
✒️دومينيك غرين
♟️يمثل كتاب "إمبراطورية الإسلام في حوض النيل" للمؤرخ البريطاني دومينيك غرين، في ترجمته العربية الصادرة عن دار الكتاب العربي - بيروت ، عملاً تاريخياً سردياً بامتياز، يتناول إحدى أكثر الفترات درامية وتعقيداً في تاريخ شمال شرق إفريقيا، وهي مرحلة صعود وسقوط الدولة المهدية في السودان (1881-1899) في سياقها الإقليمي والدولي. يتميز الكتاب بنهجه السردي الأدبي الذي يضعه في مصاف التاريخ الشعبي (Popular History) الغربي، إلا أن قيمته تتجاوز مجرد السرد إلى تقديم تحليل متعدد الأصوات والمنظورات، مما يجعله إضافة نوعية للمكتبة العربية رغم التحفظات المنهجية والفكرية التي يثيرها.
📖أولاً: البنية السردية والإطار الزمني
🔹️يبدأ غرين روايته بلحظة تاريخية أيقونية هي افتتاح قناة السويس عام 1869، وهي اللحظة التي يراها بمثابة انفجار في الزمن الإفريقي، حيث حوّلت القارة السمراء إلى جزيرة محاطة بالمياه وفتحت أبوابها للتدافع الاستعماري الأوروبي. يمتد السرد بعد ذلك على مدى ثلاثين عاماً (1869-1899)، متتبعاً ما يصطلح عليه المؤلف "الإمبراطوريات الثلاث" التي تنازعت حوض النيل: إمبراطورية الخديوي إسماعيل الطموحة التي انهارت تحت وطأة الديون والتدخل الأوروبي، والإمبراطورية الإسلامية التي أقامها محمد أحمد المهدي في السودان، والإمبراطورية البريطانية التي فرضت سيطرتها في النهاية.
📖ثانياً: المنهج السردي وتعدد الأصوات
📍يكمن الابتكار المنهجي للكتاب في اعتماده على "أصوات" متعددة من غير صناع القرار التقليديين. لا يكتفي غرين بتتبع مسار الشخصيات الكبرى (غلادستون، غوردون، كتشنر، إسماعيل، المهدي)، بل يستدعي شهوداً عيان من هوامش التاريخ: مبشر مسيحي، تاجر رقيق، موظف في القصر، جندي مجهول. هذه التقنية السردية تسمح للمؤلف بتقديم صورة بانورامية متعددة الأبعاد للأحداث، حيث تُروى معركة شيكان أو قصف الإسكندرية من زوايا متباينة، مما يعكس تعقيد الصراع وتشابك مصالح الفاعلين. كما يمنح هذا المنهج الكتاب طابعاً أدبياً مشوقاً، وهو ما أشارت إليه المراجعات النقدية التي تضمنتها صفحات الغلاف (الغارديان، الإيكونوميست).
📖ثالثاً: قراءة الشخصيات المحورية
🔸️يقدم غرين قراءات سيكولوجية معمقة للشخصيات الرئيسية، متجاوزاً الصور النمطية. فصورة الخديوي إسماعيل تظهر بمزيج من الرؤية الحداثية الطموحة والتبذير المالي والضعف أمام الضغوط الأوروبية. أما شخصية غوردون فتُصوَّر بكل تناقضاتها: البطل القومي الإنجليزي، رجل الإيمان المتصوف، والإداري الاستعماري العنيد. في المقابل، يقدم المؤلف صورة للمهدي (محمد أحمد) من خلال طفولته الأسطورية وتكوينه الصوفي، ليظهر شخصية تجمع بين الزهد والطموح السياسي، وبين الإيمان العميق والبراغماتية القاسية. هذا التصوير، رغم قيمته الأدبية، قد يقع أحياناً في فخ التبسيط النفسي الذي تتجنبه الدراسات التاريخية الأكاديمية الأكثر تحفظاً.
📁رابعاً: قراءة الأحداث الكبرى
♟️يتتبع الكتاب بدقة الأحداث المتسارعة: مشاريع إسماعيل التوسعية في أفريقيا الوسطى وجهود صمويل بيكر وتشارلز غوردون لقمع تجارة الرقيق، ثم صعود الحركة المهدية كرد فعل على الظلم الضريبي والفساد الإداري والتغلغل الأوروبي. يعرض غرين معركة شيكان (1883) التي قضت على حملة هكس باشا، وسقوط الخرطوم (1885) ومقتل غوردون، ثم فترة الحكم المهدي وخلافته، وأخيراً حملة كتشنر لاستعادة السودان ومعركة كرري (1898) التي أنهت الدولة المهدية. يولي الكتاب اهتماماً خاصاً للبعد الإقليمي والدولي للأحداث، مسلطاً الضوء على صراع المصالح بين بريطانيا وفرنسا وبلجيكا في أفريقيا، وعلى أزمة فاشودة التي كادت تؤدي إلى حرب بين القوتين الأوروبيتين.
📖خامساً: التحفظات النقدية والمحدوديات المنهجية
ورغم قيمته السردية والتوثيقية، فإن الكتاب يثير عدة إشكاليات منهجية وفكرية، كما أشار المترجم نفسه في مقدمته. أولاً، ينتمي الكتاب إلى تيار التاريخ الاستعماري الغربي الذي غالباً ما ينظر إلى الحركات الإسلامية في أفريقيا من منظور "التمرد" و"الفوضى" و"الهمجية"، مما قد يطغى على بعدها الوطني والتحرري. ثانياً، يعزو المؤلف أسباب التخلف والرق في القارة الإفريقية إلى عوامل داخلية قبلية وإسلامية، متجاهلاً جزئياً دور الاستعمار الأوروبي في تفكيك النسيج الاجتماعي والاقتصادي للمنطقة. ثالثاً، على الرغم من ادعاءه تعدد الأصوات، تظل النخبة الغربية والوثائق البريطانية هي المرجعية الأساسية للرواية، مما يجعل الكتاب، في جوهره، سردية استعمارية معاد صياغتها بأسلوب أدبي أنيق.
📖سادساً: القيمة العلمية والأكاديمية
♟️على الرغم من هذه التحفظات، يحتفظ الكتاب بقيمته كعمل تاريخي للقراءة الواسعة، وللباحثين غير المتخصصين في التاريخ السوداني. فهو يقدم مدخلاً شيقاً ومُحكماً (بالنسبة للمراجع الغربية) لفهم الأحداث الكبرى التي شكلت السودان الحديث ومصر والإمبراطورية البريطانية. كما أن ثراءه في تصوير الشخصيات والأماكن يجعله مصدراً مهماً للدارس لطريقة بناء الصور النمطية عن "الشرق" و"الإسلام" في الخطاب الاستعماري الغربي. وأخيراً، فإن استعراضه للتنافس الأوروبي على منابع النيل يقدم خلفية ضرورية لفهم الصراعات الجيوسياسية المعاصرة حول المياه في المنطقة.
🔹️في الختام، يقدم دومينيك غرين في هذا الكتاب رواية بانورامية آسرة لأحد الفصول الحاسمة في تاريخ المنطقة، حيث تتصارع ثلاث إمبراطوريات (محلية وإسلامية واستعمارية) على خلفية من التحولات الاقتصادية العالمية والصراع الإيديولوجي بين الحداثة الغربية والإحياء الإسلامي. ورغم الحاجة إلى قراءة نقدية لتحيزاته الغربية المركزية، يظل الكتاب إضافة نوعية للمكتبة العربية من حيث أسلوبه السردي، وقدرته على تقديم التاريخ كمسرحية إنسانية متشابكة الأطراف.