05/09/2026
بسم الله الرحمن الرحيم
*_سلسلة قراءات استراتيجية_*
💢 *من إدارة الأزمة إلى صناعة المستقبل: كيف يتحول الحوار السوداني سوداني من صراع على كراسي السلطة إلى مشروع لبناء الدولة؟*
✍🏽: الدكتور محمد خالد محمد عبد الله موسى
المحلل الأكاديمي والخبير الاستراتيجي المشارك بقسم العلاقات الدولية
كلية الاقتصاد والعلوم الإدارية – جامعة القضارف
سبتمبر 2026م
*___________________*
ليس السودان اليوم أمام أزمة سياسية عابرة يمكن تجاوزها بتسوية مؤقتة، ولا أمام خلاف بين قوى سياسية يمكن حسمه بإعادة توزيع المواقع والمناصب؛ وإنما يقف أمام سؤال أكبر وأعمق:
أي سودان نريد أن نبني بعد هذه الحرب؟
هذا السؤال، في جوهره، ليس سياسيًا فقط، وإنما سؤال تاريخي وفلسفي وأخلاقي يتعلق بمعنى الدولة نفسها.
فالحروب لا تنتهي بمجرد توقف إطلاق النار، كما أن الدول لا تُبنى بمجرد تشكيل الحكومات. وقد يتوقف صوت السلاح بينما تبقى أسباب الحرب كامنة في المجتمع والدولة، تنتظر أزمة جديدة لتنفجر مرة أخرى.
ولهذا فإن انتهاء الحرب ليس نهاية الطريق، بل بداية امتحان أكثر تعقيدًا:
كيف يتحول السلام من مجرد غياب للعنف إلى وجود للأمن والعدالة؟
وكيف تتحول الشرعية من تفاهم بين القوى إلى علاقة حقيقية بين الدولة والمواطن؟
وكيف ينتقل السودان من إدارة أزماته المتكررة إلى امتلاك مشروع لصناعة مستقبله؟
من هنا تكتسب فكرة الحوار الوطني السوداني أهميتها، لا باعتبارها مؤتمرًا جديدًا تتصارع فيه النخب حول المقاعد، وإنما باعتبارها عملية وطنية تعيد طرح الأسئلة الكبرى المتعلقة بالدولة والمجتمع والمصالح الوطنية والعلاقة بين المواطن والسلطة، وبين السودان ومحيطه الإقليمي والدولي.
وفي هذا السياق يبرز مشروع «السودان أولاً» بوصفه محاولة لطرح مسار مختلف؛ يبدأ من المواطن قبل النخبة، ومن تنظيم المجتمع قبل إعادة توزيع السلطة، ومن بناء قاعدة وطنية للتوافق قبل البحث عن شكل الحكومة التي ستدير المرحلة.
ويميز المشروع بين مسارين متكاملين: خطة المسارات السبعة التي تتعامل مع قضية إنهاء الحرب ومتطلباتها العاجلة، وخارطة طريق السودان أولاً التي تمتد من إدارة الأزمة والتعافي من آثار الحرب إلى بناء الدولة ثم التمكين المؤسسي واستدامة النهضة.
وهذا التمييز مهم؛ لأن السودان لا يحتاج فقط إلى خطة توقف الحرب، بل يحتاج أيضًا إلى معرفة ما الذي سيحدث في اليوم التالي لتوقفها.
■ أولًا: المشكلة ليست في غياب المبادرات... بل في غياب المسار الوطني الجامع
عرف السودان خلال تاريخه الحديث مبادرات واتفاقيات ومؤتمرات عديدة. بعضها أوقف القتال لفترة، وبعضها أنتج ترتيبات سياسية، وبعضها فتح أبوابًا للحوار.
ومع ذلك ظلت الأزمات تعود.
لماذا؟
ربما لأننا تعاملنا كثيرًا مع الأزمة باعتبارها أزمة سلطة، بينما هي في جانب كبير منها أزمة دولة.
فالسلطة تتغير، والحكومات تتبدل، والتحالفات تتشكل ثم تنفض، ولكن الأسئلة الأساسية تبقى:
هل لدينا مؤسسات مستقرة؟
هل لدينا قواعد دستورية واضحة؟
هل تقوم الدولة على المواطنة المتساوية؟
هل يستطيع الاقتصاد توفير فرص الحياة والإنتاج؟
هل تعمل المؤسسات العسكرية والأمنية وفق قواعد دولة دستورية؟
وهل يستطيع السودانيون أن يختلفوا سياسيًا دون أن يتحول اختلافهم إلى حرب؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تكون خلف أي حوار وطني جاد.
فالمطلوب ليس فقط الاتفاق على من يدير الدولة في المرحلة القادمة، وإنما الاتفاق أولًا على كيفية منع الدولة نفسها من العودة إلى إنتاج الأزمة.
■ ثانيًا: الحوار الحقيقي يبدأ عندما تتقدم فكرة الوطن على فكرة الجماعة
الحوار الوطني لا يعني أن يتفق السودانيون في كل شيء.
فالمجتمع الحي بطبيعته متعدد في آرائه ومصالحه وثقافاته ورؤاه السياسية.
لكن هناك فرقًا كبيرًا بين الاختلاف داخل الوطن والصراع على الوطن.
الأول طبيعي، أما الثاني فيهدد وجود الدولة نفسها.
ولهذا فإن القاعدة الأخلاقية الأولى لأي حوار جاد ينبغي أن تكون واضحة:
السودان ليس ملكًا لحزب، ولا لقوة مسلحة، ولا لجماعة سياسية أو اجتماعية، ولا لنخبة فكرية، ولا لأي جهة خارجية.
السودان ملك لمواطنيه جميعًا.
وهنا تصبح عبارة «السودان أولاً» أكثر من مجرد اسم لمشروع وطني.
إنها معيار لترتيب الأولويات.
فمعناها أن تكون سلامة الدولة والمجتمع وكرامة المواطن فوق المكاسب الحزبية الآنية، وأن تكون المصلحة الوطنية هي المرجع عند الاختلاف، وأن تكون السيادة السودانية أساس العلاقة مع الخارج، وأن يصبح مستقبل الأجيال القادمة أكبر من صراع الحاضر على السلطة.
ولا يعني ذلك إلغاء المصالح والاختلافات، وإنما وضع سقف وطني فوقها جميعًا.
■ ثالثًا: الشرعية لا تُصنع في القمة وحدها... بل تبدأ من المجتمع
من الأفكار المركزية التي تطرحها السودان أولاً أن بناء الشرعية ينبغي ألا يظل عملية تجري بين النخب السياسية وحدها.
فالشرعية المستدامة تحتاج إلى مجتمع حاضر في صناعة الدولة.
وهذا هو ما يجعل البناء المجتمعي في خارطة الطريق مهمًا؛ إذ يبدأ من الأسرة، ثم الركيزة، ثم الألفية، ثم العشرية، قبل الانتقال إلى المحلية والولاية والمستوى القومي.
والفكرة هنا ليست مجرد تقسيم إداري جديد، وإنما محاولة لبناء مسار يصعد فيه التنظيم والتمثيل والتخطيط من المجتمع إلى الدولة، وتُصعّد فيه القيادات وفق الشروط والصفات التفضيلية، بدل أن يظل المواطن حاضرًا فقط عندما تحتاج إليه النخب لتأييد قرار صنعته بعيدًا عنه.
وفي الإطار الحالي، يفتح مشروع السودان أولاً كذلك الباب أمام المواطنين لفحص رؤاه وخططه، والتأييد أو الاعتراض عليها، وتقديم الملاحظات والمقترحات.
وهذا الانتقال من «الحوار باسم الشعب» إلى «الحوار مع الشعب» يمثل تحولًا مهمًا في التفكير السياسي.
وفي تقديري، فإن الوصول إلى كتلة أولية في حدود عشرة آلاف مؤيد يمكن أن يمثل «كتلة حرجة» عملية، لا باعتبارها تفويضًا باسم الشعب السوداني ولا شرعية نهائية، وإنما بوصفها مؤشرًا على أن الرؤية تجاوزت دائرة أصحابها وأصبحت جديرة بالانتقال إلى مستوى أوسع من النقاش العام.
وعندها يمكن أن يصبح عقد مؤتمر صحفي، وتقديم الرؤية للرأي العام بصورة أكثر تنظيمًا، وإرسال خطابات رسمية إلى مجلس السيادة والجهات الوطنية الفاعلة، وإلى المؤسسات الإقليمية والدولية والدول المهتمة بالشأن السوداني، خطوة طبيعية لفتح دائرة الحوار.
فقيمة الرقم ليست في أنه يتحدث باسم السودان كله.
قيمته في أنه يقول:
هناك مواطنون قرأوا هذه الرؤية، وناقشوها، ورأوا أنها تستحق أن توضع على طاولة الحوار الوطني.
■ رابعًا: الحرب ليست مجرد معركة عسكرية
الحرب السودانية تركت جراحًا لا تختصرها الخسائر العسكرية أو المادية.
هناك إنسان فقد منزله.
وأسرة فقدت عزيزًا.
وطفل انقطع عن التعليم.
ومواطن فقد مصدر رزقه.
ومجتمعات تفككت.
ومؤسسات تراجعت قدرتها على تقديم أبسط الخدمات.
وفوق كل ذلك، تراكمت في الذاكرة الوطنية كميات هائلة من الخوف والشك والغضب.
ولهذا فإن السلام الحقيقي لا يمكن اختزاله في اتفاق بين الأطراف المسلحة.
إنه يحتاج إلى منظومة متكاملة تعالج الأمن، والجانب الإنساني، والمصالحة المجتمعية، والعدالة، وإعادة الإعمار، واستعادة الخدمات، وإعادة بناء المؤسسات، وإصلاح الاقتصاد، وإعادة الثقة بين المواطن والدولة.
وهنا تظهر أهمية فكرة المسارات المتعددة في خطة المسارات السبعة لإنهاء الحرب في السودان.
فالأزمة متعددة الأبعاد، ولذلك يصعب أن يعالجها مسار سياسي أو عسكري واحد.
إن إنهاء الحرب شيء، ومعالجة آثارها شيء آخر، وبناء الدولة التي تمنع إنتاج حرب جديدة شيء ثالث.
والخلط بين هذه الوظائف هو أحد الأسباب التي تجعل بعض اتفاقيات السلام تنجح في إسكات السلاح مؤقتًا دون أن تنجح في صناعة السلام المستدام.
■ خامسًا: المجتمع الدولي شريك... لكنه ليس بديلًا عن الإرادة السودانية
لا يستطيع السودان تجاهل المجتمع الدولي، كما لا يستطيع المجتمع الدولي تجاهل السودان.
فموقع البلاد الجغرافي، وتشابك الأزمة مع دول الجوار، وحركة النزوح واللجوء، وأمن البحر الأحمر، والمصالح الاقتصادية والإقليمية، كلها تجعل السودان جزءًا من بيئة دولية لا يمكن التعامل معها بمنطق العزلة.
كما أن إنهاء الحرب والتعافي وإعادة الإعمار ستحتاج إلى تعاون إنساني واقتصادي ودبلوماسي واسع.
لكن الشراكة شيء، والوصاية شيء آخر.
السودان لا يحتاج إلى الاختيار بين العزلة والتبعية.
بل يحتاج إلى سياسة خارجية تعرف ماذا تريد من المجتمع الدولي، وماذا تستطيع أن تقدم له، وأين تبدأ الشراكة وأين تنتهي، وأين تبدأ السيادة الوطنية التي لا يجوز التنازل عنها.
نرحب بالدعم الدولي.
ونستفيد من الخبرات والتمويل والشراكات.
ونتعاون مع المنظمات والدول في المصالح المشتركة.
لكن القرار النهائي بشأن شكل الدولة ومستقبلها ينبغي أن يبقى سودانيًا.
وهذه ليست دعوة للانغلاق، وإنما دعوة إلى علاقة ناضجة مع العالم:
شراكة بلا وصاية، وانفتاح بلا تبعية.
■ سادسًا: من الحوار السياسي العاجل إلى العقد الوطني والدستور الدائم
هنا ينبغي أن نفرق بين مستويين من الحوار.
هناك أسئلة عاجلة تتعلق بإنهاء الحرب، وحماية المدنيين، واستعادة الدولة، وإدارة المرحلة الانتقالية والتعافي.
وهناك أسئلة تأسيسية أعمق تتعلق بشكل الدولة السودانية الدائم.
ما شكل نظام الحكم؟
كيف تُحمى المواطنة المتساوية؟
ما طبيعة العلاقة بين الدين والدولة؟
كيف تُدار الثروة والسلطة بين مستويات الحكم؟
ما موقع القوات المسلحة والأجهزة النظامية في الدولة الدستورية؟
كيف تُحمى الديمقراطية من الانقلابات والاستبداد؟
كيف تُنظم الانتخابات؟
كيف تُبنى مؤسسات العدالة؟
وكيف تتم محاسبة من ارتكب الجرائم دون تحويل العدالة إلى انتقام؟
هذه أسئلة مصيرية، ولكن ليس من الحكمة أن تحاول تسوية سياسية عاجلة في زمن الحرب أن تحسمها كلها نيابة عن الأجيال والمجتمع السوداني.
وفي فلسفة خارطة طريق السودان أولاً، هناك ترتيب للمراحل.
تأتي أولًا إدارة الأزمة وإنهاء الحرب، ثم التعافي من آثارها، ثم مرحلة بناء الدولة، وفيها يأتي المؤتمر الدستوري بوصفه المساحة الطبيعية لمناقشة القضايا التأسيسية الكبرى وصياغة العقد الدستوري الدائم.
وهذا التدرج مهم.
فالحوار المطلوب لإنقاذ الدولة اليوم لا ينبغي أن يصادر الحوار المطلوب لتحديد شكل الدولة غدًا.
■ سابعًا: قوة السودان أولاً في أن رؤاها قابلة للفحص والتطوير
لا توجد خطة بشرية كاملة.
ولا ينبغي لأي مشروع وطني جاد أن يقدم نفسه باعتباره الحقيقة النهائية التي لا يجوز الاقتراب منها.
وقيمة السودان أولاً، في تقديري، ستزداد كلما اتسعت دائرة فحص رؤاها وخططها ونقدها وتطويرها من العلماء والخبراء والمواطنين.
فخطة المسارات السبعة وخارطة الطريق ليستا بديلًا عن المجتمع السوداني، وإنما مقترحان يوضعان أمامه للنقاش والتطوير والسعي إلى بناء توافق وطني حول ما يصلح منهما.
والاعتراض هنا ليس تهديدًا للمشروع.
قد يكون أحد أهم أدوات تطويره.
فالخطة التي لا تحتمل السؤال لن تحتمل التنفيذ.
والمشروع الذي يخشى النقد لن يستطيع التعامل مع مجتمع متعدد ومعقد مثل السودان.
ولهذا فإن المطلوب ليس أن يوافق كل سوداني على كل بند.
المطلوب أن تبدأ مناقشة وطنية جادة تنتقل من سؤال:
من صاحب المبادرة؟
إلى سؤال أكثر أهمية:
هل ما تقترحه مفيد للسودان؟ وكيف نجعله أفضل؟
■ ثامنًا: السودان لا يحتاج إلى منتصرين... بل يحتاج إلى دولة
هذه ربما هي الحقيقة الأكثر إيلامًا والأكثر ضرورة.
في الحرب يبحث كل طرف عن الانتصار.
لكن إذا أراد السودان أن يعيش بعد الحرب، فعلينا أن ننتقل من سؤال:
من انتصر؟
إلى سؤال:
كيف تنتصر الدولة؟
فالانتصار الحقيقي ليس أن يهزم سوداني سودانيًا آخر.
الانتصار الحقيقي أن تنتصر الدولة على أسباب انهيارها.
أن يتوقف قتل السودانيين.
أن يعود النازحون واللاجئون إلى ديارهم.
أن يعود الأطفال إلى مدارسهم.
أن تستعيد المدن والقرى عافيتها.
أن تعمل مؤسسات الدولة.
أن يجد المواطن الأمن والعدالة.
وأن يصبح التداول السلمي للسلطة هو الطريق الطبيعي للحكم، بدل أن يصبح السلاح وسيلة للوصول إليها.
قد يخرج طرف من الحرب وهو يعتقد أنه انتصر.
لكن إذا خرج السودان نفسه أكثر ضعفًا وانقسامًا، فلا يوجد منتصر حقيقي.
ولهذا فإن الدولة هي الانتصار الذي ينبغي أن يبحث عنه الجميع.
■ تاسعًا: من المواطن مصدرًا للشرعية إلى المواطن شريكًا في الرقابة
إذا كانت الشرعية تبدأ من المجتمع، فإن دور المواطن لا ينبغي أن ينتهي بعد إعلان التأييد أو المشاركة في الحوار.
الدولة الجديدة تحتاج إلى مواطن يسأل ويناقش ويقترح ويراقب ويحاسب.
وهنا تنتقل المشاركة من صناعة الشرعية إلى ممارسة المسؤولية.
فالمواطن الذي يشارك في تحديد احتياجات مجتمعه ينبغي أن يستطيع متابعة ما حدث لهذه الاحتياجات.
والمجتمع الذي يقدم أولوياته ينبغي أن يعرف ما الذي اعتمد منها، وما الذي لم يعتمد، ولماذا.
والشفافية لا تعني أن توافق الدولة على كل ما يطلبه الناس، وإنما أن يعرف الناس كيف اتخذ القرار وعلى أي أساس.
ولهذا فإن أدوات المشاركة الإلكترونية والاستطلاعات والمنصات العامة يمكن أن تصبح وسائل مساعدة مهمة، بشرط أن تدار بشفافية، وأن تتيح الرأي المؤيد والمعارض، وأن تنشر النتائج بوضوح، وألا تستخدم الأرقام لإعطاء شرعية أكبر مما تمثله في الواقع.
فالشرعية الشعبية ليست رقمًا فقط.
إنها ثقافة سياسية تقوم على المشاركة والمسؤولية والشفافية والمساءلة.
■ عاشرًا: السودان أولاً ليست نهاية الطريق... وإنما محاولة لفتح الطريق
ليس واقعيًا أن نتوقع من وثيقة واحدة أن تنهي عقودًا من الأزمات.
وليس منطقيًا أن ندعي أن مشروعًا واحدًا يمتلك إجابات نهائية لكل أسئلة السودان.
لكن قيمة المشروعات الوطنية لا تقاس فقط بامتلاكها الحل النهائي، وإنما بقدرتها على نقل المجتمع من حالة الدوران حول الأزمة إلى السير في اتجاه الحل.
وهذا ما يمكن أن تمثله السودان أولاً:
انتقالًا من صراع النخب إلى بناء الدولة.
ومن انتظار الحل الخارجي إلى استعادة المبادرة الوطنية.
ومن إدارة الحرب إلى صناعة السلام.
ومن التسويات المؤقتة إلى مسار ممتد لبناء الدولة.
ومن المواطن المتلقي إلى المجتمع المنظم والشريك.
إن السودان لا يحتاج إلى خطاب يزيد الانقسام.
ولا يحتاج إلى أن يتفق السودانيون على كل شيء.
إنه يحتاج في البداية إلى مساحة مشتركة يستطيع المختلفون الوقوف عليها.
ومهما اختلفت الإجابات، ينبغي أن يبقى سؤال واحد سابقًا لها جميعًا:
ماذا يحتاج السودان؟
■ خاتمة: عندما يصبح الوطن هو نقطة الالتقاء
ربما يكون أعظم ما يمكن أن نتعلمه من هذه اللحظة السودانية القاسية أن الوطن لا يُبنى عندما ينتصر طرف على طرف، وإنما عندما يكتشف الجميع أن مستقبلهم أصبح واحدًا.
قد تختلف الأحزاب.
وقد تختلف الأقاليم والمجتمعات.
وقد تختلف المؤسسات والنخب.
وقد تتعدد الرؤى حول نظام الحكم والاقتصاد والسياسة الخارجية.
وهذا كله طبيعي.
لكن ينبغي أن تبقى هناك مساحة وطنية لا يجوز أن تصبح محل مساومة:
حرمة الدم السوداني.
كرامة المواطن.
سلامة الدولة.
سيادة القانون.
وحق السودانيين في تقرير مستقبل بلادهم.
من هنا فإن الحوار الوطني الحقيقي ليس مجرد اجتماع سياسي.
إنه فعل تأسيسي يعيد ترتيب السؤال السوداني.
فبدل أن يكون السؤال الأول:
من يحكم السودان؟
ينبغي أن يصبح:
ماذا يحتاج السودان حتى تصبح لديه دولة تستحق أن تُحكم؟
وحين يصبح هذا السؤال سابقًا لسؤال السلطة، نكون قد بدأنا الانتقال الحقيقي من إدارة الأزمة إلى بناء الدولة.
والسودان أولاً لا تعني أن يتخلى الناس عن اختلافاتهم، وإنما أن يتفقوا على أن هناك شيئًا يسبقها جميعًا:
بقاء الوطن، وكرامة مواطنيه، وحقهم في صناعة مستقبلهم.
وهي ليست دعوة إلى إقصاء القوى السياسية أو المجتمعية، وليست بديلًا عنها، وإنما دعوة لها جميعًا لأن تضع أمام مصالحها سؤالًا واحدًا:
ماذا يحتاج السودان؟
قد نختلف في الطريق.
وقد نختلف في التفاصيل.
وقد نختلف حتى مع بعض ما تقترحه السودان أولاً نفسها.
لكن ينبغي ألا نختلف على أن السودان هو الغاية.
وعندما يصبح الوطن هو نقطة الالتقاء، يمكن أن يتحول اختلافنا من وقود للحرب إلى طاقة لبناء الدولة، ويمكن أن ننتقل من وطن ينتظر الآخرين ليقرروا مصيره إلى وطن يملك أبناؤه مشروعًا يناقشونه ويطورونه ويقررون بإرادة حرة ومسؤولة أي مستقبل يريدون.
ذلك هو المعنى الذي أراه في عبارة:
السودان أولاً.