02/06/2026
:
إعادة إنتاج سياسات التشريد تحت لافتة "الإصلاح" (2-2)
الميدان 4468،، الأحد 24 مايو 2026م.
لم تقتصر آثار الحرب الدائرة في السودان على الدمار العسكري والكارثة الإنسانية فحسب، بل إمتدت بصورة مباشرة إلى مؤسسات الدولة والخدمة المدنية، بإعتبارهما الركيزة الأساسية لأي مشروع وطني يسعى إلى الإستقرار والتنمية وإعادة البناء. فقد أفضت الحرب، إلى جانب السياسات المرتبطة بها، إلى إضعاف البنية المؤسسية للدولة، وتعطيل وظائفها الحيوية، وخلق فراغ إداري وخدمي ستكون له تداعيات عميقة وطويلة الأمد على مستقبل البلاد ووحدتها الإجتماعية والسياسية.
وفي هذا السياق، تبرز خطورة السياسات التي تُطرح تحت شعارات “الإصلاح” و”ترشيد الإنفاق”، بينما تنتهي عمليًا إلى تقليص الخدمة المدنية، وفصل العاملين، وإعادة إنتاج سياسات التشريد والإفقار التي خبرها السودانيون في مراحل سابقة. ذلك أن معالجة الأزمة الراهنة لا يمكن أن تتم عبر إضعاف ما تبقى من مؤسسات الدولة، وإنما عبر مشروع وطني شامل لإعادة الإعمار، وإصلاح الخدمة المدنية على أسس مهنية وديمقراطية، واستعادة دور الدولة في تقديم الخدمات وحماية الحقوق الإجتماعية والإقتصادية للمواطنين.
وتتضاعف خطورة هذه السياسات إذا ما وُضعت في إطار الواقع المعيشي الكارثي الذي يواجهه العاملون وأسرهم اليوم. فمع الإنهيار المتواصل للعملة الوطنية، والإرتفاع غير المسبوق في تكاليف المعيشة، وإتساع دائرة الفقر والنزوح وإنعدام الأمن، يصبح فقدان الوظيفة بالنسبة لآلاف الأسر حكمًا مباشرًا بالإفقار والتشريد، لا مجرد إجراء إداري عابر. ومن ثمّ، فإن تحميل العاملين كلفة الإنهيار الإقتصادي والحرب يمثل إمتدادًا لنهج سياسي يقوم على نقل أعباء الأزمة إلى الفئات الأضعف إجتماعيًا، بدلًا من معالجة جذور الأزمة البنيوية نفسها.
إن قضية العاملين بالدولة ليست قضية إدارية أو مالية معزولة، بل هي قضية سياسية وإجتماعية تتصل بطبيعة الدولة التي ينبغي أن تُبنى بعد الحرب: هل تكون دولة مواطنة وعدالة ومؤسسات وخدمة عامة مستقلة، أم دولة تقوم على الإقصاء والتمكين وإدارة الأزمات عبر تفكيك القطاع العام وإضعاف المجتمع؟.
ومن هذا المنطلق، فإن رفض سياسات الفصل والتقليص لا ينبغي تصويره بإعتباره دفاعًا عن إمتيازات فئوية ضيقة، وإنما دفاع عن ما تبقى من مؤسسات الدولة المدنية، وعن حق المواطنين في جهاز إداري مهني ومستقل، وعن مبدأ العدالة الإجتماعية في مواجهة سياسات الإفقار والتهميش. كما أن أي حديث جاد عن الإصلاح الإقتصادي يفترض، قبل كل شيء، تبني رؤية وطنية متكاملة وشفافة تبدأ بوقف الحرب، وتقليص الإنفاق السيادي والبذخي، وإسترداد الأموال المنهوبة، وإنهاء تمكين الرأسمالية الطفيلية وشبكات الفساد، لا تحميل العاملين والشرائح الشعبية كلفة الإنهيار.
لقد أثبتت التجارب السابقة أن تدمير الخدمة المدنية لا يقود إلى الإصلاح، بل يفتح الطريق أمام المزيد من الفوضى والفساد والإنهيار المؤسسي. ولذلك، فإن المهمة الوطنية الملحّة اليوم لا تتمثل في تقليص العاملين وتشريدهم، وإنما في وقف الحرب، وإستعادة الدولة المدنية الديمقراطية، وتهيئة المناخ السياسي والإقتصادي لإصلاح حقيقي يعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس الكفاءة والعدالة والمساءلة، ويضع مصالح الشعب السوداني فوق حسابات السلطة والصراع بين مراكز النفوذ...........................
- قناة الحزب الشيوعي السوداني على التيلغرام:
https://t.me/SudaneseCommunistParty_SCP
- صفحة الحزب الشيوعي السوداني على الفيسبوك:
https://www.facebook.com/SudaneseCommunistParty/
- قناة الحزب الشيوعي السوداني على الواتساب:
https://whatsapp.com/channel/0029Va7FXjN1SWsxgtSb6907
- قناة الحزب الشيوعي السوداني على اليوتيوب:
http://www.youtube.com/c/SudaneseCommunistParty