03/04/2026
بين عقلنة الثورة وإدارة الصراع في النظام العالمي الجديد
في أعقاب الزلازل السياسية التي ضربت الشرق الأوسط عقب حراك الشارع العربي، انتقل ثقل الفعل السياسي من متاريس الشوارع إلى أروقة المؤسسات. هذا الانتقال صُمم كاستحقاق تاريخي وسوسيولوجي فرضته الحاجة إلى تحويل الغضب العفوي إلى مشروع سياسي. هنا، تبرز مؤسسات كـ"معهد الدوحة للدراسات العليا" كمشروع إقليمي طموح لـتيار"القوة الناعمة"، تهدف إلى صياغة عقل سياسي وأكاديمي قادر على فهم وتعقيد مسارات الانتقال من الاستبداد إلى بناء الدولة الحديثة.
لفهم هذه البنية، لا بد من التوقف عند الإطار الفكري الذي هندسه د. عزمي بشارة. لقد أدرك بشارة، بمساره الممتد من الاشتباك المباشر كـ"مثقف عضوي" مع بنية الاستعمار الاستيطاني، إلى موقعه كمنظر ومؤسس أكاديمي، منطلقاً من فكرة أن الحماس الثوري المفتقر إلى رافعة معرفية ومؤسساتية رصينة ينتهي حتماً إما إلى حروب أهلية طاحنة أو إلى إعادة إنتاج الديكتاتورية. من هنا، التقاء مشروعه لبناء "مؤسسة عقلانية عربية" تنتج المعرفة في العلوم الاجتماعية والسياسية مع المشروع القطري الإعلامي والدبلوماسي.
إلا أن المفارقة التراجيدية تكمن في أمرين؛ الأول أن الدولة المؤسسة هي تمثل اكبر قاعدة أمريكية ووكيل لوجستي ومالي للنظام العالمي في الشرق الأوسط، والثاني حول طبيعة "المؤسسة" ذاتها؛ فالمؤسسات بطبيعتها تميل إلى الضبط وتفضيل النظام على الانقطاع الجذري. فالمهندس الفكري، في سعيه المحموم لبناء معارضة "عقلانية" ومؤهلة لقيادة دول ما بعد الصراع، يساهم (بقصد أو بغير قصد) في إنتاج نخبة تكنوقراطية وظيفية. نخبة تتقن لغة النقد ما بعد الكولونيالي ومفردات العدالة الانتقالية، لكنها تجد نفسها معزولة هيكلياً عن نبض الشارع الراديكالي، ومضطرة للانخراط في قواعد اللعبة الإقليمية والدولية التي لا ترحم، وهنا مربط فرس السياسة القطرية.
أيضاً هنا يتقاطع هذا المسار المؤسسي، وبشكل موضوعي، مع التحولات العميقة في عقيدة السياسة الخارجية الأمريكية. فبعد الإخفاقات الكارثية للتدخل العسكري المباشر في العراق، والنتائج الفوضوية للربيع العربي، تخلت وزارة الخارجية الأمريكية عن أوهام "الهندسة الديمقراطية القسرية"، وانتقلت إلى استراتيجية "إدارة الصراع" و"الاستقرار".
لم تعد واشنطن تسعى لسحق كل حراك ثوري بالضرورة، ولكنها ستتعامل بحدية مع التيارات الراديكالية يمينًا ويساراً. هي تبحث عن فاعلين "يمكن التنبؤ بسلوكهم"؛ قوى براغماتية عقلانية يمكن الجلوس معها على طاولات التفاوض. وفي هذا السياق، تؤدي العواصم الإقليمية التي تستضيف هذه النخب (سواء في الدوحة أو إسطنبول أو جنيف) وظيفة حيوية للنظام الدولي، إنها تعمل كـ"فلاتر سياسية". تقوم بامتصاص الحركات المتمردة والراديكالية، وتعيد تدويرها وصياغتها سياسياً لتصبح قوى قابلة للدمج في النظام العالمي. واشنطن لا تحتاج إلى اختراق معهد الدوحة أو توجيهه؛ فالنظام العالمي ببساطة يتلقف المخرجات البراغماتية لهذه المؤسسات والمكاتب السياسية، لأنها النخب الوحيدة التي تتحدث لغة الدبلوماسية الغربية، وتفهم شروط البنك الدولي، وتقبل بـ"الممكن السياسي" بدلاً من "المستحيل الثوري".
على الأرض، تتبدى القسوة البنيوية لهذا المشهد. فبينما يتم فرز النخب وتأهيلها في بيئات آمنة، يُترك الجسد الاجتماعي الحقيقي ليواجه آلة الفرز المميت. في شوارع الخرطوم، وفي أزقة غزة المحاصرة، وعلى أنقاض المدن السورية، تدفع الجماهير البسيطة والقوى الجذرية التي ترفض المساومة ثمن التغيير من دمها ووجودها المادي، تحت وطأة آلات الحرب والإبادة التي تديرها الأنظمة والميليشيات بإيعاز أو صمت دولي.
النخب السياسية التي تتصدر المشهد ليست بالضرورة مجموعة من "الخونة" أو "العملاء" هم أيضًا ضحايا "اغتراب هيكلي". لقد تم تزويدهم بأدوات تحليل سياسي رفيعة، لكنهم وُضعوا في موقف لا يملكون فيه ترف تغيير قواعد اللعبة العالمية. يُعاد إنزالهم لاحقاً إلى بلدانهم المدمرة، كـ"مديري أزمات" وشركاء في عمليات تقاسم سلطة هشة، يُشرف عليها المجتمع الدولي لتأمين الحد الأدنى من الاستقرار الإقليمي.
صحيح لا يمكن لأي مشروع تحرري حقيقي أن ينجح دون إنتاج معرفي رصين وبناء مؤسساتي صلب؛ فالعداء للمؤسسة والمعرفة هو انتحار سياسي. لكن المعضلة الحقيقية تنشأ عندما تعمل هذه المؤسسات والنخب تحت سقف جيوسياسي لا يسمح بتجاوز خطوط النظام الرأسمالي العالمي وتوازنات القوى. لذا الأزمة ليست في وجود مؤامرة خفية لتدمير الوعي أو إعادة تشكيله، بل في الوهم القائل بإمكانية تفكيك منزل السيد باستخدام أدوات السيد نفسه، والتفاوض على التحرر باللغة التي صممها النظام العالمي لإدارة التبعية.
لنجب إذن على التساؤل الجوهري، هل ينتج هذا المعهد وأمثاله معرفة حقيقية أم جيلاً ونخبة موجهة؟ الإجابة واضحة وضوح الدم المسفوك؛ هذه المؤسسات لا تنتج "معرفة تحررية" بتاتاً. لان المعرفة التحررية بطبيعتها تصادمية، خطرة، وتدعو لتفكيك المركز لصالح الهامش، وبالكاد لأ يجرؤ أحد انتقاد سياسات أو توجهات المعهد أو الدولة الداعمة!. ما تنتجه هذه المراكز هو "خطاب انضباطي". إنها خطوط تجميع لإنتاج "نخبة وظيفية"؛ أجيال من المثقفين التكنوقراط والسياسيين المدجنين، الذين يتقنون لغة النقد ما بعد الكولونيالي والتحليل الفلسفي الماركسي، لكنهم يستخدمون هذا العتاد المعرفي، لتبرير خضوع بلدانهم لسياسات السوق الحرة، وتقسيمات البنك الدولي، وتدخلات المخابرات الإقليمية.
والنماذج كثيرة بداية من تحولات أبناء القوى الارثية خطابيًا وارتباطاتهم بالدوائر المتنفذة بالمعهد، توجهات السلطة في أفغانستان والعراق وسوريا، هذه التيارات لن تصلها القرارات الأمريكية المتعلقة بالعقوبات.
في النهاية هذه الأنظمة تدفع في إطار ضمان المستقبل، تنفق اليوم لضمان تمرير سياسياتها غداً.