02/09/2026
■ من الجباية إلى البناء: المقاربة المفقودة لإعادة هيكلة الاقتصاد وتوطين الصناعة الوطنية
تخوض الإدارة الاقتصادية والسلطات التنفيذية صراعاً ممتداً مع معضلات هيكلية متفاقمة؛ تتجلى في اتساع رقعة البطالة، وتزايد معدلات هجرة الكفاءات الشبابية، بالتوازي مع أزمة نقد أجنبي متصاعدة ناتجة عن نزيف مستمر للعملة الصعبة لتمويل فاتورة استيراد كان بالإمكان استعاضة نسبة مقدرة منها عبر الإنتاج المحلي. غير أن التحليل الاقتصادي الدقيق للواقع المالي الميداني يكشف عن خلل بنيوي صريح: نحن أمام منظومة سياسات "جباية تكبيلية" تُحيل البيئة الاستثمارية إلى مساحة طاردة لرؤوس الأموال الناشئة ومجهضة للابتكار.
إن العقبة الكأداء أمام تحفيز النمو لا تكمن في ضعف المبادرات الفردية، بل في "مبدأ الجباية المسبقة" الذي يخنق المشروع في مهدِه قبل دخول المورد المالي مرحلة التوليد الفعلي. فالمُستثمر الشاب في قطاع الصناعات الصغيرة يواجه ترسيمة قاسية من الرسوم التأسيسية، الضرائب المقتطعة مقدماً، والجبايات المتعددة لصالح المحليات، والبيئة، والدفاع المدني. يكتمل هذا المشهد بتشوه هيكلي في التعريفة الجمركية يُعامل المعدات والآلات ومدخلات التصنيع بذات المنطق الضريبي المطبق على السلع الاستهلاكية والترفيهية، مما يدفع الطاقات الإنتاجية حتماً نحو الاقتصاد غير المنظم أو النزوح الخارج.
وللانتقال المنظم من نموذج "الدولة الجابية" إلى "الدولة الممكنة للإنتاج"، يتطلب الأمر حزمة إصلاحية جريئة تستند إلى ثلاثة محاور رئيسية:
إعفاءات ضريبية مشروطة بإنشاء الوظائف: تطبيق تحفيز ضريبي كامل (Zero Tax Policy) لمدة 5 سنوات للمشروعات التحويلية والصغيرة ذات رأس المال المحدود، شريطة تحقيق نصاب تشغيلي محلي (ربط الإعفاء بخلق 3 فرَص عمل على الأقل). إن التنازل الحاضر عن تحصيل إيرادات هي بالأساس غير موجودة لعدم قيام المشروع، يضمن بناء قاعدة ضريبية أوسع مستقبلاً عقب استقرار تلك المنشآت.
إصلاح هيكل التعريفة الجمركية لمدخلات الإنتاج: اعتماد رسوم جمركية صفرية مستدامة على الآلات، قطع الغيار، والمواد الخام الصناعية. تُظهر تجارب التنمية الصاعدة (كرواندا ومصر) أن خفض كلفة رأس المال الثابت (Capital Expenditure) يعد شرطاً شارحاً لزيادة الناتج المحلي الإجمالي، وتحسين الميزان التجاري، وضمان تدفقات ضريبية طويلة الأجل.
إلغاء بيروقراطية المعاملات عبر النافذة الموحدة: أتمتة الدورة المستندية بالكامل وحصر صلاحيات الترخيص والتسجيل في مركز مالي ولوجستي موحد يُصدر التصاريح خلال 48 ساعة، للقضاء على الهدر الزمني وتجفيف منافذ الفساد الإداري.
إن التعافي الاقتصادي لا يُصنع بزيادة كاهل الاقتطاعات الضريبية على اقتصاد منكمش، بل بتحفيز القاعدة الإنتاجية وتحويل الطاقات الشبابية من عبء استهلاكي إلى قوة تصنيعية. يبقى الرهان اليوم قائماً بين استمرار إدارة المشهد بمنطق "الجباية الآلية ضيقة الأفق"، أو الانتقال الشجاع نحو "الاستثمار في البناء الصناعي المستدام.