12/05/2026
📌 غادة أبو عيدة.. حينما تصبح الحكيمة أما للوطن، ويغدو ابنها فداء له
في كل عام، يأتي يوم التمريض العالمي محملا بعبارات الشكر والعرفان لمن يحملون الرحمة في أيديهم، ويزرعون الطمأنينة في قلوب المرضى.
لكن في غزة… لا يقاس التمريض بعدد المناوبات، ولا بساعات العمل الطويلة، بل يقاس بحجم الأرواح التي أنقذت من الموت، وبعدد الدموع التي يبتلعها الممرضون كي يبقوا واقفين أمام وجع الناس.
في غزة، لا يرتدي الممرض ثوبه الأبيض فقط … بل يرتدي الصبر، والخوف، والفقد، والبطولة اليومية.
ومن بين كل الحكايات التي كتبت بالدمع والصمود، تبرز حكاية الحكيمة غادة أبو عيدة، كأنها مرآة كاملة لمعاناة التمريض الفلسطيني وعظمته. ولهذا، تبدو غادة اليوم جديرة بأن تكون الشخصية التي تجسد عظمة التمريض في غزة، لا لأنها أدت واجبها المهني فحسب، بل لأنها أعادت تعريف معنى أن يكون الإنسان ممرضا… وأما… ووطنا في آن واحد.
في صباح الأربعاء، الأول من نوفمبر لعام 2023، كان المستشفى الأندونيسي يضج بالمصابين والنداءات المتلاحقة. أصوات الأجهزة تختلط بالدعوات، ورائحة الدواء تمتزج برائحة الحرب. وفي وسط ذلك كله، كانت غادة تتحرك بين الأسرة بثبات المقاتلين ورحمة الأمهات.
كانت تمسح على رؤوس الأطفال، وتطمئن الجرحى بكلمات صغيرة تشبه النجاة. لم تكن تؤدي وظيفة… بل كانت تحرس الحياة بما تبقى من قلبها المتعب.
وفجأة…
وصل الخبر الذي مزق روحها: قصف إسرائيلي استهدف منطقة القطاطوة حيث يوجد بيتها ويسكن أبناؤها.
تعثرت أنفاسها، وثقلت خطواتها، لكنها هرعت إلى قسم الاستقبال، حيث تبدأ الحكايات المؤلمة دائما في غزة. وقفت هناك بين الأسرة والنقالات، تحدق في الوجوه القادمة، وقلبها يرتجف كطائر مبتل بالعاصفة.
بدأت الحالات تتوافد على المستشفى الأندونيسي , وإذ بها ترى ابنتها سوار ذات الأحد عشر عاما بعينين مذعورتين على نقالة المصابين تبحثان عن أمها ,لم يسعفها الوقت لتحتضنها وتبقى بجوارها , فلقد بدأت رحلة بحثها بين المستشفيات على من تبقى من أبناءها... محمد، ابنها العشريني، نقل إلى مستشفى كمال عدوان مصابا .. وغسان، ابن الثالثة عشرة، وصل إلى مستشفى العودة مثقلا بالألم ... أما تالا، ذات الستة عشر عاما، فقد كانت هناك أيضا، تصارع وجعها بصمت.
وفي خضم الفوضى والدم والانتظار … جاء الخبر الذي لا تنجو منه أم: استشهد ابنها محمود.
محمود …
الفتى اليافع ذو السبعة عشر عاما، الذي خرج من الدنيا قبل أن تكتمل أحلامه، وقبل أن تشبع أمه من النظر إلى ملامحه.
رحل محمود، لكنه ترك خلفه أما تحول وجعها إلى رسالة صمود.
في تلك اللحظة، كان يحق لغادة أن تنهار، أن تصرخ، أن تترك العالم بما فيه. لكنها، ككل الممرضين في غزة، كانت تعرف أن خلف كل دمعة مريضا ينتظر يدا تنقذه، وخلف كل فاجعة واجبا لا يسمح لها بالسقوط.
أخفت قلبها المكسور خلف ثوبها الأبيض، ومسحت دموعها سريعا، ثم عادت لتضمد جراح الآخرين، فيما جرحها الأكبر ينزف بصمت.
أي قوة تلك التي تجعل أمّا فقدت فلذة كبدها تقف لتواسي الآخرين؟
وأي وطن هذا الذي تصنع نساؤه من الحزن نورا، ومن الفقد حياة؟
إن قصة غادة أبو عيدة ليست قصة أم فلسطينية فقط، بل قصة التمريض في غزة كله…
ذلك التمريض الذي يعمل تحت القصف، ويودع أبناءه ثم يعود إلى ميادين العمل، ويقاوم الموت بقلوب أنهكها الحزن ولم تنحنِ.
وفي يوم التمريض العالمي،
تنحني الكلمات احتراما لكل ممرض وممرضة في غزة، أولئك الذين جعلوا من مهنتهم رسالة نجاة، ومن إنسانيتهم خط الدفاع الأخير عن الحياة.
أما غادة أبو عيدة…
فليست مجرد حكيمة في مستشفى، بل أم للوطن كله، امرأة حملت وجعها بيد، وحملت الناس باليد الأخرى،
فاستحقت أن تكون وجه التمريض الفلسطيني، وصورة الصبر التي لا تنسى.
رحم الله الشهيد محمود، وشفى الجرحى من أبنائها وأبناء شعبها، وكتب لغادة ولكل ممرضي غزة أجر الصابرين الذين يضيئون العتمة، حتى وهم ينزفون.