11/05/2020
سالم بن حمد الجهوري
عايشت اللحظات التاريخية التي زار فيها جلالة السلطان قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه – لمدرسة الوارث بن كعب بولاية السويق ، تلك الولاية التي تتوسد البحر وتتكئ على جبال الحجر الغربي ، وذلك يوم السبت 4 من ذي الحجة 1393هجرية الموافق 29 ديسمبر 1973م ، التي بقيت ملامح تفاصيلها عالقة في الذاكرة بعد 46 عاما من حدوثها وغيرت مفاهيم كبيرة في التعليم ، استنير بها والجيل الذي رافقني إلى أن رحل القائد الملهم تاركا تلك الذكرى تتجدد في عقولنا
طاقم المدرسة كان من الاساتذة الأجلاء بجمهورية مصر العربية ومديرها ممدوح عزمي وأستاذ الرياضيات سمير وأستاذ اللغة العربية خيري وأستاذ الاجتماعيات جلال وأستاذ اللغة الانجليزية وصفي والأستاذ شفيق إلى جانب كوكبة من الأساتذة العمانيين يأتي في مقدمتهم الأستاذ المربي محمد بن بطي القاسمي، والأستاذ جمعة بن راشد البلوشي الذي يشغل الآن رئيس المراسم السلطانية والأستاذ خميس بن بطي القاسمي والأستاذ علي الجوي والأستاذ صالح بن عبيد وهؤلاء من أوائل من التحقوا بهذه المدرسة
في ذلك الصباح الشتوي توقفت سيارة « الرنج روفر» التي كان يتنقل بها بين أبنائه في ربوع عمان ذات التضاريس القاسية ، يتلمس احتياجاتهم الأولية لتأمين العيش الكريم ، أمام باب المدرسة المذكورة ، ليترجل منها مرتديا بزته العسكرية التي كانت توحي بحالة الطوارئ التي كانت في البلاد بسبب حرب الجنوب، وكان الجيش العماني يقارع فيها تلك الفئة المتمردة في غرب إقليم ظفار ، فقد كان منشغلا بها منذ مجيئه في الثالث والعشرين من يوليو 1970 إلى 1976م عندما أخمدت للأبد.
التقى هذا الزائر الاستثنائي عند مدخل الباب بمدير المدرسة الاستاذ ممدوح وبدأ متجولا فيها من الفصل الرابع الذي كان أعلى الفصول في ذلك الوقت ، وتفقد أحوال الطلبة وتحصيلهم المعرفي وتحاور معهم، وكان يضم كوكبة من أبناء الولاية من ضمنهم شقيقان لي إلى جانب بعضهم من الكفاءات اليوم.
ثم انتقل إلى الصف الثالث الذي كنت فيه، فكسر بدخوله المفاجئ أجواء حصة اللغة الانجليزية، ليسود الصمت الكبير فتحدث في البداية مع معلم الفصل الأستاذ وصفي ، ثم أخذ يتنقل بين الدارسين ويتجول بين طاولاتهم ، فكان كل ثلاثة منهم على طاولة خشبية واحدة ، وأخذ يتحدث مع معظم الذين مر عليهم حتى وصل إلى الطاولة التي كنت عليها، وكان برفقتي كل من الزميلين عبدالله بن صالح السعدي سفير السلطنة في الصين والطيار محمد بن حمدان الإسماعيلي قائد طائرة جلالة السلطان الراحل قبل عدة سنوات ، وآخرون من الذين تفخر بهم عمان اليوم ، تناول دفتر الواجب الذي رفعه من على الطاولة وكنت استرق النظر لمعرفة ردة فعله بعد قراءته بعضا مما كتبت، ثم أعاده ، كنت قلقا من عدم ارتياحه ، مرت لحظات صعبة للغاية إلا أنه أبدى بعض الرضى ليسألني إن كنت كتبت ذلك ، استمر في تجواله وسط سكون تام ، وكنا نجيل بأنظارنا في زوايا الفصل في انتظار شيء ما يحدث ، لا نسمع الا أنفاسنا.
*غفر الله له ورحمه وجزاه عنا كل خير*