30/05/2026
وادي مرتيل: مشروع ملكي بين طموح التنمية وأسئلة الحكامة والمحاسبة
لم يعد مشروع تهيئة سهل وضفاف وادي مرتيل مرتبطاً فقط ببطء الإنجاز أو تعثر الأشغال، بل أصبح يثير تساؤلات أعمق حول مدى احترام المبادئ الدستورية والقانونية المؤطرة للتدبير الترابي، والحكامة الجيدة، وتدبير المال العام.
فالمشروع الذي قُدم أمام أنظار صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله سنة 2015، كان يحمل هدفاً واضحاً يتمثل في تحويل فضاء ظل لعقود مرادفاً للفيضانات والهشاشة العمرانية إلى قطب حضري جديد، يحقق المصالحة بين السكان والوادي، ويؤسس لنموذج تنموي حديث لتطوان الكبرى.
ولم يكن المشروع مجرد عملية هندسية لتأهيل مجرى مائي، بل رؤية استراتيجية شاملة تمتد على أكثر من 1600 هكتار، وتهم 11 قطاعاً حضرياً، وتهدف إلى تحسين التنقل، وتوفير فضاءات خضراء، واستقطاب الاستثمارات، وخلق فرص الشغل، وإعادة هيكلة المجال الحضري الممتد بين تطوان ومرتيل وأزلا.
غير أن ما كان يفترض أن يشكل أحد أكبر المشاريع الحضرية بشمال المغرب، تحول اليوم إلى نموذج يثير العديد من التساؤلات حول التعثر والغموض وضعف الحكامة. فباعتباره ورشاً استراتيجياً لإحداث قطب حضري جديد لتطوان الكبرى، فإن طريقة تدبيره تطرح علامات استفهام مشروعة حول موقع المؤسسات المنتخبة في اتخاذ القرار، ومدى شفافية تدبير الموارد المالية، واحترام حقوق الملاك المتضررين من عمليات نزع الملكية.
أولاً: تهميش المؤسسات المنتخبة ومخالفة روح الجهوية المتقدمة
ينص دستور 2011، في فصله 136، على أن التنظيم الترابي للمملكة يرتكز على مبادئ التدبير الحر والتعاون والتضامن ومشاركة السكان في تدبير شؤونهم.
كما يؤكد الفصل 139 على ضرورة إرساء آليات تشاركية للحوار والتشاور، تمكن المواطنات والمواطنين والجمعيات من المساهمة في إعداد وتتبع برامج التنمية.
غير أن الواقع العملي لمشروع وادي مرتيل يكشف أن القرارات الجوهرية ظلت محصورة بين الإدارة المركزية وشركة التهيئة STAVOM، في حين ظل دور المجالس المنتخبة محدوداً في المصادقة على الاتفاقيات أو تتبع بعض المراحل، دون مشاركة فعلية في صياغة الخيارات الاستراتيجية.
وهنا يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن الحديث عن الجهوية المتقدمة إذا كانت المؤسسات المنتخبة لا تملك التأثير الحقيقي في أحد أكبر المشاريع العمرانية بالجهة؟
ثانياً: مخالفة فلسفة القانون التنظيمي للجماعات 113.14
يمنح القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات اختصاصات واسعة للمجالس الجماعية في مجالات التعمير والتنمية المحلية وإعداد التراب والمحافظة على البيئة والفضاءات العمومية.
كما تنص المادة 83 من القانون نفسه على اختصاص الجماعة في مجال التهيئة الحضرية والتنمية المستدامة وتأهيل المجال الترابي.
إلا أن واقع مشروع وادي مرتيل أفرز نوعاً من نقل القرار من المؤسسات المنتخبة إلى شركة التهيئة، وهو ما أدى عملياً إلى إضعاف الرقابة السياسية والديمقراطية على المشروع.
فشركة التهيئة، مهما بلغت كفاءتها التقنية، لا يمكن أن تحل محل المجلس المنتخب الذي يمنحه الدستور والقانون الشرعية الديمقراطية لاتخاذ القرار.
ثالثاً: إشكالية نزع الملكية وحقوق الملاك
ينص الفصل 35 من الدستور على أن حق الملكية مضمون، ولا يمكن الحد منه إلا بمقتضى القانون ولأسباب تقتضيها متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد.
كما يؤكد القانون رقم 7.81 المتعلق بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة والاحتلال المؤقت ضرورة احترام مبدأ التعويض العادل والمنصف.
غير أن تعدد الطعون القضائية واحتجاجات الملاك داخل مجال المشروع يكشف أن الملف العقاري لم يتم تدبيره بالشكل الذي يضمن التوازن بين متطلبات المنفعة العامة وحقوق الأفراد.
وكان من المفترض معالجة الملف العقاري قبل الانتقال إلى المراحل التنفيذية الكبرى، تفادياً لتحويل المشروع إلى سلسلة من النزاعات القضائية التي استنزفت الزمن التنموي للمنطقة.
رابعاً: الحكامة المالية وحق المواطنين في المعلومة
خصص للمشروع، خلال مرحلته الثانية، غلاف مالي يفوق مليار درهم للفترة الممتدة بين 2020 و2028.
وينص الفصل 27 من الدستور على حق المواطنات والمواطنين في الحصول على المعلومات الموجودة بحوزة الإدارة والمؤسسات العمومية.
كما يؤكد الفصل 154 أن المرافق العمومية تخضع لمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية.
وبناءً على ذلك، فإن نشر تقارير دورية مفصلة حول:
• الاعتمادات المصروفة فعلياً؛
• نسب تقدم الأشغال؛
• الصفقات المبرمة؛
• الكلفة الحقيقية للإنجاز؛
• أسباب التأخير؛
ليس مجرد خيار إداري، بل التزام دستوري يدخل في إطار تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
خامساً: غياب التقييم والمساءلة
ينص الفصل الأول من الدستور على أن التنظيم الدستوري للمملكة يقوم على مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
وبعد أكثر من عشر سنوات على إطلاق المشروع، يصبح من المشروع التساؤل:
• من يتحمل مسؤولية التأخير؟
• من المسؤول عن التعثر العقاري؟
• من المسؤول عن تعديل البرمجة الزمنية؟
• من المسؤول عن عدم بلوغ الأهداف المعلنة؟
فالمال العام لا يقاس فقط بحجم الاعتمادات المرصودة، بل أيضاً بمدى تحقيق النتائج المنتظرة داخل الآجال المحددة.
نحو إنقاذ المشروع واستعادة الثقة
إن تعثر مشروع تهيئة سهل وادي مرتيل لم يعد مجرد إشكال تقني أو إداري، بل أصبح قضية حكامة عمومية بامتياز.
فالدستور المغربي والقوانين التنظيمية للجماعات والجهات لا تدعو إلى تركيز القرار داخل شركات التهيئة، بل إلى إشراك المؤسسات المنتخبة والمواطنين في صناعة القرار وتتبع التنفيذ وتقييم النتائج.
ومن هذا المنطلق، فإن إنقاذ المشروع يمر عبر:
• إعادة الاعتبار للدور السياسي للمجالس المنتخبة؛
• نشر معطيات مالية وتقنية دقيقة للرأي العام؛
• تسوية الملفات العقارية العالقة وفق مبدأ التعويض العادل؛
• إخضاع شركة التهيئة لتقييم مستقل وشامل؛
• تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة بشأن سنوات التأخير.
وفي الأخير، فإن مشروع وادي مرتيل ليس مجرد ورش عمراني، بل اختبار حقيقي لمدى احترام الدولة والجماعات الترابية لمبادئ الحكامة الجيدة التي جاء بها دستور 2011، ومدى قدرتها على تحويل المشاريع الاستراتيجية إلى نتائج ملموسة تخدم المواطن والتنمية.
عادل بنونة
رئيس فريق حزب العدالة والتنمية بجماعة تطوان