10/04/2025
كيف تم التلاعب في الأرقام لتغليط الرأي العام في موضوع الأبقار والأغنام؟
شهد موضوع دعم الأغنام والأبقار في الآونة الأخيرة جدلاً ونقاشًا حادًا في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، خاصة بعد الحملة الممنهجة التي أطلقها تباعًا قيادات حزبين يتذيلان ترتيب الفرق النيابية، لكن عند الرجوع إلى الوثيقة التي تضمنت الإيضاحات المقدمة خلال مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2025، والتي مر عليها نصف سنة بالمناسبة، يتبين مايلي:
✅ مجموع كلفة ماتم استيراده من الأبقار والأغنام خلال سنتي 2023 و2024 لا يتجاوز 5.6 مليار درهم، وهو ما يمثل أقل من نصف 13 مليار درهم التي يُروج أنها قدمت كدعم! (الرقم 1 و 2 في الوثيقة أسفله) وهو ما يُنَاقِضُ أكذوبة 13 مليار درهم، إذ كيف يعقل أن يشكل الدعم ضعف ثمن الاستيراد !
✅ مروّجوا هذه الادعاءات عمدوا إلى احتساب الإعفاء من الضريبة على القيمة المضافة (TVA)، بالإضافة إلى الإعفاء من رسوم الاستيراد البالغة 200%، والتي أوقفتها الحكومة، بالنسبة للأغنام والأبقار الأليفة التي يزيد وزنها عن 350 كيلوغرامًا، على أساس أنها دعم حكومي لتغليط الرأي العام.
✅ هذه الرسوم (لم تكن مفعلة) بل كانت تمثل إجراءً حمائيًا للكساب في العالم القروي من منافسة القطيع الأجنبي، حيث كان الهدف منها هو حماية القطيع الوطني من خلال جعل استيراد الأغنام والأبقار الموجهة للذبح مكلفًا للغاية. وهذا ما كان يجعل الفاعلين في القطاع لا يجرؤون على استيراد الأغنام، والأبقار التي تفوق 350 كيلوغرامًا، حيث لم تتحصل ميزانية الدولة على مداخيل هذه الرسوم منذ إقرارها إلى الآن.
✅ الحديث عن "تبديد" المال العام في هذا السياق حق أريد به باطل، إذ لم تكن تلك الرسوم لِتدخل أصلًا إلى الميزانية لو لم يتم إيقافها. فكيف يمكن للفاعل في المجال أن يجرؤ على دفع رسم قدره 200% عن كل رأس، ليؤدي في النهاية مبلغًا يساوي ضعف ما أنفقه على شراء الأغنام والأبقار (على سبيل المثال، في حال شراء الخرفان المستوردة بمبلغ 2000 درهم، كان سيؤدي 4000 درهم كرسوم عن كل رأس. أما في حالة شراء الأبقار بمبلغ 20,000 درهم، فكان عليه أن يؤدي 40,000 درهم عن كل رأس)، فضلًا عن تكاليف النقل والشحن !
✅ أدوات التضليل لجأت أيضا إلى خلط متعمد بين الإعفاءات الجمركية التي لم تكن تُدر أي إيرادات على الميزانية العامة في الأصل، وبين الدعم الحكومي الاستثنائي الموجه للمستوردين خلال عيد الأضحى، والذي حُدد في 500 درهم عن كل رأس من الأغنام المستوردة. إذ لم يتجاوز مجموعه خلال سنتي 2023 و2024 مبلغ 437 مليون درهم، أي 0.437 مليار درهم، وهو مبلغ يبقى معقولًا ومقبولًا في ظل تعاقب سنوات الجفاف طيلة سبع سنوات متوالية.
✅ ينبغي أن نتخيل الكلفة التي كان من الممكن أن تصل إليها الأغنام خلال العيدين الماضيين لولا الإجراءات الاستباقية التي مكنت من استيراد 875 ألف رأس، حيث ساهم هذا الاستيراد بشكل مباشر في ضبط السوق واستقرار الأسعار، أو على الأقل في الحد من ارتفاعها الكبير. إذ أن هذه الكمية المستوردة رفعت من حجم العرض، مما خفف من حدة الضغط على الطلب، وسمح بتحقيق نوع من التوازن النسبي في السوق. ولو لم يتم اتخاذ هذا القرار، لكان النقص في العرض قد أدى إلى قفزة غير مسبوقة في الأسعار، قد تصل إلى حدود 250 درهمًا للكيلوغرام.
✅ مروجوا هذه الاتهامات عمدوا أيضًا إلى تقليص عدد المستفيدين بشكل متعمد إلى 18 مستورد فقط، دون تقديم أي دليل ملموس أو لوائح تؤكد ذلك، علمًا أن عدد المستوردين حسب الوثائق الرسمية لوزارة الفلاحة يصل إلى 156 مستوردًا، منهم 61 مستوردًا في عام 2023 و95 مستوردًا في 2024، وهو ما تؤكده اللوائح التي نشرها "المكتب الوطني للحبوب والقطاني" بكل وضوح وشفافية.
✅ تجدر الإشارة كذلك، إلى أنه تم فتح المجال أمام جميع المستوردين الذين تتوفر فيهم الشروط المنصوص عليها في القرار الوزاري المشترك بين وزارة المالية ووزارة الفلاحة، وأن المعلومة كانت منشورة ومتاحة للجميع، علماً أن إمكانية الإعفاء من الرسوم الخاصة باستيراد الأبقار والأغنام لا تزال سارية المفعول إلى الآن، خاصة مع تأطيرها في قانون المالية الذي صادقت عليه أحزاب الاستقلال والأحرار والبام.
✅ لذلك، فحري بهذه الجوقة عوض أن تستمر في "مندبة انتقاء المستوردين" أن تعمل على تشجيع مستوردي المواشي على الاستيراد لتخفيف الضغط على القطيع الوطني حتى يستعيد عافيته بدلاً من التباكي كذبًا على خسائر غير موجودة في الواقع لخدمة أجندات انتخابية عجزوا عن تحقيقها في الميدان.