23/05/2026
… الدوار الصغير
رغم أنني بلغت السادسة والخمسين من العمر، ما يزال دوار قصبة تادلة بتفاصيله الصغيرة يسكنني كما لو أن الزمن توقف هناك.
ما تزال زيارات أهل الدوار الصغير، آيت اسماحة، لبيتنا في فصل الربيع عالقة بالذاكرة؛ يأتون محملين بخيرات الطبيعة وكل ما كان ينقص الدوار الكبير: اللبن، الزبدة، البلبولة، البيض، والدجاج البلدي. كانت تلك الزيارات تحمل معها دفء القرابة أكثر مما تحمل من مؤونة.
ثم مواسم التبوريدة، حيث كنا نعلن بفخر أن لنا أهلا يتقنون فن الفروسية، وأننا ننتمي إلى جلدتهم، وكأن البارود وصهيل الخيل جزء من الهوية والانتماء.
أتذكر أيضا المسيرة الخضراء، بتراجيديا تحرير الوطن، بين حماس المشاركة وخوف كثيرين من نداء الوطن، وبين من لبّى النداء ومن اختار الهروب، رغم أنها كانت مسيرة فاقت كل التوقعات وأعادت تشكيل الوعي الوطني لجيل كامل.
وأتذكر تدشين أول معمل للعزل، ذلك المشروع الذي وفر الشغل لأكثر من خمسمائة عامل، يومها شعر الناس أن التنمية قد تجد طريقها إلى المدينة. كما أتذكر الثكنتين العسكريتين اللتين صنعتا نوعا من التجانس الاجتماعي، حيث اختلط أبناء العسكريين بأبناء الريف والصحراء، فصار “ولد العسكري” و”ولد الريفي” و”ولد الصحراوي” أبناء حومة واحدة وذاكرة واحدة.
ورغم كل هذه القصص، بقيت قصبة تادلة حبيسة التنمية، حبيسة الحسابات السياسية الضيقة، وحبيسة تمرد الواقع على الحلم.
مدينة يراها البعض بقرة حلوبا، ويرى فيها آخرون حلما مؤودا لم يكتمل ...
✍🏻 جواد الݣناوي