03/09/2026
https://www.facebook.com/share/p/19fViBo13b/
تشكر «القوّات اللبنانيّة» الناس على انتظاراتهم منها، وتعرف أنَّ هذه الانتظارات أمانة وليست عبئًا....
موقف اليوم:
3-9-2026
تُدرك «القوّات اللبنانيّة» أنَّ الناس تضع عليها الكثير من الانتظارات، وهي لا تنزعج من هذه الانتظارات إطلاقًا، بل تراها ثمنًا طبيعيًّا للثقة التي راكمتها عبر مسيرتها: الثقة بنهجها، وبخطّها، وبثباتها، وبنظافة كفِّها، وبوضوحها، وبمسيرتها، وبقائدها الذي لم يُبدِّل في أصعب الظروف، ولم يُغيِّر قيد أنملة في ثوابت القضية، من المراحل الأكثر سوءًا إلى ما نعيشه اليوم من انفراج نسبي.
وتُدرك «القوّات» أيضًا أنَّ هذه الثقة تحمّلها مسؤوليّة تاريخيّة، وأنَّ الرأي العام ينتظر منها أن تُسهم في صناعة التغيير، وصولًا بلبنان إلى شاطئ الأمان الذي طال انتظاره. لكن هناك حقيقة ينبغي ألّا تغيب عن أحد: «القوّات» هي كصاحب الوزنات، وبقدر ما تُعطى من وزنات، تستطيع أن تستثمرها، وتؤثِّر، وتُغيِّر.
فالحيثيّة الشعبيّة لـ«القوّات» ثابتة وراسخة وقويّة، لكن الحيثيّة النيابيّة والسياسيّة هي التي تحوِّل هذه القوّة الشعبيّة إلى قدرة على الفعل والتأثير داخل المؤسّسات. ولولا الحيثيّة النيابيّة التي أفرزتها، مثلًا، انتخابات 2022، ولولا الدور الذي أدَّته «القوّات» في احتضان الصفّ السيادي وجمعه، والتواصل مع الحلفاء والشركاء، والتنازل حيث يجب، والتوافق حيث يمكن، لكان المشهد مختلفًا تمامًا اليوم.
ولولا هذه القوّة السياسيّة والنيابيّة، لكانت رئاسة الجمهوريّة في مكان آخر، وكانت أولويّة الجالس على كرسي الرئاسة الدفاع عن مشروع الجمهوريّة الإيرانيّة، لا الجمهوريّة اللبنانيّة، ويُردِّد في كلّ موقف الثلاثيّة الخشبيّة: «جيش وشعب ومقاومة». ولما كنّا أمام قرارات حكوميّة لنزع السلاح الإيراني وحلّ التنظيم العسكري والأمني التابع لإيران في لبنان، ولا أمام مسار مفاوضات مباشرة.
لذلك، على كلّ مكوّن في لبنان أن يعرف دوره. المواطن يعرف دوره في صناديق الاقتراع، عندما يقرّر لمن يمنح صوته وأيّ مشروع يريد أن يختار. و«القوّات» تعرف دورها جيّدًا: أن تكون حارسة الدولة، وحارسة الجمهوريّة، وحارسة القضيّة، وحارسة الفكرة اللبنانيّة. وبقدر ما يكبر حجم «القوّات»، تكبر قدرتها على التأثير في اتّجاه التغيير، من خلال حلفائها وشركائها، لأنَّ «القوّات» تعرف أنَّ التغيير في لبنان لا يحصل منفردًا، بل بالشراكة مع القوى السياديّة والوطنيّة التي تلتقي معها على الهدف نفسه.
والقوّة التي نشأت عن انتخابات 2022، بعد مسار تراكمي بدأ مع خروج جيش الأسد من لبنان، ودائمًا بالتكامل مع الأحزاب والشخصيّات الحليفة والصديقة، شكّلت حاجزًا أمام إبقاء رئاسة الجمهوريّة ومؤسّسات الدولة تحت هيمنة الممانعة. وهذه نتيجة سياسيّة واضحة لما أفرزته تلك الانتخابات.
وبالتوازي، لا بدَّ من تسليط الضوء على مسألة لا يتنبّه إليها الكثيرون، وهي الفارق بين من يتحمّل مسؤوليّة مجتمع بأكمله، ومن يتحدّث بصفته الفرديّة. فالفرد يستطيع أن يقول ما يشاء، لأنَّ مواقفه، في النهاية، لا يتحمّل نتائجها مجتمع بأكمله، و«القوّات» تشجِّع كلّ فرد على قول ما عنده. أمّا «القوّات اللبنانيّة»، وانطلاقًا من مسؤوليّتها التاريخيّة، ومن كونها دائمًا في الصفوف الأماميّة ورأس الحربة، ومن كونها اليوم بالذات الحيثيّة السياسيّة والمسيحيّة والوطنيّة والشعبيّة الأكبر، فهي تعرف أنَّ أيَّ خطوة غير محسوبة قد يدفع ثمنها مجتمع بأكمله.
وهذا تحديدًا هو الفارق بينها، مثلًا، وبين الحزب الإيراني في لبنان. فقد اختار الحزب خيارات انتحاريّة، وربط لبنان بالمشروع الإيراني التوسّعي والتخريبي، وأدخل بيئته ولبنان واللبنانيين جميعًا في مشروع دمّر لبنان، وهو مشروع إقليمي دفعت البيئة الشيعيّة نفسها أثمانًا باهظة من أجله.
وكان باستطاعة «القوّات» أن تغامر في تسعينيّات القرن الماضي، فتحتمي بالمجتمع لإنقاذ نفسها من التحوّلات الدوليّة والإقليميّة التي وضعت لبنان في حضن الأسد. كان ذلك الخيار الأسهل. لكنها، بسبب حرصها على مجتمعها وعلى لبنان، دفعت بجلدها ثمن تمسّكها بالدستور والدولة الفعليّة، وثمن تمسّكها بالسيادة والاستقلال، ورفضها للوجود العسكري الأسدي في لبنان، ورفضها للسلاح الإيراني.
لم تطلب من الآخرين أن يدفعوا الثمن عنها، بل هي دفعته بنفسها. ومن هنا، إذا كان بعضهم يعتبر أنَّ «القوّات» تتأنّى في بعض مواقفها، فليدرك أنَّ هذا التأني هو جزء من مسؤوليّة من يريد أن يحمي الدولة، لا أن يعرِّضها للخطر، ومن يريد أن يحمي المجتمع، لا أن يعرِّضه للمخاطر، في مرحلة تحوّلات غير مسبوقة تحوّلت معها المنطقة برمّتها إلى برميل بارود.
وتنطلق «القوّات» من نقاط ارتكاز واضحة: كما كان أيّ كلام قبل العام 2005، خارج سياق إخراج جيش الأسد من لبنان، مضيعة للوقت، كذلك الأمر اليوم؛ فلا مفاوضات جدّيّة يمكن أن تنجح، ولا استقرار يمكن أن يستقيم، ولا دولة يمكن أن تقوم فعليًّا، ما لم ينتهِ السلاح الإيراني في لبنان، وتستعيد الدولة وحدها قرار الحرب والسلم.
لذلك، تشكر «القوّات اللبنانيّة» الناس على انتظاراتهم منها، وتعرف أنَّ هذه الانتظارات أمانة وليست عبئًا. لكنها تقول، في الوقت نفسه، إنَّ الطريق إلى التغيير لا يبدأ فقط بما تفعله «القوّات»، فهي فعلت الكثير وستفعل الكثير، انطلاقًا من إيمانها والتزامها، بل يبدأ أيضًا بما يمنحه الناس لها من قوّة وقدرة على الفعل.
والأساس، قبل كلّ شيء، هو الصمود: الصمود على القضيّة، وعلى الثوابت، وعلى المبادئ، وعلى لبنان الإنسان والحرّيّة والسيادة. فهذا الصمود هو الذي أبقى الشعلة مضيئة طوال هذه السنوات كلّها، وهذه الشعلة هي التي ستبقى مضيئة حتى يصل لبنان، مهما طال الطريق، إلى شاطئ الأمان.