19/04/2018
رفيق شرف
الانسان الفنان
بقلم: حسين أحمد سليم
صارع المرض بقوة وبطولة , ساخرا منه حينا , متألما بعنفوان أحيانا , محاولا بوجع الجبار , أن يبعد شبح الموت عنه , دون فعل الابتعاد عن فنه , مقاوما كل العوائق , رافضا كل العقبات , واثقا من الانتصار بابتسامته , باقيا يتحدث بنفسية المتمكن القوي عن فنه , المعجب المندهش بأعماله ...
لكنه ترجل أخيرا , الفنان الذي عاش فارسا , وقاوم مرضه فارسا , وقاتل ألمه بضراوة , وهو يذوي وينحل , محتفظا ببريقه , وطيبته وكبريائه ... فقضى فارسا , مشرئب الرأس إلى أعلى , ومضى إلى الرحاب الأوسع فارسا , تاركا كل سلاحه , عازفا عن القتال , وسيفه ما زال مشرعا , والدروع ما زالت صامدة , والريشة ما زالت منغمسة تناغم الألوان , تنتظر الأصابع الحانية , تمسدها , تحركها , تخلق فعل الحياة , في حركة عنترية بعلبكية , لتحكي سيرة فنان راحل ...
رفيق شرف , علم من أعلام الفن والمعرفة في الجامعة اللبنانية وفي لبنان والعالم ... رؤياه مختلفة , تتميز بحب الحرية , والجهر بالحقيقة رغم مرارتها ... وشخصيته نادرة ومميزة , أحب الطبيعة والتاريخ , أحس بالقدر والوجود , وجمال الحياة , وتمرد عليها في نفس الوقت ...
فنان أسطوري , يشكل ظاهرة فريدة , واتجاها مميزا في المجال الفني ... من رعيل أسس لحركة الفن التشكيلي اللبناني المعاصر , غدت منطلقا , تسم الهوية الفنية اللبنانية والعربية , بكل متكامل ... متوكئا على الأصالة الثقافية والفكرية والجمالية العربية , من دون الجنوح إلى فعل التغريب الفني ... جامعا بين التراثية والحداثة العربيتين , رغم دراساته في بلاد الغرب , فأسس لوحة ذات جذور عربية وتطلعات عصرية ...
إنسان صوفي متقشف ووجودي , واقعي خيالي سريالي , كتب التراث والحياة بالريشة واللون , عبر مسيرته الفنية , التي تمتد عمليا , بين أواسط الخمسينيات ونهاية التسعينيات من القرن العشرين , مصارعا الوقت والحدث , منفلتا من الحلول الوسط , منطلقا نحو العالمية ...
انتقل بأعماله الفنية بين الرومانسية والواقعية والتجريدية والعبثية , وهو من أكثر فناني جيله تنويعا , مزج بين المراحل الفنية , وولد بعضها من بعض , رابطا بين سمات لوحاته برومانسية الثوار , من البطولات البعلبكية إلى البطولات العنترية , بلمسات من التجريدية , التي تعكس معالم الصفاء في سهل البقاع , المتأصل في ذاتيته إشراقا من الصفاء الروحي , برؤى فنية خاصة به ...
حالة فنية مغايرة , تنتظر من يكمل عناصرها وتطوير مفرداتها , وبالتالي تكاملها , من الجيل الفني المعاصر , سيما من تعرف إليه , أو تعلم على يديه , أو تأثر بمدرسته , أو عايشه فنانا وآنسانا ...
واحد وسبعون عاما قضاها " عنتر بعلبك " رفيق شرف مع الفن , مفعم بروحه , ناذرا نفسه للفن , ملتزما هموم الإنسان ... فقد انبرى لمغامراته التشكيلية , منذ العام 1952 ووعى ذاكرته التراثية , من خلال الأسطورة الشعبية , وأقلم هذه الأساطير والحكايات والخرافات , تشكيلا لبنانيا وعربيا معاصرا , ساردا هذه الحكايات بكل عفوية وصدق وبراءة , فجاءت لوحات وألوانا تخبر بدورها وتحكي للعالم عن شؤون وشجون الإنسان المعاصر ... مكرسا القسم الأوفر من حياته الفنية بالعطاء الفني والإبداع , وهو يعالج مشاكل المجتمع من خلال لوحاته وريشته التي سقطت بعد مرض عضال لازمه منذ ثلاث سنوات " بسرطان الرئة " , تاركا بصمات مميزة في عالم الفن ...
منذ الستينات تجسدت مواقفه الفنية , في تعلقه بالتراث , ورفضه الكامل للتأثيرات الغربية , مما حرك قضية الهوية العربية في الفن التشكيلي ... ففي أواخر الستينات عرض لوحات عنترة , وفي مطلع السبعينات عرض لوحات سهول بعلبك , التي صورها في صفاء مذهل , بقعا بيضاء , صفراء , بنفسجية , رمادية مشرقة , لوحات تجرد السهل , وتحيله إلى ما يشبه مرايا , تعكس نوعا من الإشراق الداخلي , وهي المرحلة الإشرافية الصافية , التي توحدت روح الفنان شرف مع الطبيعة , ليخوض مرحلة المنمنمات , منتقلا من صوفية إشرافية , إلى صوفية أكثر تعقيدا ... عارضا في أواخر السبعينات لوحات دمج فيها ما بين الفنون الإسلامية والفنون البيزنطية ... مزيجا من التراث العربي الإسلامي , في تعبير عن علاقة الرؤيا بالمرئي , والرؤيا بالرؤية , ليعطي اللوحة طابعها الروحي العميق , في تزاوج مع فكرة المطلق , وهالة الضوء , المنبعثة من استخداماته للذهبي والبرتقالي , إيحاءا من الأيقونة المسيحية البيزنطية الشرقية , بتمازج مع التراث التجريدي الصوفي , مشكلة في هارمونيتها الثلاثية , جوهر مرحلة المنمنمات ...
نال شرف عددا من الأوسمة الوطنية والعربية والأجنبية وأقام عددا من المعارض في لبنان والخارج ... وتميزت لوحاته الفنية التجريدية بالعفوية والصدق , وهي تعالج أمور الحياة من خلال نظره للفن الترقيمي والتكعيبي ...
أعطى رفيق شرف بدون حساب , فكان أحد أبرز 100 شخصية فنية عالمية , وقد دخل الموسوعة العالمية من ضمن 500 شخصية عالمية بعد أن تميز في دورته وكان من الأوائل في معاهد إيطاليا ...
هو من مواليد مدينة بعلبك في العام 1932 , تخرج من الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة في العام 1955 , ونال في نفس السنة الجائزة الأولى لمعرض الأونيسكو , وجائزة وزارة التربية ...
تلقى منحة من الحكومة الإسبانية , و تخرج من الأكاديمية الملكية للفنون ( سان فرناندو ) مدريد في العام 1957 , وتابع اختصاصه فيما بعد في أكاديمية ( بياترو فانوتشي ) , بعد تلقيه منحة من الحكومة الإيطالية في العام 1960
أقام أكثر من 45 معرضا خاصا في لبنان , وأقام معارض في مختلف أنحاء العالم , ومثل لبنان في المعارض العالمية التالية : بينال باريس , معرض متحف الفن الحديث روما , بينال سان باولو , البندقية , موسكو , زغرب , بلغراد , طوكيو , الكويت , تونس , الإسكندرية , باليرمو , مونت كارلو , لندن , فيينا , مدريد , واشنطن , ويتشتا كانساس , ديترويت , الرياض , الإمارات العربية المتحدة .
اسمه ولوحاته مسجلة في أربع موسوعات خاصة بالفن العالمي المعاصر : موسوعة بينال باريس 1963 , موسوعة سان باولو البرازيل 1973 , موسوعة موسكو للفن العالمي المعاصر 1959 , موسوعة الفن اللبناني المعاصر 1975 , ويعتبر من مؤسسي حركة الفن اللبناني المعاصر .
مدير سابق لمعهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية لمرتين من 1982 إلى 1987 ومن 1994 إلى 1996 , أستاذ التكنولوجيا والتأليف والتطبيقات في الجامعة اللبنانية , معهد الفنون الجميلة في بيروت .
مؤلفاته : دراسات منشورة في الفن والجماليات وقصائد من الشعر . صدر له ( كتاب رفيق شرف ) : نص أدبي عن دار الطليعة في العام 1980 , وقد كتبت فيه دراسات وأطروحات جامعية في المدن التالية : بيروت , نيويورك , باريس , موسكو , زغرب , دمشق . وهو عضو سابق في اللجنة الوطنية للفن اللبناني التابعة لمنظمة الأونيسكو 1962
توجد مقتنيات خاصة من أعماله في : مدريد , فلورنسا , نيويورك , باريس , لندن , دكار , واشنطن , ديرويت , فيينا , بيروت , برلين , موسكو , الرياض , الكويت , دمشق , روما , بروجيا , عمان , قطر , جامعة الدول العربية في واشنطن , مركز الشرق الأوسط في واشنطن , متحف عمان , منظمة الدول الأميركية , المغرب , الإمارات العربية المتحدة , البحرين .
حائز على " جائزة الدولة " للفن في لبنان , العام 1973 , حائز على الدرع الذهبي للجيش اللبناني في العام 1977 , حائز على درع قائد الجيش اللبناني في العام 1988 , حائز على الدرع الذهبي للفن العربي من إمارة الشارقة في العام 1993
انتخبته في سنة 1998 الموسوعة الأميركية العالمية ( أي بي آي ) للسير الحياتية واحدا من بين أهم 500 شخصية عالمية ريادية مؤثرة في هذا القرن . انتخبه مركز ( آي بي سي ) في كامبرج في إنكلترا ( world whos hall of fame ) واحدا من بين أشهر 200 شخصية دولية في موسوعته لسنة 1998 لإنجازاته المميزة في الفن العربي المعاصر .
أقام عدة معارض خاصة قبل التخرج : معارض في بعلبك في الأعوام 1952 و 1953 و 1954 , معرض زحلة في أوتيل القادري في العام 1955
وله معارض خاصة بعد التخرج : معرض مهرجانات بعلبك الدولية في العام 1959 , معارض الأونيسكو الدورية ( الربيع والخريف ) من سنة 1955 حتى سنة 1974 , معارض مشتركة .
ومن معارضه : معرض كآليري ريفلكسيون في شارع السادات في العام 1960 , معرض الأونيسكو في العام 1960 , 1970 , معرض السان جورج في العام 1961 , معرض الكارلتون في الأعوام 1961 , 1962 , 1963 , 1964 , 1965 , 1967 , 1991 , معرض قاعة الأوريان في العام 1968 , معرض معرض تشير مانهاتن في العام 1969 , معرض كآليري كونتاكت في الأعوام 1972 , 1973 , 1974 , معرض كآليي دامو في العام 1979 , معرض كآليي بخعازي في العام 1974 , معرض كآليي أليسار في العام 1981 , معرض صيدا في مركز معروف سعد الثقافي في العام 1991 , معرض كآليي ستاسيون دي زار في العام 1993 , معرض كآليي مرايا في العام 1995 , معرض سيتي كافيه في العام 1998
أما معارضه الخاصة العالمية : معرض مدريد في العام 1956 , معرض فيينا في العام 1964 , معرض ويتشينا كانساس في ميشيغان العام 1973 , معرض واشنطن في مركز الشرق الأوسط في العام 1980 بدعوة من منظمة الدول الأميركية . معرض ديترويت في العام 1980 بدعوة خاصة من منظمة الدول الأميركية والجامعة العربية والجمعية العربية الأميركية للفنون . معرض الرياض في العام 1979 بدعوة رسمية من المملكة العربية السعودية . معرض الشارقة بدعوة رسمية من الإمارات العربية المتحدة في العام 1993 , معرض أبو ظبي بدعوة رسمية من الإمارات العربية المتحدة في العام 1993
كرمته وزارة الثقافة والتعليم العالي باحتفال خاص , ومنحته وساما خاصا ...
ومن أواخر مساهماته المشاركة في معرض الريح والآفاق , الذي أقيم بالتزامن مع مهرجانات اهدن السياحية في العام 1999 , والمشاركة في المحترف التشكيلي الذي أقيم في معتقل الخيام متحديا المرض .
وهكذا حصد رفيق شرف ما زرع , فقد عرف على نطاق عالمي وعربي واسعين , وغدت لوحاته من أشهر اللوحات الفنية في لبنان والعالم العربي ...
أسس مدرسته الفنية المميزة , تاركا بصماته على الفن اللبناني , والفن العربي الحديث , فقلده الكثيرون , وساجله الكثيرون , وتأثر به الكثيرون ...
رفيق شرف وان مات جسدا , لم يمت فنا وفكرا وروحا , فهو باق فينا , من خلال ما كتب ويكتب عنه في الموسوعات , من خلال الأوسمة التي منحت وستمنح له , من خلال ضروب التكريم التي أقيمت وستقام له , ومن خلال نصوصه الساخرة , في " كتاب رفيق شرف " , ومن خلال الأطروحات والدراسات التي توضع عنه , لتخلد بقاءه بيننا , يتأمل , يسخر , يحزن , يرسم , ويتعنتر بلوحاته , كعنترته بعنفوانه وكبريائه ...