27/10/2025
عكّار ليست ساحة للبيع ولا مسرحًا لأحلام المهووسين بالسياسة
عكّار ليست أرضًا للمساومة، ولا ساحةً للمتاجرة بالرغبات، ولا ميدانًا يعبث به من جعل من السياسة وسيلةً لإشباع غروره أو هوسه بالسلطة.
فهذه الأرض الطيبة التي أنجبت رجالًا من أشرف ما يكون، لم تكن يومًا سلعة في سوق الطامعين، ولا سُلَّمًا يصعد عليه المتسلّقون نحو مصالحهم الشخصية.
إن الحلم الحقيقي الذي يجب أن يسكن في قلوبنا جميعًا هو أن نرى عكّار مرفوعة الرأس، شامخةً بأبنائها الصادقين، المخلصين، الذين يخدمونها بإيمانٍ وعملٍ وتضحية، لا بأموالهم واستعراضاتهم، ولا بأوهام المجد المزيف الذي لا يُبنى على تعب الناس ولا على فقرهم.
اليوم، يحاول بعض “الطارئين على السياسة” أن يجعلوا من عكّار مسرحًا لطموحاتهم المريضة، يأتونها في كل موسم انتخابي حاملين في جيوبهم بعض الدولارات، وفي قلوبهم رغبةً بالظهور لا بالعمل، وبالوجاهة لا بالخدمة.
إنهم يتسلّقون على أكتاف الناس، ويستغلّون وجع الفقراء، ويظنون أن شراء الأصوات أسهل من بناء الثقة، وأن المال أقصر طريقٍ إلى الكرامة، مع أن الكرامة لا تُشترى ولا تُباع.
علينا أن نكون على وعيٍ كاملٍ بهذه اللعبة الخطيرة.
فهؤلاء لا يسعون إلى خدمة المواطن، بل إلى خدمة أنفسهم، وهم لا يعرفون حتى أبسط مفاهيم الإدارة العامة.
لا يفرّقون بين “صندوق الضمان الاجتماعي” و“صندوق المهجّرين”، ولا يعرفون معنى إدارة مرفقٍ عامٍ يخدم الناس يوميًا.
ومع ذلك، يتحدثون عن “الإصلاح” و“الإنقاذ” وكأنهم خبراء في الدولة ومفاتيحها.
يُنفِقون المال هنا وهناك:
يدفعون بعض الدولارات، ويوزّعون لمبات كهرباء، ويطلقون وعودًا على وسائل التواصل الاجتماعي، وكأنّ الكرامة يمكن أن تُشترى بهذه الفتات!
يتعاملون مع الناس بعقلية “التاجر والمستهلك”، لا بعقلية “المسؤول والمواطن”.
يقدّمون وعودًا يعرفون مسبقًا أنها فارغة، لكنها تُقال فقط لتملأ الفراغ الانتخابي في صفحاتهم.
وهناك من بينهم من بدأ بالفعل بحجز المقاعد في اللوائح مقابل المال، وكأنّ اللوائح السياسية تحوّلت إلى مقاعد في طائرةٍ سياحيةٍ من الدرجة الأولى!
يدفعون المبالغ هنا وهناك، يظنون أن الانتخابات في عكّار “عطلة نهاية أسبوع”، يقضونها في ضجيج الوعود والابتسامات، ثم يعودون إلى عالمهم التجاري والمالي، تاركين وراءهم شعبًا فقيرًا متعبًا لا يجد من يلتفت إليه طوال ست سنواتٍ قادمة.
يتركون عكّار تواجه مصيرها وحدها، تمامًا كما فعل من سبقهم، وكأنهم لم يأتوا إلا ليأخذوا لا ليعطوا.
إن عكّار ليست ميدانًا للتسوّل السياسي، بل ميدانٌ للعمل الجاد والإخلاص الحقيقي.
هي أرض الرجال الذين يعرفون أن السياسة مسؤوليةٌ لا غنيمة، وأن الخدمة العامة شرفٌ لا وسيلة للربح.
من يظنّ أن الكرامة تُشترى بالدولار، أو أن احترام الناس يُستورد مع الهبات، فهو واهم.
المال قد يفتح الأبواب، لكنه لا يصنع الاحترام، ولا يبني تاريخًا، ولا يمنح شرعيةً حقيقية في قلوب الناس.
كم رأينا عبر السنوات من مرشحين جاءوا بالأموال الكثيرة، وملأوا الشوارع باللافتات والوعود، ثم اختفوا فور انتهاء الانتخابات، تاركين الناس لأزماتهم اليومية، بلا كهرباء، بلا ماء، بلا خدمات، ولا حتى حضورٍ يُذكر.
هم نفسهم من يعودون اليوم بوجهٍ جديدٍ وعباراتٍ منمقة، يطلبون الثقة من جديد وكأن الناس لا ذاكرة لها.
لكن الناس تعرف.
تعرف من وقف إلى جانبها في الشدائد، ومن غاب عنها في المحن.
تعرف من قدّم خدمةً حقيقية، ومن قدّم فقط كلماتٍ جوفاء وصورًا على “السوشيال ميديا”.
وصدق عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حين قال:
“من خضع لغنيٍّ، ووضع له نفسه إعظامًا له، وطمعًا فيما عنده، ذهب ثلثا مروءته، وشطر دينه.”
فكيف بمن يبيع صوته وكرامته وضميره مقابل حفنةٍ من الدولارات؟
إنه يخسر مروءته كلها، ويبيع مستقبله ومستقبل أولاده في صفقةٍ خاسرة لا رابح فيها سوى الفاسدين.
لذلك، نقول لكل أهلنا في عكّار:
احفظوا كرامتكم، ولا تجعلوا أحدًا يشتريها منكم بثمنٍ بخس.
كونوا أنتم أصحاب القرار، لا أداة في يد المتسلقين والمتمولين الطارئين.
اصنعوا عكّار التي تليق بكم، عكّار العزة والكرامة والعمل، لا عكّار الوعود الفارغة والمصالح الضيقة.
ارفعوا صوتكم عاليًا في وجه من يحاول امتهان كرامتكم، وامنحوا أصواتكم لمن يستحق، لمن عاش معكم وجعكم، لا لمن زاركم يوم الانتخابات فقط.
عكّار أكبر من أن تُشترى، وأعظم من أن تُستغل، وأكرم من أن تكون بوابةً لأحلام المهووسين بالسلطة.
هي بيتنا جميعًا، ومسؤوليتنا جميعًا.
ومن يخلص لها، ترفعه وتكرمه.
ومن يخونها، تلفظه كما لفظت من سبقوه.
والله وليّ التوفيق.