31/08/2026
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم علّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علّمتنا، وزدنا علمًا، إنك أنت العليم الخبير.
اللهم علّمنا علمًا نافعًا في الدنيا، وعلمًا يرفعنا في الآخرة، ولا تجعل مستقبلنا في هذه الدنيا، ولا تجعل وجودنا فيها متعلقًا إلا بالنجاح في الآخرة؛ فهذه الدنيا قصيرة مهما طالت.
قال الله تعالى:
﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾.
تصوّروا أن الإنسان عندما يقف بين يدي الله عز وجل، وبعد كل ما عاشه في هذه الدنيا، وبعد سنوات طويلة من العمر، يكون شعوره أن كل ما مضى لم يكن إلا يومًا أو بعض يوم. الله أكبر!
فلماذا يجعل الإنسان أساس حياته في الدنيا، ويُهمل أساسه في الآخرة؟ وما قيمة بيتٍ عظيمٍ وأساسٍ متينٍ، إذا كان صاحبه لا يعلم دين الله، ولا يتعلم ما ينفعه، ولا يثبت في قلبه الإيمان والعلم والعمل الصالح؟
اللهم ثبّت في قلوبنا وعقولنا دينك، واجعل من أعظم شعائر حياتنا إعلاء كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، وأن نحيا عليها، ونموت عليها، ونُبعث عليها، وندخل الجنة بها، وأن نشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وسلم.
لقد كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أعظم خلق الله، ومع ذلك عاش متواضعًا، وكان ينام على الحصير حتى يؤثر في جنبه الشريف. ثم انتقل إلى الرفيق الأعلى، وبقيت سيرته وسنته وهديه حيّة في الناس إلى يومنا هذا.
فما حاجة الإنسان إلى أساسٍ عظيمٍ في منزلٍ من الدنيا، وهو لا يعلم متى يترك هذا المنزل في أي لحظة، وينتقل إلى حفرةٍ لا أساس فيها إلا التراب؟
وكما قيل في معنى بليغ:
اللهم اجعلني ودودًا رحيمًا، قبل أن أصبح عَظْمًا تأكله الديدان.
فماذا ينفعنا أساس بيتٍ لا يقوم على العلم، ولا على الحلم، ولا على الدين، ولا على تعظيم شعائر الله؟
قال تعالى:
﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾.
نسأل الله أن ينير قلوبنا وعقولنا بالعلم النافع، وأن يثبتنا على الدين الحق الذي أنزله الله على قلب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
وعندما نقف بين يدي الله، لن ينفعنا أساس البيت، ولا المال، ولا الجاه، ولا المظاهر، وإنما سنُسأل عن أعمالنا وأقوالنا ونياتنا.
قال الله تعالى:
﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾.
سنُسأل عن كل كلمة، وعن كل نية، وعن كل لفظ، وعن كل عمل، وعن كل أذى ألحقناه بالناس، كما أننا نُجازى على كل خير، وعلى كل علم نشرناه، وعلى كل كلمة طيبة قلناها، وعلى كل إنسان أعنّاه أو أسعدناه.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«بلِّغوا عني ولو آية».
فنسأل الله أن يكون أساسنا الحقيقي في آخرتنا، لا في دنيانا؛ لأن أساس الدنيا سيبقى يومًا ثم يصبح حطامًا.
قال الله تعالى:
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾.
نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل الآخرة، وأن يجعل مستقبلنا الحقيقي يبدأ من الآخرة، لا من هذه الدنيا التي مهما أعطتنا، فإنها تبقى دار تعبٍ ومشقةٍ وفناء.
وعندما تضيق بنا الدنيا، نتذكر ما علّمنا إياه نبينا صلى الله عليه وسلم من التوكل على الله، فنقول:
حسبنا الله ونعم الوكيل.
ونقول كما قال الله تعالى:
﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾.
ونقول دعاء موسى عليه السلام:
﴿رَبِّ إِنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ﴾.
ثم نوقن يقينًا صادقًا أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يجري أقدارنا، وأنه لا يقع في ملكه شيء إلا بعلمه وحكمته.
قال تعالى:
﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾.
فنصبر ونحتسب، ونحمد الله في السراء والضراء، لأن أجر الصابرين عند الله عظيم.
قال تعالى:
﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
اللهم ارحمنا واعفُ عنا وثبّتنا على دينك.
اللهم اجعل نظرتنا إلى الدنيا نظرةَ من يعلم أنه تاركها ومفارقها، واجعل نظرتنا إلى الآخرة نظرةَ من أعدّ لها واستعدّ لها، فهي دار الإقامة والخلود.
هناك المستقبل الحقيقي، وهناك الأساس الحقيقي، وهناك الحياة الحقيقية، وهناك ما لا ينتهي.
أما الدنيا، فكل ما فيها زائل.
اللهم وكما قلت في كتابك الكريم:
﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾،
فاجعل لنا نصيبًا من هذه الرحمة، واجعلنا من أهلها، ولا تحرمنا فضلك وعفوك ورحمتك.
اللهم اجعل أساسنا الإيمان، وعمادنا العلم النافع، وزادنا العمل الصالح، ومستقبلن
اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همّنا، ولا مبلغ علمنا، واجعل الآخرة همّنا وغايتنا، وثبّتنا عند الموت، وثبّتنا في القبر، وثبّتنا يوم نلقاك.
اللهم اجعل خاتمتنا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وأدخلنا بها جناتك برحمتك يا أرحم الراحمين.
والحمد لله رب العالمين.
وصل الله وسلم وبارك على سيدنا محمد سيد الأولين والأخرين