17/03/2026
مسلسل: مولانا... عندما ينتظر ُ المظلوم مُخلّصه!!!
في خضم الكم الهائل من المسلسلات والاحداث الدرامية المتنوعة، يبرز لدينا مسلسل مختلف في سياقه النصي. فالمسلسل السوري "مولانا"، والذي يجسد بطله "نيم حسن" يسلط الضوء على جوانب كثيرة مختلفة في الحياة، وهي مستمدة من واقعنا الاجتماعي والفكري الضارب في العمق.
ورغم ان فكرة المسلسل قائم على شخصية (جابر) الذي ينتحل شخصية (سليم) بعد موته في حادث سيارة، إلا أن ثمة فكرة أكبر، تتطور مع تسلسل الأحداث والحلقات.
ما أود أن أسلط الضوء عليه هنا يمكن أن يكون مختلفا عن الطروحات الأخرى. فهنا أود أن أسلط الضوء على ديناميكية شخصية رجل مُضْطَهَد وقاتل، وهو (جابر)، يتلبّس دور الولي ببركاته في قدرة فائقة التصوّر، وبنجاح لافت، يُسهم في اجتياح الوعي الجمعي لناس أهل الضيعة (القرية)، فيصدقون ما يرونه، ويتمسكون به، أي مولانا، لأنهم على يقين أنه الوحيد القادر على تخليصهم من بطش وعنف قوى الجيش الظالمة، وانه الوحيد الذي سينصفهم من الظلم والاضطهاد بعد ان استشرى في هذه الضيعة النائية. فتحوّل هذه الشخصية المركبة والمعقدة من شخصية كانت تعمل كحفّار للقبور إلى ولي يأم الناس في الصلاة في أول مرة يدخل بها الضيعة تضعه امام تقلبات كثيرة من الأحداث، لتتصاعد وصولا إلى تربّعه على أن يكون الشخص الأوحد القادر على حل مشكلات أهل الضيعة في كل مشكلة يواجهونها، وأن يصبح المرجع في كل مشكلاتهم القديمة والحالية والمستقبلية.
وما يلفت الانتباه في هذه الأحدث، القدرة الكامنة في تجسيد هذا الدور الصعب، ببطلها (تيم حسن/ سليم) وتصديق الحالة التي يعيش بها في المسلسل. إلا أن هذه الشخصية المعقدة والمركبة في الآداء تجمع ما بين الانكسار المستمد من الماضي، والعزيمة المستمدة من الحاضر، والإصرار على تكسير الصعب نحو المستقبل، وتحدي ما عانت منه شخصية (جابر) في الماضي، واسترجاعه في الحاضر مُجسّدا بشخصية (سليم) المُنتحلة. فيصبح البطل بين شخصيتين مختلفتين تتصارعان مع بعضهما بعض. فلا تريد الشخصية الثانية المُنْتحلة التي تجسّدت بــ (سليم) أن تعود إلى ماضي الشخصية الأولى الأساسية التي تجسدت في (جابر). فتحاول الشخصية الأولى أن تختفي من الشخصية الثانية لتكون الشخصية الثانية هي الشخصية السائدة بين أهل الضيعة والجيش على حد سواء.
ومهما ما قيل عن كون هذا المسلسل ما هو إلا نسخة عن مسلسلات أخرى سابقة كأن تكون إيرانية أو من أفلام سابقة أيضا، فهذا لا يعني أن العمل استنساخ لما قبل، لأن الأفكار والرؤى في الكتابة، لاسيّما في الدراما، تتشابك مع بعضها بعض، وقد تتكرر، وقد تتماهى في الطرح. إلا إن الفارق في هذا الامر يكمن في الرؤية الدرامية للأحداث وتأدية الدور بالشخصيات التي تلعبها داخل القصة. فالأفكار تتناسخ وتتكرر وتتجدد لتعطي زخما جديدا في الأحداث، تجعل من المشاهد والمتلقي مادة للتفاعل والتعاطف.
ويثير هذا المسلسل أسئلة غير نمطية تجعلنا نسأل أنفسنا كثيرا حول كينونة عمل الأنسان، وهل العمل الجيد في الحاضر ينفي العمل السيء في الماضي؟ وهل يمكن للمرء أن يفر من ماضيه المؤلم التعيس ليعيش في حاضر صنعه من خلال كذبة انطلت على وعي الناس بهدف مساعدة الناس وتخليصهم ممن تسلّط عليهم ومارس ضدهم الظلم والطغيان والتعسف؟! كما يحاول هذا المُخلّص- مولانا- في كشف كل حالات السوء المفعم بالظلم والقهر والتي جرت مع هذه أهل هذه الضيعة التي كانت تنشد أن يأتيها المُخلّص من اضطهاد قوى الجيش الظالمة التي لا يمكن لأحد إيقافها.
إن الحبكة الدرامية في هذا المسلسل متينة ومترابطة وتنم عن سيناريو مثير للدهشة. كما إن الأحداث التي تجري في هذا المسلسل كلما انخفض إيقاعها قليلا، تلتها أحداث صادمة تُعيد المشاهد انتباهه وتفاعله مع الأحداث. ومن اللافت أن هذا العمل المتكامل يمكن أن يكون صورة مرئية حقيقية لفترة عاشتها تلك الدول التي جعل حاشية الطبقة الحاكمة تتحّكم بحرية الناس، وتدوس عليهم دون ذنب. كما يًسلط الضوء المسلسل في حوار صادم بين البطل (مولانا) واخته (شهلاء) على ما يخبأ المُعتقل حين ينسب البطل (مولانا) إلى نفسه أنه كان ذات مرة (مُعْتَقلا).
أخيرا... إن هذا العمل الدرامي يحمل في طياته رؤية إنسانية عميقة تحيلنا إلى أسئلة كثيرة أهمها: هل الأنسان يبقى أسير ماضيه بفعل الظروف التي حاصرته؟ وهل الخير يُمكن أن يُجسّد بيد انسان طيب حقيقي ولكنه تحوّل إلى قاتل بفعل الظروف ويحاول اليوم في تقديم المساعدة لمن حوله؟ وهل الظلم والطغيان الذي عاشه أهل الضيعة جعلهم سًذجا في تصديق بركات (مولانا) باعتباره المُخلّص لهم من أفعال قوى الجيش الظالمة؟ لنتابع ونرى ما ستؤول له من أحداث.
إن هذا المسلسل يُعد من الأعمال جيدة والناجحة التي ستأخذ صدى واسعا بعد نهايتها بلا شك لأنها تجسد حالة عميقة كثير من الناس يعيش بها، ولا يمكن التخلص منها، أو لا يمكن ذلك المرء المأزوم بواقعه أن يغير ما يتمناه. كما تُجسد حالة المُخلّص الذي يأتي كي يساعد الناس من أجل تخليصهم من الظلم والاستبداد في عملية تغليب العاطفة على الوعي الجمعي وتغيره في اتجاه آخر.
وللحديث بقية...