الاشتراكيون الثوريون

الاشتراكيون الثوريون كل السلطة والثروة للشعب

بدأ تيار الاشتراكيين الثوريين في الظهور في مصر في نهاية الثمانينات حاملا نقدا جذريا للنموذج السوفيتي ورافضا التبعية له فكريا معتبرا إياه أحد أشكال النظم الرأسمالية التي ترفضها الاشتراكية. وامتد نقد الاشتراكيين الثوريين لمنظمات اليسار الجذري المتأثرة بالنموذج السوفيتي سواء في الحياة الداخلية للتنظيمات اليسارية التي افتقدت لآليات الديموقراطية الداخلية. أو في الأفكار والممارسة التي تأثرت بسلبيات النم

وذج السوفيتي. ومن هنا كانت معركة الاشتراكيين الثوريين الأولى هي إعادة الاعتبار للأفكار الثورية وتخليصها من الجمود واستعادة منهج التفكير الثوري في علاقته بالواقع بدلا من ترديد المقولات المدرسية. وذلك عبر معالجة قضايا الواقع المصري بأدوات التحليل العلمية وتحطيم القوالب الجاهزة التي ورثتها الحركة اليسارية المصرية، مستخدمين الإصدارات التي أصروا على استمرارها على مدار عشرين عاما وفي أصعب الشروط السياسية والأمنية والمادية من جرائد ومجلات وكراسات وكتب ودراسات مؤلفة ومترجمة، في محاولة لتسليح المناضلين الثوريين بالأفكار وخلق النقاش الخلاق حول مختلف القضايا.
للمزيد عن الحركة: https://revsoc.me/revolutionary-socialists

تجريم النضال النقابي تجديد حبس "أطباء التكليف" للمرة الثامنة لمدة 15 يومًا*بقلم: حمادة الطوخيقررت نيابة أمن الدولة العلي...
02/06/2026

تجريم النضال النقابي
تجديد حبس "أطباء التكليف" للمرة الثامنة لمدة 15 يومًا
*بقلم: حمادة الطوخي

قررت نيابة أمن الدولة العليا، أمس الاثنين، تجديد حبس 4 أطباء، من بينهم محمد أسامة ومصطفى عرابي، والصيدلي إيهاب سامح عبد الملك، لمدة 15 يوماً للمرة الثامنة. هؤلاء المهنيون الشباب ما زالوا يقبعون خلف القضبان في سجون الدولة على ذمة القضية رقم 945 لسنة 2026، في تجسيد صارخ لاستخدام الحبس الاحتياطي كأداة للعقاب السياسي والترهيب.

بدأت فصول هذه الأزمة في أواخر فبراير 2026، عندما قُبض على الأطباء الثلاثة تباعاً. وكان الاعتقال الأبرز للدكتور محمد أسامة، مرشح نقابة أطباء الأسنان (تحت السن)، الذي اقتُحم منزله فجراً يوم 22 فبراير، بالتزامن مع الجلسة التي حددتها المحكمة لنظر الطعن القضائي الذي قدمه ضد قرار وزير الصحة بتقليص أو إلغاء التكليف الإلزامي لخريجي الكليات الطبية.

التهم الموجهة إليهم، وهي التهم النمطية الجاهزة (الانضمام إلى جماعة غير قانونية ونشر أخبار كاذبة)، لا تخفي السبب الحقيقي لاعتقالهم: ممارستهم لحقهم الدستوري والقانوني في الاحتجاج السلمي والعمل النقابي. لقد دافع هؤلاء الشباب عن منظومة صحية عامة تتعرض للتفكيك التدريجي والتسليع، معترضين على سياسات حكومية تتخلى عن مسؤوليتها في توظيف الكوادر الطبية وتأمين الرعاية الصحية للمواطنين. وبدلاً من الاستماع لمطالبهم، اختارت السلطة الحل الأمني لإسكات أصواتهم وتوصيل رسالة ترهيب واضحة لزملائهم.

إن إلغاء تكليف الأطباء ليس مجرد قرار إداري، بل هو خطوة استراتيجية نحو الانسحاب التدريجي للدولة من تمويل وإدارة قطاع الصحة العامة، وتقليص بند الأجور في الموازنة.

لتمرير هذه السياسات التي تضر بملايين المصريين، تحتاج السلطة إلى تفكيك أي حراك نقابي مستقل وقمع أي معارضة منظمة. إن استهداف شخصيات نقابية نشطة يهدف إلى قطع الطريق أمام تشكيل جبهة موحدة تدافع عن حقوق العاملين في القطاع الطبي وتتصدى لسياسات الخصخصة المقنعة.

التضامن مع فلسطين مش جريمةغرفة المشورة تنظر غدًا تجديد حبس معتقلي البانرتستأنف الدائرة الثانية إرهاب بمحكمة الجنايات، غد...
01/06/2026

التضامن مع فلسطين مش جريمة
غرفة المشورة تنظر غدًا تجديد حبس معتقلي البانر

تستأنف الدائرة الثانية إرهاب بمحكمة الجنايات، غداً الثلاثاء 2 يونيو 2026، جلسات النظر فى تجديد حبس القيادي العمالي شادي محمد وخمسة من رفاقه، المحبوسين احتياطياً على ذمة القضية رقم 1644 لسنة 2024، والمعروفة بقضية «بانر فلسطين». وتُعقد الجلسة داخل "غرفة المشورة" للنظر في مصير 6 نشطاء أتموا في أبريل الماضي عامين خلف القضبان دون إحالة للمحاكمة أو إخلاء سبيل.

تعود وقائع القضية إلى أبريل من عام 2024، حين أقدم 6 شباب في الإسكندرية على تعليق لافتة للمطالبة بفتح معبر رفح وتخفيف الحصار عن قطاع غزة، تزامناً مع حرب الإبادة. المطالب التي تضمنتها اللافتة انحصرت في نداءات إنسانية مثل «فكوا حصار فلسطين، أفرجوا عن المعتقلين، افتحوا معبر رفح». ورغم أن هذا التحرك جاء في وقت كانت السلطة السياسية في مصر تعلن تضامنها مع غزة وترفض مخططات التهجير، إلا أن الأجهزة الأمنية تعاملت مع النشطاء بوصفهم «تهديداً» يستوجب القمع.

وُجهت للمحبوسين 6 (شادي محمد، عبد الله أحمد، عمر الأنصاري، شهاب الدين، محمد دياب، ويوسف فاروق) حزمة من التهم الفضفاضة التي تُستخدم لمعاقبة المعارضين السياسيين، شملت «الانضمام لجماعة إرهابية، ونشر بيانات كاذبة، والاشتراك في تجمهر». ومنذ ذلك الحين، يتواصل احتجازهم عبر آلية التجديد الدوري (45 يوماً)، حيث يتم تفريقهم بين سجون برج العرب والعاشر من رمضان، وتُعقد جلسات التجديد غالباً عبر تقنية «الفيديو كونفرانس» وسط شكاوى مستمرة من حرمانهم من التواصل المباشر مع محاميهم.

غير أن أثناء فترة احتجاز شهاب الدين في سجن العاشر من رمضان، توفي والده أشرف السيد عبد الصمد إثر أزمة قلبية تعرّض لها أثناء زيارة نجله داخل محبسه، قبل أن يفارق الحياة عقب الزيارة. أُخرج شهاب من السجن لساعات قليلة للعزاء في والده، ثم أُعيد مباشرة إلى محبسه، ما يمثل أحد أبرز وجوه الوحشية المنهجية في تطبيق الحبس الاحتياطي المفتوح كأداة عقاب جماعي تمتد تداعياته لتطال الأسرة بالكامل.

في ظل احتكار الدولة للفضاء العام وتجريم التضامن المستقل، تكرس هذه القضية مبدأ النظام في عدم التسامح مع أي حراك شعبي لا يدور في فلكه ولا يخضع لإدارته الأمنية المباشرة. فرغم الإفراج المتفرق عن عدد من معتقلي الرأي والمتضامنين مع غزة، بمن فيهم نشطاء آخرون اعتقلوا لاحقاً على خلفية قضايا مشابهة كـ«أسطول الصمود»، إلا أن استمرار احتجاز هؤلاء الشباب تحديداً يبدو كرسالة تخويف مستمرة لمنع أي تفكير في تنظيم مبادرات تضامن شعبية مستقلة تكشف هشاشة الموقف الرسمي للدولة أو تتجاوز السقف المرسوم لها .

في انتظار ما ستسفر عنه جلسة الغد، يبقى ملف «بانر فلسطين» شاهداً على تناقض السلطة التي تدّعي دعم غزة إعلامياً، بينما تقمع بوحشية كل مَن يجرؤ على تجسيد هذا الدعم في الشارع، وتستغل الحبس الاحتياطي المفتوح كأداة عقاب سياسي خارج إطار القانون.

رغم مناشدات للإفراج عنهالنظام يقرر تمديد حبس سيد مشاغب 45 يومًا قررت محكمة جنح مستأنف اليوم الأول من يونيو، حبس سيد مشاغ...
01/06/2026

رغم مناشدات للإفراج عنه
النظام يقرر تمديد حبس سيد مشاغب 45 يومًا

قررت محكمة جنح مستأنف اليوم الأول من يونيو، حبس سيد مشاغب و5 آخرين من زملائه 45 يوماً علي ذمة التحقيقات وفقاً لما ذكره المحامي نبيه الجنادي.

كانت قوات الأمن قد ألقت القبض علي سيد مشاغب وعدد من أقاربه وجيرانه مساء يوم الخميس الموافق 23 أبريل، بعد ساعات قليلة من الإفراج عنه عقب قضائه نحو 11 عاما داخل السجون. وجاء القبض عليهم على خلفية احتفال أقيم بمنطقة بولاق الدكرور بمناسبة عودته إلي منزله بعد سنين من الإعتقال.

وتحقق النيابة مع المتهمين في القضية رقم 7304 لسنة 2026، حيث وجهت إليهم اتهامات من بينها التجمهر وتعطيل حركة المرور واستخدام ألعاب نارية، معتبرة المظاهر العفوية للاحتفال بخروج معتقل قضى من عمره 11 عاماً داخل السجون، نوع من أنواع إثارة الشغب، بحسب البيان الرسمي لوزارة الداخلية.

وتزامن تجديد الحبس مع مناشدات أطلقها عدد من السياسيين والحقوقيين، منهم حمدين صباحي وخالد علي وكمال أبو عيطة وفريد زهران وطارق العوضي، بالإضافة إلي رابطة " الوايت نايتس " لرئيس الجمهورية والنائب العام ووزير الداخلية للإفراج عن سيد مشاغب، معتبرين أن إعادة القبض عليه بعد ساعات من خروجه من السجن تمثل إستمراراً لمعاناة تمتد لأكثر من 11 عاماً، ومؤكدين أن الاحتفال الذي جرى أمام بيت سيد مشاغب كان تعبيراً عفوياً من أسرته وأصدقائه وجيرانه عن خروجه من السجن بعد سنوات طويلة، مطالبين بمنحه فرصة حقيقية للحياة والحرية.

يذكر أن مشاغب قضى عيد الأضحى، فضلا عن عيد ميلاده الـ38 الذي كان من المفترض أن يحتفل به أمس، بعيدا عن أهله وأحبائه، بحكم إعادة حبسه، قبلها قضى 11 عاما محروما من حريته، خلال هذه الفترة.

تويوتا والبرهان والنور قبةفي أبريل 2026 استقبل عبد الفتاح البرهان في دنقلا القياديّ المنشقّ النور القبّة، أحد أبرز القيا...
31/05/2026

تويوتا والبرهان والنور قبة

في أبريل 2026 استقبل عبد الفتاح البرهان في دنقلا القياديّ المنشقّ النور القبّة، أحد أبرز القيادات الميدانيّة لقوات الدعم السريع. تلاه في مايو انشقاق العميد علي رزق الله (السافنّا). ثالث قائد كبير يفعلها منذ بداية العام. الاثنين حلقة في سياسة معلنة يتبنّاها الجيش: العفو عن عناصر الدعم مقابل الالتحاق به وإعادة استيعابهم في بنيته. القادة أنفسهم الذين قادوا أو غطّوا أو خرجوا من القوة التي اجتاحت الفاشر، وأغرقت الجنينة في دم المساليت*، واستباحت الجزيرة، يعاد اليوم تدويرهم بوصفهم جنودًا في القوات المسلحة السودانية. ليست هذه مفارقة عابرة؛ إنّها اللحظة التي تتعرّى فيها الدولة من خطابها لحماية مصالحها الطبقية.

لفهم ما يجري في السودان اليوم ينبغي أوّلا هدم الثنائية التي يراد لنا أن نقرأ بها الحرب والعودة للحظة مهمة قبلها وهي لحظة الاتفاق الإطاري بين الجيش والدعم السريع. آخر فرصة لإدارة مشتركة للثروة والسلطة بغطاء مدني وحلفاء دوليين. كان من المخطّط حال الوصول لاتفاق أن يستمر الحكم الانتقالي لمدة عامين تعقبها انتخابات عامة وقد طمأن المسؤولون الأمريكان حميدتي ارتفاع حظوته في حكم السودان رئيسًا ديمقراطيًا منتخبًا، بمساعدتهم بالطبع. كان يجب على دقلو أن يتخذ قرار دمج جيشه الخاص في القوات المسلحة السودانية. ليصير هو الرئيس ويصير ضباطه قياداتها وتتحد مصالحهم. يهدد ذلك احتمال انقلاب الجيش على الحكم الانتقالي للاتفاق الإطاري قبل الانتخابات بيوم بعدما يكون قد ابتلع الدعم السريع بالفعل. كانت الفكرة كالتالي: بدلًا عن تنافس القطاع العام والخاص فلنصر "دولة" ثم ننسق بيع الموانئ والمواشئ والجنود والذهب سويًا لتعم الفائدة. وكان الأمر ممكنا فقبل تبرؤ الدولة من الجنجويد كانوا ابناء رحمها فعلا. فكرة قديمة متجددة لأداة قمعية منخفضة التكلفة تخدم المركز لإدارة الأطراف. ورثها نظام الإنقاذ وسلّحها لقمع تمرّد دارفور منذ 2003 ثم الحدود والذهب والاحتجاجات في الخرطوم حتى رقّاها وأدخلها بنية السلطة بوضع أفضل سهّل صيرورتها لما أصبحت عليه يوم قررت الاستيلاء على الحكم في السودان وهي تمتلك مضادات طيران يحظر بيعها عالميًا لغير الجيوش النظامية.

في ظل حظر نشاط الإسلاميين وقتها كان الاتفاق الإطاري تهديدًا لوجود الحركة في السودان اذ يحظر وجودها ونشاطها وتمويلها. وهنا يبرز صراع الأجنحة داخل الجيش إذ تحرك الضباط الإسلاميين بالفعل ضد الدعم السريع ولم يملك البرهان وقتا للرقص على كل الحبال من تل ابيب لمكّة فأندلعت حرب أجنحة داخل الكتلة المسيطرة نفسها على إعادة اقتسام السلطة وريع اقتصاد معسكر قوامه الأرض والتجارة والشركات. لم يثق حميدتي في الجداول الزمنية وشروط الدمج ولم يثق الإسلامييون في برهان واختلفت تقديرات قوى الإقليم فصار حميدتي شهيد الديمقراطية والبرهان شهيد الكرامة وهذا بالتحديد ما يجعل المنظور الطبقيّ ضرورة لا ترفا.

الدولة، خلافا لأسطورتها عن نفسها، ليست حكمًا محايدًا يعلو فوق المجتمع، بل الجهاز الذي يدير الشؤون المشتركة للكتلة المالكة وينظّم إعادة إنتاج علاقات السيطرة؛ ونواته الصلبة هي جسده المسلّح: الجيش. حين يقول البرهان إنّ الجيش مؤسسة راسخة لم يصنعها البشير، ولا كيزان فيه. فهو يؤدّي بالضبط وظيفة الأسطورة: فصل المؤسسة العسكرية عن مضمونها الطبقيّ والسياسيّ، وتقديمها بوصفها تجسيدا للأمّة لا أداة لطبقة. لكنّ جيشا يبتلع أعداءه بالأمس لأنّهم باتوا مفيدين، ويخضع لشبكات الإسلاميين التي يضمن لها استمرار الحرب ويمنحها ما تعجز صناديق الاقتراع عن منحه يكشف بنفسه أنّه ليس جيش كلّ السودانيين.

ومن هنا تأتي وظيفة الشعارات. رفعت ثورة ديسمبر مطالبها الواضحة حريّة، سلام، وعدالة، وسلطة مدنية وربما لم يكن الشرط المادي لتحقيقها متوفرا ولكنها ولو على مستوى الحلم والتبشير بالحلم تم فض اعتصامها وسحق حشودها بمدنييها وعساكرها ممن خالفوا تعليمات القيادة. جاءت الثورة المضادّة لتزيح هذا الأفق وتستبدله بلغة الكرامة والسيادة. وهنا اللغة ليست بريئة، إنّها العملية الأيديولوجية التي تذيب التناقض الطبقيّ في وحدة وطنية موهومة ضدّ عدوّ، فتجنّد جموع الفقراء لمعركة ليست معركتهم، تحت راية المقاومة الشعبية. تستدعى التضحية من نازحين ولاجئين باسم سيادة لا تطعمهم ولا تحميهم، بينما تعاد في الكواليس هندسة موازين القوّة بين الجنرالات. الكرامة اسم حركيّ للتعبئة، والسيادة غطاء لإعادة ترتيب الصفوف.

وإعادة الاستيعاب هي الدليل الأنصع على ذلك. يقول لينين في "الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية": الحرب هي منتج محتمل لعملية استغلال ترغب في تطوير بنية الاستغلال لأقصى حد. تطويرها هنا يأتي عبر تدميرها وإعادة صياغتها بشروط استغلال أشرس. على سبيل المثال كان الذهب السوداني يذهب للإمارات عبر مطار الخرطوم وفي ذلك ضرائب لا يمكن تخطيها فالجيش الرسمي سيأخذ ضريبة استخدام المطار الرسمي بطبيعة الحال. اليوم صار يذهب من دارفور مباشرة. حسب حديث "الساڤنا"* سهّلت الإمارات انشاء 20 مطار مؤقت في عدة مناطق في دارفور للتحايل على طيران القوات المسلحة السودانية. وبقدر ما تبدو هذه التدابير مكلفة إلا أن الذهب والضأن والمراعي السودانية تساوي أكثر من ذلك بما لا يقاس. أقل كلفة لآل زايد وأوفر ربحًا لحميدتي حيث لا ضرورة لاقتسام العمولة مع البرهان. أعد تشكيل الواقع وأزح البشر وأحرق المحاصيل وافعل ما شئت لاعادة ترتيب الواقع بما يخدم مصالحك الطبقية وهؤلاء هم الجنجويد. أما الجيش فحين يمنح قادة متّهمين بانتهاكات جسيمة عفوا مقابل تبديل الخندق، يتّضح أنّ الخطّ الفاصل بين القوات المسلّحة والجنجويد ليس أخلاقيا ولا متعلّقا بالحفاظ على وحدة وسيادة السودان بل هو تكتيكيّ محض، يتحرّك مع حسابات الميدان. دم الفاشر حيث قتل أكثر من ألفي إنسان بعد سقوط المدينة في 26 أكتوبر 2025 إثر حصار تجاوز خمسمئة يوم، بينهم نحو 460 في مستشفى الولادة السعودي، تحوّل إلى عملة قابلة للتفاوض. قطع المساليت** نحو ثلاثين كيلومتراً سيراً على الأقدام من الجنينة إلى مدينة أدري على الحدود التشادية فراراً من حملة القتل على الهويّة التي شنّها الجنجويد. حتى وهم يطردونهم من سودان تأسيس نُصبت الحواجز واستُهدف الرجال، وسقط نحو ربع ضحايا المجزرة يومها أثناء الفرار حتى تناثرت مئات الجثث على امتداد الدرب. اليوم تطوى صفحة المذبحة لأنّ صاحبها صار نافعا.

حين يبتلع الجيش جلّاديه ويسمّي ذلك نصرا وطنيا، فما يفعله ليس صناعة سلام بل إعادة تدوير الأداة. والدولة التي تعيد تدوير قتلتها لتنظيم صفوفها تقول دون أن تقصد، كلّ ما يلزم معرفته عن طبيعتها. لمعرفة ماهية جهاز الدولة الطبقي: تابع أخبار السودان لتجد على سبيل المثال: البرهان يستقبل النور قبة في دنقلا ويهديه السيارة الرئاسية تويوتا لاند كروز 2025 مصفّحة. في الخلفية: انشق النور قبة ومعه قوة تقدر بأكثر من 180 سيارة دفع رباعي تويوتا لاندكروزر 79 "بِك أب" مقصورة واحدة وصندوق خلفي مكشوف تعلم تويوتا جيدا أن دوشكا ستُربط على ظهرها لتصير "تاتشر"؛ نسبةً إلى رئيسة وزراء بريطانيا السابقة مارجريت تاتشر، التي لُقبت بـ "المرأة الحديدية" نظراً للصلابة والقوة الفائقة التي تتمتع بها السيارة وقدرتها على تحمل أقسى الظروف والتضاريس. عبر تويوتا العابرة للقارات تبيع اليابان مركبات لطرفي حرب مدمرة في أفريقيا في نفس اللحظة. بدون ان تملك "الدولة" نفسها أي موقف من الحرب. فقط موقفها الهيكلي: تعظيم الأرباح بأي ثمن.

*الساڤنا: العميد علي رزق الله أحد ابرزالقادة المنشقين عن قوات الدعم السريع.
**المساليت: مجموعة عرقية تسكن إقليم دارفور بين غرب السودان وشرق تشاد وتتحدث اللغة المساليتية. كانت جزءً من كل الممالك المتعاقبة على المنطقة وصاحبة اراضي كبيرة تعرف بدار مساليت حتى جاء الغزو البريطاني.

رداً على نقابي دعا لرفع أسعار العياداتالدولة أصل الحكاية.. والنجاة جماعية*بقلم: حمادة الطوخي وليلى حسامفجّرت تصريحاتٌ لل...
29/05/2026

رداً على نقابي دعا لرفع أسعار العيادات
الدولة أصل الحكاية.. والنجاة جماعية
*بقلم: حمادة الطوخي وليلى حسام

فجّرت تصريحاتٌ للأمين العام المساعد لنقابة الأطباء، الدكتور خالد أمين، موجةَ غضبٍ واسعة بعد دعوته إلى ألا يقل كشف الأخصائي في العيادات الخاصة عن 500 جنيه، والاستشاري عن 1000 جنيه، دون احتساب الخدمات الطبية المساعدة، مبررًا ذلك بارتفاع تكاليف التشغيل والتجهيزات والخبرة المهنية.
يذكر أن لأمين مواقف نقابية جادة، تعرض بسببها للاضطهاد، وتم تحويله للنيابة بسبب دفاعه عن أوضاع الأطباء الاقتصادية في وقت سابق.

وجاءت تصريحات أمين الصادمة، التي وردت في منشور على فيسبوك حُذف لاحقًا، بالتزامن مع تصاعد الشكاوى من ارتفاع أسعار العلاج والدواء، وتزايد اعتماد المواطنين على القطاع الخاص في ظل التراجع المستمر في الخدمات الصحية الحكومية.

وقال أمين، في منشوره الذي يفتقد لاي حس اجتماعي، إن "اللي لا تناسبه العيادة الخاصة، فيه المستشفيات الحكومية والجامعية"، ما أثار انتقادات واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة مع الأزمة المعيشية المتفاقمة واتساع عجز قطاعات واسعة من المواطنين عن تحمّل تكاليف العلاج.

وعلى خلفية الجدل، أصدرت نقابة الأطباء بيانًا الثلاثاء أكدت فيه أن "الحق في الصحة والرعاية الصحية حقٌ أصيل يكفله الدستور المصري لجميع المواطنين"، معتبرة أن "لجوء أعداد كبيرة من المواطنين إلى القطاع الخاص لا يعكس بالضرورة رفاهية الاختيار، بل يعكس قصور الخدمات المقدمة في المستشفيات الحكومية".

وأضاف البيان أن "السياسات الصحية على مدار أكثر من 40 عامًا هي التي حولت الخدمة الصحية إلى سلعة تخضع فقط لقواعد العرض والطلب"، مشيرًا إلى أن "النظم الصحية المستقرة عالميًا تقوم بالأساس على دور قوي وفاعل للدولة في تقديم الرعاية الصحية وتحمل مسؤولياتها تجاه المواطنين".

ويأتي بيان النقابة بينما تواصل الدولة الإنفاق على الصحة بمعدلات تقل كثيرًا عن الاستحقاقات الدستورية. فموازنة الصحة للعام المالي 2025/2026 بلغت نحو 1.21% فقط من الناتج المحلي الإجمالي، رغم أن المادة 18 من الدستور تنص على تخصيص ما لا يقل عن 3% من الناتج المحلي للإنفاق الصحي، ترتفع تدريجيًا بما يتوافق مع المعدلات العالمية.

وتعتمد الحكومة في إعلانها الالتزام بالنسبة الدستورية على أساليب محاسبية تتضمن إدراج إنفاق مستشفيات الجيش والشرطة ومدفوعات مرتبطة بالديون ضمن مخصصات الصحة، دون أن ينعكس ذلك فعليًا على موارد القطاع الصحي المدني

وانعكس تراجع الإنفاق الحكومي مباشرة على المواطنين، إذ تجاوز الإنفاق المباشر من جيوب المرضى أكثر من 60% من إجمالي الإنفاق الصحي، فيما تواجه نحو 30% من الأسر ما يُعرف بـ"الإنفاق الصحي الكارثي"، أي تجاوز تكاليف العلاج 10% من دخل الأسرة، بينما تدفع النفقات الصحية نحو 7% من المواطنين إلى الفقر.

وفي المقابل، يشير منتقدون إلى أن الأزمة الصحية لا يمكن فصلها عن الواقع الاجتماعي الأوسع في مصر، حيث تعتمد نحو 4.5 مليون أسرة على برنامج "تكافل وكرامة"، وهو ما يمثل حوالي 18 مليون مواطن من الفئات الأولى بالرعاية، بتكلفة إجمالية تصل إلى 54 مليار جنيه سنويًا حسب بيانات وزارة التضامن الاجتماعي.

وفي الوقت نفسه، يبلغ الحد الأدنى للأجور نحو 7000 جنيه شهريًا، إلا أن هذا المستوى أقل من تكلفة المعيشة الفعلية بكثير.

وتتزامن أزمة الرعاية الصحية مع سياسات التقشف المرتبطة ببرامج صندوق النقد الدولي، التي تقوم على خفض الإنفاق العام وتحقيق فوائض أولية في الموازنة، بالتوازي مع التوسع في الخصخصة وفتح المجال أمام القطاع الخاص لإدارة وتشغيل المستشفيات والخدمات الصحية.

كما يدفع صندوق النقد باتجاه "نمو يقوده القطاع الخاص" وتقليص دور الدولة الاقتصادي، وهو ما انعكس في القطاع الصحي عبر تقليص الدعم، والتوسع في سياسات "تحمّل التكلفة"، وفتح الباب أمام صيغ الإدارة والتشغيل الخاصة للمستشفيات العامة.

وخلال السنوات الأخيرة، تصاعدت سياسات رفع رسوم الخدمات العلاجية داخل القطاع الحكومي، بما في ذلك زيادة رسوم خدمات الطب النفسي وعلاج الإدمان خلال عام 2025 بنسب وصلت إلى 511% بموجب القرار الوزاري رقم 220 لسنة 2025، ما أثار حملات انتقاد من منظمات حقوقية ومجموعات معنية بالصحة النفسية حذّرت من عزوف المرضى عن العلاج بسبب ارتفاع التكلفة.

وفي الوقت نفسه، تواجه المنظومة الصحية أزمة متفاقمة في توفير الأدوية والمستلزمات الطبية. فبحلول منتصف 2025، بلغت مديونيات هيئة الشراء الموحد للموردين وشركات الأدوية نحو 43 مليار جنيه، ما تسبب في نقص واسع في أدوية ومستلزمات أساسية مع تفاقم أزمة العملة الأجنبية وصعوبة استيراد المواد الخام الدوائية والأدوية المستوردة.

وأُنشئت هيئة الشراء الموحد عام 2019، وتخضع مباشرة لرئاسة الوزراء، واحتكرت شراء الأدوية والمستلزمات الطبية للمؤسسات الحكومية تحت شعار توحيد الجودة وخفض التكلفة، قبل أن تتحول إلى نقطة اختناق مركزية مع تراكم الديون ونقص السيولة.

ومع تفاقم الأزمة، اضطرت الحكومة إلى التراجع جزئيًا عن مركزية الشراء، إذ سُمح للمستشفيات مجددًا بالتعاقد المباشر مع الموردين، بينما تحوّل دور الهيئة إلى الرقابة والمتابعة.

وتزامن ذلك مع اختفاء عشرات الأدوية الأساسية من الأسواق، وتفاقم نقص مستلزمات غرف العمليات، بالتوازي مع أزمة نقص العملة الأجنبية.

وفي موازاة أزمة التمويل والإمدادات، تتفاقم أزمة هجرة واستقالات الأطباء. فخلال السنوات السبع الأخيرة، استقال نحو 21 ألف طبيب، بينما ارتفعت أعداد الأطباء المتقدمين باستقالاتهم من 1044 استقالة عام 2016 إلى نحو 7 آلاف استقالة عام 2023.

ولا يتجاوز عدد الأطباء العاملين فعليًا داخل مصر 82 ألف طبيب من أصل أكثر من 212 ألفًا يحملون تراخيص مزاولة المهنة، فيما بلغ معدل الأطباء نحو 6.7 طبيب لكل عشرة آلاف مواطن، مقارنة بمتوسط عالمي يبلغ 17.2 طبيب لكل عشرة آلاف نسمة وفق تقديرات منظمة الصحة العالمية.

وبحلول يناير 2025، بلغ معدل الاستقالات نحو 12 طبيبًا يوميًا، بمعدل طبيب يغادر كل ساعتين تقريبًا.

ويربط أطباء كثيرون بين موجة الهجرة وتدني الأجور الحكومية وظروف العمل داخل المستشفيات. ويبلغ متوسط راتب طبيب الامتياز نحو 2800 جنيه شهريًا، بينما يحصل الطبيب المقيم حديث التعيين على نحو 7 آلاف جنيه، في وقت تُقدَّر فيه تكلفة المعيشة الأساسية بنحو 13942 جنيهًا شهريًا.

وأرجع 76% من الأطباء المهاجرين قرارهم إلى الضغوط الاقتصادية، بينما قال 60% إن تدني الرواتب كان سببًا رئيسيًا للهجرة، إضافة إلى اضطرار بعض الأطباء لشراء مستلزمات طبية للمرضى من أموالهم الخاصة.

كما يتعرض الأطباء لضغوط متزايدة داخل أماكن العمل، إذ أفاد أكثر من 70% منهم بتعرضهم للعنف أثناء العمل، بينما سجلت نقابة الأطباء 149 وفاة بين الأطباء في عام 2022 نتيجة الإجهاد وساعات العمل الطويلة.

وأكدت نقابة الأطباء في بيانها أن مشروع التأمين الصحي الشامل يمثل "أحد أهم المسارات الإصلاحية الجادة نحو بناء نظام صحي أكثر عدالة وكفاءة"، مطالبةً بتسريع التوسع في تطبيقه، في ظل "الارتفاع الكبير والمتواصل في تكلفة تقديم الخدمة الطبية، سواء داخل القطاع الحكومي أو الخاص".

لا يمكن فهم الجدل الدائر حول هذا الموضوع باعتباره مجرد خلاف أخلاقي بين "أطباء جشعين" و"مرضى غير قادرين"، لأن الأزمة أعمق من ذلك بكثير؛ فهي تعبير مباشر عن المسار الذي اتخذه النظام الصحي المصري خلال العقود الأخيرة، حيث جرى تفكيك الرعاية الصحية العامة تدريجيًا، وتحويل العلاج من حق اجتماعي أصيل إلى سلعة تُباع وتُشترى وفق القدرة على الدفع.

فالطبيب الشاب الذي يتقاضى راتبًا حكوميًا لا يكفي الحد الأدنى للمعيشة، ويعمل في مستشفى يعاني نقصًا مزمنًا في الأدوية والمستلزمات، ليس المستفيد الرئيسي من خصخصة الصحة، حتى لو اضطر لاحقًا لرفع قيمة الكشف في عيادته الخاصة كي يتمكن من الاستمرار.
وفي المقابل، فإن العامل أو الموظف الذي يواجه كشفًا بألف جنيه (أو حتى مئة جنيه) ليس "مستهلكًا" حرًا في سوق طبيعية، بل فردٌ أُجبر على اللجوء للقطاع الخاص بعد تآكل المستشفيات العامة وعجزها المتزايد عن تقديم الحد الأدنى من الخدمة الصحية.
ببساطة، يتحمل المريض تكلفة العلاج من جيبه، بينما يتحمل الطبيب تكلفة نقص التمويل وضعف الأجور والهجرة المتزايدة.
ولذلك فإن الصراع الحقيقي ليس بين المرضى والأطباء، بل بين أغلبية اجتماعية واسعة تُحمَّل كلفة سياسات التقشف والخصخصة، وبين دولة تعيد تشكيل الخدمات الأساسية وفق منطق السوق والربحية والانضباط المالي.
فمنذ عقود، ومع برامج "الإصلاح الاقتصادي" المتعاقبة، جرى التعامل مع الصحة باعتبارها عبئًا ماليًا ينبغي تخفيضه لا حقًا اجتماعيًا ينبغي توسيعه، عبر خصخصة المستشفيات ورفع رسوم الخدمات وتوسيع الشراكة مع القطاع الخاص.

أما نقابة الأطباء، فتقف داخل هذا التناقض ذاته؛ فهي تدافع عن أطباء يتعرضون للاستنزاف الاقتصادي والهجرة، لكنها تتحرك داخل أفق نقابي إصلاحي يطالب بتحسين شروط العمل داخل الإطار القائم، لا كسر منطق السوق نفسه. ولهذا يأتي خطابها مزدوجًا بين التأكيد على مسؤولية الدولة والدفاع عن منطق المهنة الحرة وتسعير الخدمة.

واستمرار هذا المسار يعني تعميق الانقسام بين أقلية قادرة على شراء الرعاية الصحية، وغالبية تُدفع إلى الاستدانة أو التخلي عن العلاج أو اللجوء إلى منظومة عامة منهكة. وفي الوقت نفسه تُستنزف الكوادر الطبية نفسها، فتتحول الهجرة إلى حل فردي لأزمة جماعية.

ولا يمكن فصل ذلك عن طبيعة النظام الاقتصادي الأوسع، حيث تُخصخص الأرباح بينما تُوزع الخسائر اجتماعيًا، مع توسع قطاع الاستثمار الصحي الخاص مقابل تراجع قدرة النظام العام على تقديم خدمة كافية.

إن أزمة الصحة في مصر ليست فشلًا إداريًا (كما يدّعي البعض)، بل نتيجة مباشرة لنموذج اقتصادي قائم على التقشف والدَّين وتوسيع منطق الربح في الخدمات العامة. ولهذا فإن أي حل حقيقي لا يبدأ من "ضبط أسعار الكشف" فقط، بل من إعادة بناء نظام صحي عام شامل وممول اجتماعيًا باعتباره حقًا أصيلًا لكل مواطن.
/

27/05/2026

غزة في ليلة العيد: الركام يسبق الزينة والشهداء يملؤون المشهد

في ليلةٍ كان يُفترض أن تضيئها تكبيرات العيد وتزدحم فيها الأسواق بوجوه الأطفال وحقائب الملابس الجديدة، غرقت غزة مجددًا تحت وابلٍ من القصف الإسرائيلي، في مشهد دموي صدعت منه أصوات الموت بدلًا من ضحكات فرحة العيد.

وفي واحدة من أعنف الغارات التي شهدتها مدينة غزة عشية عيد الأضحى، استهدفت طائرات الاحتلال عمارة "عجور" في مفترق بالميرا، أحد أكثر المفارق اكتظاظًا في حي الرمال غربي المدينة، بثلاثة صواريخ متتالية، ما أدى إلى تدمير المبنى بالكامل فوق رؤوس من بداخله، إضافة إلى تضرر واسع في المحال التجارية والمقاهي ومحال الملابس المحيطة بالمكان.

جاء القصف بصورة مفاجئة في ذروة حركة المواطنين والأسواق، بينما كان الأهالي يستعدون لما تبقى من طقوس العيد وسط حرب إبادة مستمرة منذ أكتوبر 2023. وتحول المفترق الذي اعتاد أن يكون وجهة للعائلات والمتسوقين إلى ساحة من الركام والدخان والصراخ.

ونشر جيش الاحتلال الإسرائيلي وجهاز الأمن الداخلي "الشاباك" بيانًا مشتركًا يفيد بأن الغارة استهدفت محمد عودة، اخر قيادات الصف الأول لكتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس.

وقال البيان إن الطائرات الحربية هاجمت عدة مبانٍ في قلب مدينة غزة كانت تُستخدم “مخابئ” لعودة، كما استهدفت شقة مجاورة تعود لأحد عناصر حماس ممن شاركوا في هجوم السابع من أكتوبر وكان ضمن دائرة مساعديه.
وكانت قوات الاحتلال قد اغتالت قائد القسام السابق عز الدين الحداد قبل أيام، ليتسلم عودة راية القيادة من بعده. كما شغل عودة سابقًا منصب رئيس هيئة الاستخبارات التابعة للحركة.
في المقابل، لم تصدر كتائب القسام أو حركة حماس أي بيان رسمي يؤكد أو ينفي ما أعلنه الاحتلال بشأن اغتيال عودة.
وفي هذا السياق، نشر عدد من الصحفيين الغزيين، منهم محمد هنية وأبو بكر عابد، أن مصادر عائلية أكدت استشهاد عودة وزوجته.
ميدانيًا، أفاد أحد مراسلي الجزيرة نقلًا عن مصادر في مستشفى الشفاء بارتقاء ثلاثة شهداء وإصابة أكثر من عشرين آخرين جراء الغارات على حي الرمال، فيما أعلن الدفاع المدني في غزة أن المنطقة تعرضت لـ”حزام ناري” وأن طواقمه تواصل عمليات البحث عن ضحايا ومفقودين تحت الأنقاض.

ولم يكن حي الرمال وحده تحت النار. ففي مخيم النصيرات وسط القطاع، سُوِّي مربع سكني كامل بالأرض بعد قصف عنيف طال نحو عشرين منزلًا، بينما امتد القصف إلى خيام النازحين في منطقة المواصي بخان يونس، حيث استشهدت سيدة وطفلة وأصيب آخرون إثر استهداف خيمة تؤوي نازحين.

وفي مخيم المغازي وسط القطاع، استشهد أربعة فلسطينيين إثر قصف صهيوني استهدف مجموعة من المواطنين صباح الثلاثاء، بينهم الشاب فادي المغاري، الذي وثقت مقاطع مصورة لحظات وداع والده له داخل المستشفى.
وفي الوقت الذي كان العالم الإسلامي يستعد لاستقبال عيد الأضحى، ظلت غزة بلا أضاحٍ، ولا أسواق، ولا صور عائلية كما في أعوام ما قبل الإبادة، بل اكتظت الخيام المهترئة بالفقد، وعجّت المشافي بالجرحى، واختلطت أصوات التكبير بأزيز الطائرات.
ويأتي هذا العيد في ظل انهيار شبه كامل لمظاهر الأضاحي والأسواق. فمع إغلاق المعابر وارتفاع أسعار المواشي إلى مستويات غير مسبوقة، اضطرت المؤسسات الخيرية إلى استبدال الأضاحي الحية بتوزيع لحوم مجمدة، في وقت باتت فيه غالبية العائلات عاجزة حتى عن شراء الحد الأدنى من احتياجاتها الأساسية.

وفي أسواق غزة، وصف التجار الحركة التجارية بأنها “الأضعف منذ سنوات”، بينما يدخل كثير من المواطنين المحال للسؤال عن الأسعار فقط قبل المغادرة بصمت وصدمة.
وهكذا، تستقبل غزة عيدًا آخر تحت القصف؛ عيدًا تغيب عنه الزينة والضحكات، وتحضره أسماء الشهداء وصور الأطفال الخارجين من تحت الركام.

النظام يتوحش4502 قضية أمن دولة في 5 شهور فقطيوم الإثنين الماضي، حققت نيابة أمن الدولة العليا مع 3 من مؤسسي "لجنة الدفاع ...
27/05/2026

النظام يتوحش
4502 قضية أمن دولة في 5 شهور فقط

يوم الإثنين الماضي، حققت نيابة أمن الدولة العليا مع 3 من مؤسسي "لجنة الدفاع عن سجناء الرأي" على ذمة القضية 4502 لسنة 2026 حصر أمن دولة.

لفت انتباه العديد من الصحفيين والسياسيين عدد القضايا الذي وصل إلى 4502 قضية في أقل من 5 شهور، ما يعني أن معدل قضايا أمن الدولة تصل في الشهر الواحد إلى 900 قضية، وفي الأسبوع الواحد إلى 225 قضية، وفي اليوم الواحد إلى 23 قضية.

يكشف هذا العدد من القضايا، أن ماكينة القمع تعمل بوتيرة متسارعة.

فسحة العيد كمرآة لتحولات المدينة: قراءة في تآكل المساحات الخضراء وإعادة تشكيل القاهرةبقلم: فرح محمدقضيتُ سنواتٍ طويلة من...
27/05/2026

فسحة العيد كمرآة لتحولات المدينة: قراءة في تآكل المساحات الخضراء وإعادة تشكيل القاهرة
بقلم: فرح محمد
قضيتُ سنواتٍ طويلة من طفولتي في حديقة الميريلاند بمصر الجديدة. كانت قريبة بما يكفي من بيتنا لأن تبدو امتدادًا طبيعيًا له؛ فسحة "حنيّنة ع الجيب"، وملاذ الأمهات المرهقات، وعزاء الآباء الذين يريدون إسعاد أطفالهم دون أن ينفقوا نصف الراتب. لديّ ألبومات صور كاملة هناك: أنا بفساتين صغيرة تتبدل كل سنة، أقف جوار أحواض الزهور أو أمام البحيرة، أمد يدي للوز، وأصفق بحماس للدلافين، ثم أنحني، بجدية طفلة تكتشف العالم للمرة الأولى، لأشم أكبر عدد ممكن من الأزهار. كان أبي يحملني على كتفيه لأرى العصافير فوق الأغصان العالية؛ أراقب ارتجافها الخفيف وقفزاتها القصيرة بين الفروع، وأصغي إلى صفيرها الذي بدا لي، دائمًا، ممتلئًا بالبهجة، كما لو أن الشجر نفسه يغني.
وفي كل جمعة، اليوم الغير رسمي للتجمعات العائلية في مصر، كنا نجتمع في بيت جدتي، فتضمنا حفيدًا حفيدًا، ثم تطردنا بلطف من الشقة حتى موعد الغداء صارخةً خلفنا: "روحوا العبوا في الجنينة!" فنهرب من أهالينا لـ"الجنينة" التي كانت في الحقيقة ميدان في منتصف شارع عمومي…مكتظة بالشجر والأزهار نلعب كرة القدم و"استغماية" و "عسكر وحرامية".
وقبل كل عيد تقريبًا، لأن أبي كان يكره الزحام، كان يأخذني صباحًا إلى حديقة الحيوان في الجيزة. كنت أطعم الزرافة بيدي الصغيرة المرتبكة، وأقف مأخوذة أمام الأسد، وأصطحب معي أحيانًا دميتي المفضلة لكي ترى الحديقة هي الأخرى. وبعدها نمشي على الكورنيش. أو يمشي أبي، بينما يحملني نصف الطريق تقريبًا. يأكل تينًا شوكيًا من عربة على الرصيف، ويشتري لي غزل البنات، ثم يبتسم متآمرًا ويطلب مني ألا أخبر أمي ولا جدتي.
هذه الصور ستبدو مألوفة لملايين المصريين الذين نشأوا في مدن كانت، رغم قسوتها وفقرها، تترك مساحة للناس كي يتنفسوا؛ فيها أماكن يمكن للناس أن يجلسوا فيها دون أن يُطلب منهم شيء: لا تذكرة باهظة، ولا فاتورة، ولا تصريح، ولا بوابة حديدية، ولا رجل أمن يسألك "أنت واقف هنا ليه؟".
في العيد، لا أملك غير أن أفكر في أن أبي، لو حاول تكرار هذه النزهات اليوم، لن يعرف إلى أين يذهب بي.
ومع كل عيد منذ انقلاب يوليو 2013 يصبح تخيل شكل الفسحة وتدبيرها أصعب قليلًا. فالمساحات التي كانت تستقبل الطبقات الوسطى والعاملة والفقيرة تتقلص باطراد، بينما تتمدد مدينة أخرى فوق أنقاضها؛ مدينة الكومباوندات والكردونات والأسوار والخرسانة والاستثمار وبيع الأصول والإحلال الطبقي (gentrification) لأجل عيون الخلايجة والطبقة الحاكمة المصرية. حتى الحدائق التاريخية التي نجت لعقود من التحولات المتتالية، مثل حديقة الزهرية في الزمالك، لم تعد آمنة من منطق التطوير نفسه الذي حوّل الكورنيش إلى صف طويل من الكافيهات والحواجز، والشوارع إلى ممرات رمادية كئيبة وملتهبة بلا ظل.
ويصبح سؤالي الآن هو…من الذي يعيد تشكيل المدينة بهذا الشكل، وبأي منطق تُعاد هندسة حياتها — وحياتنا — اليومية؟

الحدائق العامة والأشجار في القاهرة: بين خطاب التوسع الأخضر وممارسات تقليصه
شهدت الحدائق العامة التاريخية في القاهرة العقد الماضي موجة متصاعدة من الجدل المرتبط بأعمال "التطوير" وإعادة التوظيف العمراني، خصوصًا مع تكرار وقائع إزالة الأشجار، وتقليص المساحات الخضراء، وتحويل أجزاء من الحدائق إلى أنشطة استثمارية وتجارية. وقد تزامنت هذه التحولات مع خطاب رسمي يؤكد التوسع في التشجير وتحسين البيئة الحضرية، من خلال المبادرة الرئاسية لزراعة «100 مليون شجرة»، التي أعلنت وزارة التنمية المحلية، في مايو الجاري، الانتهاء من مرحلتها الرابعة، متضمنة زراعة أكثر من 200 ألف شجرة في المحافظات والطريق الدائري بالقاهرة الكبرى، ضمن خطة تستهدف تحسين جودة الهواء وخفض درجات الحرارة ومواجهة آثار التغير المناخي.
غير أن هذا التوسع الرسمي في خطاب التشجير جاء بالتوازي مع تزايد المخاوف المرتبطة بتآكل الحدائق التاريخية داخل القاهرة نفسها. ففي تقرير نشره موقع «مدى مصر» خلال مارس 2025 حول حديقة المسلة بالزمالك، حذر سكان المنطقة وجمعيات أهلية من “الاعتداء على الحديقة التاريخية” عبر تنفيذ أعمال إنشائية لصالح شركة استثمارية خاصة تهدف إلى إنشاء مطاعم ومقاهٍ وتحويل الحديقة إلى “ملتقى تجاري”. وأشارت رئيسة جمعية تنمية الزمالك، نادرة زكي، إلى أن الأعمال الجارية تخالف الدليل الاسترشادي للتعامل مع الحدائق التراثية، مؤكدة أن السكان فوجئوا ببدء الإنشاءات دون إخطار مسبق أو مشاركة مجتمعية.
وربط التقرير نفسه بين ما يجري في حديقة المسلة وبين اتجاه أوسع لتحويل الحدائق التراثية إلى فضاءات استهلاكية وتجارية. كما أشار إلى طلب الإحاطة الذي تقدمت به النائبة سميرة الجزار في فبراير 2025، ووصفت فيه ما يحدث داخل حدائق الزمالك وضفاف النيل بأنه “تغول على حقوق المواطنين والسكان” ومخالفة للقانون والدستور، خاصة مع إدراج حديقة المسلة رسميًا ضمن المباني والمنشآت ذات الطراز المعماري المتميز بموجب قرار وزارة الإسكان رقم 817 لسنة 2020.
وتنص المادة (32) من الدستور المصري الحالي على أن "موارد الدولة الطبيعية ملك للشعب، تلتزم الدولة بالحفاظ عليها وحسن استغلالها وعدم استنزافها، ومراعاة حقوق الأجيال القادمة فيها" كما تنص المادة (45) من الدستور على أن الدولة "تكفل حماية وتنمية المساحة الخضراء في الحضر، والحفاظ على الثروة النباتية والحيوانية والسمكية، وحماية المعرض منها للانقراض أو الخطر، والرفق بالحيوان".
وفي مايو الجاري، نشر موقع «باب مصر» تقريرًا موسعًا حول أعمال إزالة الأشجار داخل سور حديقة الميريلاند في مصر الجديدة، وهي الحديقة التي تمتد على مساحة 22 فدانًا وترتبط تاريخيًا بهوية حي هليوبوليس. ونقل التقرير شهادات لسكان المنطقة وخبراء تخطيط عمراني اعتبروا أن إزالة الأشجار تمثل امتدادًا لتشويه الهوية العمرانية والبصرية للحي، الذي عُرف تاريخيًا بكثافة أشجاره وحدائقه المفتوحة. كما أشار التقرير إلى إزالة حدائق صغيرة ومساحات خضراء في شوارع مثل الحجاز وعبد العزيز فهمي والسباق وشهاب الدين خفاجة، ضمن توسعات مرورية ومشروعات تطوير عمراني شهدها الحي خلال السنوات الأخيرة.
واعتمد التقرير على تصريحات للدكتور محمود غيث، أستاذ هندسة التخطيط العمراني ورئيس الجمعية المصرية للتخطيط العمراني، الذي ربط بين اختفاء الأشجار القديمة وبين فقدان "الذاكرة الجمعية" و"التوجيه البصري" داخل المدينة، موضحًا أن الأشجار المعمرة ليست مجرد عنصر جمالي، بل جزء من إدراك السكان للمكان وعلاقتهم النفسية به.
ولم تقتصر المخاوف على الميريلاند أو المسلة فقط، إذ نشر «مدى مصر» في نوفمبر 2025 تقريرًا بعنوان «جمعية الزمالك تحذر من تسليم حديقة النهر التراثية للتطوير»، تناول القلق المتزايد من احتمالات تكرار نموذج "تطوير" حديقة المسلة داخل حديقة النهر بالزمالك. وأكدت جمعية تنمية الزمالك، بحسب التقرير، أن الحدائق التراثية تمثل "المتنفس الأخير" لسكان القاهرة، محذرة من أن تحويلها إلى مرافق تجارية سيؤدي إلى فقدان المدينة جزءًا من ثروتها البيئية والثقافية، فضلًا عن زيادة التكدس المروري والضغط العمراني داخل الحي.
وفي أكتوبر 2024، تناولت «المنصة» مستقبل حديقة أم كلثوم بالمنيل، بعد صدور قرارات بإنهاء حق الانتفاع الخاص بعدد من منشآت طرح النهر تمهيدًا لتطوير المنطقة تحت إشراف جهات تابعة للقوات المسلحة. ونقلت الصحيفة عن مدير الحديقة، المهندس هاني إبراهيم، قوله إن العاملين لا يملكون معلومات واضحة حول مصير الحديقة أو طبيعة المشروع المرتقب، متسائلًا عما إذا كانت الحديقة ستظل مساحة خضراء مفتوحة أم ستتحول إلى مشروعات سياحية وتجارية "مثل ممشى أهل مصر".
كما أشار إبراهيم إلى أن الحديقة، التي تستقبل نحو ألف زائر يوميًا، تمثل متنفسًا لمحدودي الدخل، خصوصًا في ظل ارتفاع تكلفة الخروج في القاهرة، وإغلاق حدائق أخرى مثل الحيوان والأورمان. وأوضح أن الحديقة تؤدي أدوارًا اجتماعية تتجاوز الترفيه، إذ تستخدمها أسر مرضى مستشفيات القصر العيني وأطفال السرطان كمكان للاستراحة والتنزه. وقد أغلقت الحديقة بعد شهرين من نشر المقال.
وفي سياق متصل، وثّق تقرير آخر لـ«مدى مصر» عمليات تجريف جرت في محيط حديقة الحرية بالزمالك بالتوازي مع أنباء عن تحويل أجزاء من المنطقة إلى مشروع استثماري. وأوضح التقرير، بالاستناد إلى دراسة أكاديمية منشورة عام 2007 بعنوان «التركيب النباتي لبعض الحدائق النباتية التاريخية في القاهرة الكبرى»، أن حديقة الحرية التي أُنشئت عام 1876 على مساحة 28.7 فدانًا فقدت أكثر من 75% من مساحتها الأصلية عبر اقتطاعات متتالية لصالح منشآت ومؤسسات مختلفة، بينها نادي القاهرة ومتحف مختار والحرس الجمهوري وفندق شيراتون الجزيرة، حتى لم يتبقَّ فعليًا سوى نحو سبعة أفدنة فقط تحت إدارة محافظة القاهرة.
ذلك وقد أظهرت صور حديثة ملتقطة عبر الأقمار الصناعية في مايو الجاري، نشرتها منصة «متصدقش»، استمرار تراجع الغطاء الشجري في حديقتي الأورمان والحيوان، مع اتساع نطاق التجريف داخل مساحات كانت مغطاة بالنجيل والأشجار، بالتوازي مع توسع أعمال إنشائية جديدة داخل الحديقتين. ووفق تحليل المنصة لصور أقمار صناعية سابقة ملتقطة في 2 إبريل 2023 وصورة Sentinel-2 بتاريخ 29 أبريل 2026، فإن هناك انخفاضًا تدريجيًا في كثافة الغطاء النباتي، وهو ما تعزّز في صورة 2 مايو 2026 من شركة “بلانيت”، التي أظهرت تراجعًا إضافيًا في المساحات الخضراء واستمرار أعمال الحفر والإنشاء.
وتشير المواد المصورة إلى أن حديقة الحيوان شهدت إعادة تشكيل في عدد من القطاعات، بينها إزالة أشجار في المنطقة الشمالية الشرقية لصالح استكمال منشآت قرب أقفاص الأسود وبيت الثعالب، إلى جانب إعادة تصميم المنطقة الفاصلة بين بيت الثعالب ومتحف الحيوان. كما رُصدت تغييرات في بعض العناصر التراثية، من بينها إعادة طلاء كشك ياباني، وأعمال تبطين لبحيرة جزيرة الشاي دون إعادة ملئها بالمياه حتى تاريخ التقاط الصور.
أما في حديقة الأورمان، فتظهر صور «متصدقش» توسع عمليات إزالة الغطاء النباتي في مناطق متعددة من الحديقة، بما في ذلك محيط البحيرة في المنتصف، وتحول أجزاء خضراء إلى مواقع إنشاءات جديدة، من بينها مبانٍ يُقدّر طول أحدها بنحو 80 مترًا على الأقل. كما رُصدت أعمال حفر في شمال غرب الحديقة، واستكمال منشآت في الجنوب الغربي، إلى جانب بناء وحدات جديدة في القطاع الغربي يُرجّح أن تكون مطاعم وكافيهات، بعد أن كانت المنطقة مغطاة بالكامل بالنجيل الأخضر.
وتضيف المنصة أنه في حديقة الحيوان أيضًا، جرى إعادة تخطيط مناطق كاملة، بما في ذلك منطقة بحيرات أفراس النهر، حيث ظهرت منشآت مكان البحيرة الصغيرة، إلى جانب تفريغ البحيرة الأكبر وإعادة تصميمها مع اقتطاع أجزاء منها لإنشاء مبانٍ ملحقة. كما رُصد بناء عدة منشآت جديدة في غرب الحديقة وإزالة مساحات خضراء مجاورة لها.
ويقوم بتنفيذ أعمال المشروع، بحسب التقرير، شركة الإنتاج الحربي للمشروعات والاستشارات الهندسية، وشركة أبناء سيناء للتشييد والبناء المملوكة لرجل الأعمال إبراهيم العرجاني، وشركة حدائق لإدارة الحدائق والمنشآت الترفيهية، التي يرأسها محمد كامل، الرئيس السابق لشركة استادات، المملوكة للشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، التابعة لجهاز المخابرات العامة. ويشاركهم أيضًا شركة الأهلي فاروس التابعة للبنك الأهلي المصري.
وقد كتب الدكتور نبيل الهادي، أستاذ العمارة في كلية هندسة بجامعة القاهرة، في دراسة بعنوان Mapping Trees in Egyptian Cities نشرت في مايو الجاري: "جاءت أخبار التطوير المخطط لحديقتي الحيوان والأورمان النباتية كصدمة لكثير من الناس، بمن فيهم أنا"، قبل أن يربط هذه الصدمة بسؤال أوسع يتعلق بعلاقة سكان المدينة بالطبيعة نفسها، وبمعنى وجود الأشجار داخل فضاء حضري يتغير باستمرار.
ويخصص الهادي جزءًا مهمًا من دراسته لتاريخ حديقتي الأورمان والحيوان بوصفهما نموذجًا لفكرة “التراث الأخضر” في القاهرة. ويوضح أن حديقة الأورمان كانت جزءًا من حدائق الجيزة الخديوية التي أُنشئت عام 1873 على مساحة تقارب 200 فدان، قبل أن تتعرض مساحتها لتقليصات متتالية لصالح جامعة القاهرة وحديقة الحيوان وهيئة المساحة ومديرية أمن الجيزة، حتى تقلصت إلى نحو 28 فدانًا فقط. كما يشير إلى أن الحديقة تضم واحدة من أغنى المجموعات النباتية في مصر، بما يزيد على 835 نوعًا نباتيًا من 115 فصيلة، بينها أشجار نادرة ونباتات عصارية وصبارات ونباتات مائية ومتحف نباتي يحتوي على أكثر من خمسة آلاف عينة محفوظة.
أما حديقة الحيوان، فيوضح الهادي أنها أُنشئت على جزء من الحدائق الخديوية بالجيزة، وضمت عبر تاريخها عناصر معمارية ونباتية نادرة، بينها جسور ومغارات صناعية وحدائق صبار وبحيرات ونباتات استوائية. كما سجلت الدراسة وجود 325 نوعًا نباتيًا داخل الحديقة تمثل 68 فصيلة نباتية مختلفة. ويؤكد الهادي أن أخبار "تطويرحديقتي الحيوان والأورمان جاءت “كصدمة” لكثيرين، لأنها لا تتعلق فقط بمصير مبانٍ أو مرافق، وإنما بمصير منظومة نباتية وتاريخ بيئي كامل تشكّل عبر أكثر من قرن ونصف.
وتكشف هذه الوقائع، الممتدة عبر عدد من الحدائق التاريخية في القاهرة، عن تحوّل تدريجي في وظيفة الفضاءات الخضراء العامة، من كونها مساحات مفتوحة للترفيه والتنزه والراحة البيئية، إلى مواقع تخضع بصورة متزايدة لمنطق الاستثمار وإعادة التوظيف الاقتصادي.
المساحات العامة بين الضبط والتسليع

يمكن فهم التحولات المعاصرة في المدن، وخاصة في سياقات مثل القاهرة، ضمن توسع غير مسبوق في شكلين متداخلين من إعادة إنتاج الفضاء الحضري: تعميق الضبط الأمني والإداري (العسكري، في حالتنا) من جهة، وتوسيع منطق التسليع والتمويل العقاري والاستهلاك من جهة أخرى. هذا التداخل لا يعكس مجرد سياسات عمرانية، بل يعكس نمطًا عالميًا لتحول المدينة إلى أداة مركزية في إدارة التناقضات الاجتماعية والاقتصادية للرأسمالية المعاصرة.
يشرح الماركسي الأمريكي-البريطاني ديفيد هارفي، أستاذ الأنثروبولوجيا والجغرافيا، في نص له بعنوان The Right to the City (الحق في المدينة) أن في هذا الإطار، تصبح المدينة أكثر من مجرد فضاء للسكن أو التفاعل الاجتماعي، وتتحول لبنية تعمل على امتصاص الفائض الاجتماعي والمادي عبر إعادة تدوير الأرض، والعمل، والفضاء نفسه في دورات متتالية من الاستثمار والتوسع. تظهر هذه العملية بوضوح في الطفرات العمرانية الكبرى عالميًا، حيث تتزامن مشاريع البنية التحتية الضخمة—من الطرق والمطارات إلى المراكز التجارية والمجمعات السكنية المغلقة—مع توسع مناطق الإقصاء الحضري والهشاشة.
في المقابل، يتشكل ما يمكن وصفه بـ"الوجه الآخر" لهذا التوسع: مدن غير رسمية، مناطق عشوائية، وسكان يعيشون خارج أنظمة التخطيط والخدمات الأساسية، أو، في أحسن تقدير، على هامشها. هذا التباين الحاد هو جزء بنيوي من نمط إنتاج المدينة، حيث يُعاد توزيع الثروة والمخاطر بشكل غير متكافئ داخل نفس الفضاء الحضري.
في حالة القاهرة، يتجلى هذا التناقض في توازي عمليتين: من جهة، إعادة تنظيم الميادين والساحات العامة، وتكثيف الحضور الأمني، وتقييد أشكال الاستخدام الجماعي؛ ومن جهة أخرى، توسع أنشطة استثمارية داخل الفضاء العام نفسه، مثل تحويل أجزاء من الأرصفة أو المساحات تحت الكباري إلى مشاريع مدفوعة (كافيهات ومطاعم ومساحات استهلاك). هذا التوازي يكشف أن الفضاء العام لا يتم فقط "ضبطه"، بل يتم أيضًا إعادة إدخاله في دوائر القيمة الاقتصادية.
وبذلك، يمكن قراءة التحولات التي طرأت على ميدان التحرير—من مساحة احتشاد سياسي مفتوح ورمز لأكبر ثورة شعبية في تاريخ مصر الحديث إلى فضاء شديد التنظيم والمراقبة—بوصفها جزءًا من إعادة تعريف وظيفة المجال العام: من فضاء احتمالات جماعية إلى فضاء مُدار، يُسمح فيه بالحركة لكن ضمن شروط صارمة تحدد من يظهر، وكيف، ومتى.
هذا التحول لا ينفصل عن منطق أوسع لإدارة المدينة ككل، حيث يتم إنتاج الفضاء الحضري كوسيلة لاحتواء التناقضات بدلًا من حلها. فالتوسع في البنية التحتية أو إعادة تطوير الفراغات لا يستهدف فقط تحسين "الخدمة" كما تدعي حكومة الثورة المضادة، بل أيضًا خلق مجالات جديدة لاستيعاب الفائض الاقتصادي، سواء عبر الاستثمار العقاري، أو إعادة توظيف الأرض، أو توسيع أنماط الاستهلاك الحضري.
في الوقت نفسه، تُظهر التفاوتات في توزيع المساحات الخضراء والخدمات أن الفضاء الحضري نفسه يُعاد تقسيمه وفق خطوط طبقية واضحة. فالوصول إلى البيئة الجيدة، أو الفراغات المفتوحة، أو البنية التحتية، أصبح نتيجة موقع داخل خريطة اجتماعية-اقتصادية غير متكافئة بل وتتسع فيها الفجوة بين الطبقة الحاكمة وباقي الشعب بشكل شديد السرعة. تشير البيانات المتعلقة بانخفاض نصيب الفرد من المساحات الخضراء في القاهرة، وتركّز المخاطر الحرارية في مناطق بعينها، إلى أن البيئة لم تعد خلفية محايدة، بل أصبحت جزءًا من آلية إعادة إنتاج عدم المساواة.
تخبرنا اخر البيانات الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (CAPMAS) المتعلقة بخط الفقر أن نسبة السكان تحت خط الفقر بلغت 32.5% عام 2018، مع تباين واضح في الوصول إلى الخدمات والمساحات العامة بين الفئات الاجتماعية المختلفة.
كما تشير بيانات بيئية رسمية ودراسات أكاديمية صادرة عن منظمة الصحة الدولية (WHO) ومعايير برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (UN-Habitat) إلى أن الحد الأدنى الموصى به من المساحات الخضراء للفرد يتراوح بين 12 و18 مترًا مربعًا في الدول النامية، ويرتفع في الدول الأعلى دخلًا إلى ما بين 20 و40 مترًا مربعًا للفرد.
في المقابل، تُظهر تقديرات بيئية أن نصيب الفرد في مصر من المساحات الخضراء لا يتجاوز 0.5 متر مربع، مع إجمالي مساحات خضراء يُقدّر بنحو 5.4 مليون متر مربع فقط، في مقابل احتياج يتجاوز 58 مليون متر مربع، أي أقل من 10% من الحد الأدنى اللازم.
وتشير دراسات بيئية دولية منشورة في دورية نيتشر في 2015 إلى أن نصيب الفرد من الأشجار في مصر يُعد من الأدنى عالميًا، حيث يقارب شجرة واحدة للفرد.
كما تُظهر دراسة صادرة عن جامعة القاهرة عام 2019 أن 13 منطقة من أصل 46 منطقة داخل القاهرة معرضة لمخاطر مرتفعة جدًا من موجات الحرارة، مع ارتباط واضح بين هذه المناطق ومستويات الكثافة السكانية والفقر.
وتشير بيانات أخرى إلى أن متوسط نصيب الفرد من الغطاء الأخضر في القاهرة الكبرى كان قد بلغ نحو 1.5 متر مربع عام 2008، وفقًا لتقديرات تخطيطية سابقة (مشروع رؤية القاهرة 2050 الصادر عام 2009)، والذي استهدف رفع هذا المتوسط إلى 18 مترًا مربعًا للفرد، إلا أن الواقع الفعلي لم يقترب إطلاقًا من هذا الهدف.
كما تراجع ترتيب مصر في مؤشر أداء تغير المناخ إلى المركز 38، بعدما كانت تحتل المركز 20 في عام 2023.
ويأتي هذا التراجع رغم ما رافق فترة استضافة مصر لمؤتمر التغيرات المناخية COP27 في شرم الشيخ من تعهدات وتمويلات دولية موجهة لدعم التحول نحو الطاقة النظيفة، من بينها نحو 500 مليون دولار مقدمة من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي. ويثير هذا الانخفاض تساؤلات بشأن مدى كفاءة إدارة وتوجيه هذه التمويلات، في ظل استمرار ملاحظات متكررة حول محدودية الشفافية في القطاع البيئي.
غير أن تقاطع الضبط والتسليع لا يظل عند حدود الشارع أو الميدان أو الجنينة، بل يمتد إلى البنية التحتية التي تُنتج شرط وجود هذه المساحات أصلًا—وأبرزها الماء.
يُظهر مشروع مثل «چريان» كيف يُعاد تشكيل "العام" نفسه داخل هذه المنظومة: فالنيل، بوصفه موردًا جمعيًا وذاكرة مائية ممتدة، يُقدَّم في الخطاب الرسمي كرمز مشترك للحياة والتنمية، بينما يُعاد توزيعه فعليًا كأصل استثماري داخل مجمعات سكنية فاخرة ومشروعات عقارية تُبنى على ضفاف مجرى مائي مُصمم خصيصًا ليخدم قيمة الأرض قبل أن يخدم حاجات الري…وبهذا يتحول النيل من مورد عام إلى عنصر مُسعَّر داخل السوق.
ولا يحدث هذا التحول بمعزل عن إعادة تنظيم جغرافية أوسع للعلاقة بين المركز والهامش. فبينما تُسحب كميات ضخمة من مياه فرع رشيد لتغذية مشروع «الدلتا الجديدة» في الصحراء الغربية، تتعرض قرى الدلتا القديمة لضغوط متزايدة من العطش وانقطاع الري وتدهور جودة المياه. ولا يتعلق الأمر بمجرد توسع عمراني أو زراعي، بل بإعادة توزيع قسري للموارد بشكل يعيد تعريف العدالة المكانية! تقرر سلطة الثورة المضادة من له حق الوصول إلى الماء ومن يُعاد تشكيل شروط حياته أو يُدفع خارج شبكة التوزيع أصلًا.
ولذلك، يمكن القول إن إنتاج المساحات العامة في السياق الراهن لا ينفصل عن إنتاج الندرة نفسه. فبدل أن يؤدي التوسع العمراني والزراعي إلى توسيع دوائر الوصول إلى الموارد، يتم خلق وفرة مُركزة في نقاط محددة، مقابل ندرة مُمنهجة في الأطراف. وهكذا تصبح المساحات العامة جزءًا من آلية لإعادة توزيع غير متكافئ للحياة، حيث لا يُعاد فقط تنظيم المدينة، بل يُعاد أيضًا تحديد من يمكنه أن يكون داخلها ومن يُترك خارج شروطها المادية.
كما أن توسع خطاب الاستدامة والمشروعات البيئية لا يخرج بالضرورة عن هذا المنطق، إذ غالبًا ما يتم إدماجه داخل آليات التمويل وإعادة التطوير الحضري، بحيث تتحول البيئة نفسها إلى مجال جديد للاستثمار وإدارة المخاطر، بدلًا من كونها أفقًا لإعادة توزيع الموارد أو إعادة تعريف العدالة الحضرية.
ذلك وتُعد مصر من بين الدول الأكثر هشاشة أمام آثار التغيرات المناخية، إذ تواجه سيناريوهات مستقبلية تتضمن احتمالات ارتفاع منسوب سطح البحر بما قد يهدد أجزاء من دلتا النيل، إلى جانب خسائر محتملة في مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، وتراجع في الكتلة العمرانية والسكانية في المناطق الساحلية، بما يعكس حجم المخاطر المرتبطة بتسارع التغير المناخي على البنية الجغرافية والاقتصادية للبلاد.
تحضرني في هذه اللحظة كلمات الشاعر أحمد فؤد نجم في قصيدة "الممنوعات" التي كتبها للقاهرة:
حبيبتى يا سفينه
متشوقه و سجينه
مخبر فى كل عقده
عسكر فى كل مينا
يمنعنى لو أغير
عليكى أو أطير
بحضنك أوأنام
فى حجرك الوسيع
وقلبك الربيع

ولذلك، أذكر نفسي وإياكم أن كل شبر من مصر—شجرها وظلّه، ماؤها المالح والعذب، نيلها الذي يتنفس فينا، وردها وثمرها وحبات رملها—من حقّنا جميعًا.
وما يُسمّى "ثروات الوطن" ليس شيئًا خارج الناس، بل هو ما يخرج من تعبهم ومن المفترض أن يعود إليهم.
وأي سلطة تمد يدها لتحجب البحر عن أهله، أو تقتطع الجزر كما لو كانت أوراقًا في دفتر بيع (كما فعلوا مع تيران وصنافير)، أو تدفع الناس بعيدًا عن سواحلهم لتقيم عليها مدنًا لا تشبههم، فهي، في جوهر الفعل، تكتب نفسها خارج المعنى الأوسع للوطن.

Address

El `Agûza

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when الاشتراكيون الثوريون posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Contact The Organization

Send a message to الاشتراكيون الثوريون:

Share