05/02/2026
( بعثرة الحلال )
فى بداية حياتى العمليه جاء إلى مستشفى الفيوم موظف فى المرور مضربا عن الطعام احتجاجا على نقله من شباك ترخيص سيارات النقل إلى شباك إستخراج رخص القياده الخاصة.
ولما كان هذا الأمر فى بداية الثمانينات عندما كان الإنسان مازال له سعر وتتحرك له الدولة لبحث شكواه ، فابلغت الشرطة بالحدث .. والتى بدورها ابلغت النيابة .
وجاء وكيل نيابة لسؤاله والتحقيق فى شكواه. ولكن الرجل أبى إلا أن يستمر فى اضرابه رافضا انهاءه حتى لو أودى بحياته. فقرر وكيل النيابة وضعه تحت الحراسة واطعامه قسريا بالمحاليل عن طريق الوريد والابلاغ بتطورات الحاله .
وفى المساء ، وأنا اركب له المحلول ، سألته عن الفرق بين المكانين طالما فى نفس المرور !!
فقال بلا خجل: يادكتور أنا كنت احصل يوميا مبالغ مكنتنى من تزويج ثلاثة من بناتى. جهزتهم احسن جهاز واشتريت لهم كافة ما يؤمن حياتهم. وأنه مازال لدي ابنه رابعة لم تتزوج . والشباك الذى نقلت إليه لا يأتى من وراءه ما كنت احصله من شباك سيارات النقل ..
تعجبت من بجاحة الرجل بمجاهرته بتقاضى الرشوه وكذلك بتزويج بناته من مال حرام !!!
ورضخ المرور لاحتجاج الرجل وأعيد إلى عمله الأصلى!
وبعد سنوات عديدة وأنا اعمل فى اللجنه الطبية، إذا بالرجل يأتى جالسا على مقعد متحرك ومعه امرأتان محولا إلى لجنة العجز المرضى لاصابته بشلل نصفى جراء ورم بالعمود الفقرى . وعرفنى الرجل كما عرفته ، وعلمت منه أن هؤلاء ابنتيه وان ثلاثة من بناته معه فى المنزل؛ اثنين طلقن والثالثة ارملة، وبنت واحده هى المتزوجه الآن ولا تزوره . ويعيش على هذه الحاله مع بناته اللاتى يعملن كخادمات فى المنازل..
قال ذلك وهو يبكى...
تم تقرير حالة العجز له وأخذت عنوانه وظللت أتردد عليه لزيارته شهريا . ومات زوج البنت الجافية فى حادث سياره ، فجاءته لتعيش هى الأخرى معه.
ويوما بعد يوم ساءت حالة الرجل حتى أصبح هيكلا عظيما متقيحا ومتقرحا إلى أن توفاه الله…
هذا الذى أراد أن يؤمن حياة بناته من الحرام ضاربا عرض الحائط بقول الله سبحانه وتعالى
وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9) سورة النساء
والتى يبين لنا الله فيها أن من أراد أن يرعى الله ذريته الضعيفة بعد مماته ، فعليه أن يتقى ربه فى الفعل قبل القول من أجل ذلك. ولا يكون مثل هذا الرجل الذى جمع الحرام على الحلال ليكثره…
فأتى الحرام على الحلال فبعثره *
د. محمود عدوس