29/05/2026
خمسة وثلاثون عامًا من التجربة
حركة مجتمع السلم، مدرسة للأخلاق السياسية
بقلم الأستاذ عبد العالي حساني شريف، رئيس الحركة ✍️
نحيي اليوم التاسع والعشرين من ماي 2026، في حركة مجتمع السلم، الذكرى الخامسة والثلاثين للتأسيس القانوني والسياسي لمسيرة حافلة بالعطاء والتضحيات والعمل الوطني، ومسار سياسي ودعوي وإصلاحي امتد عبر أكثر من ستة عقود، ظل خلالها الوطن بوصلة الحركة، والمجتمع مجال رسالتها، والإصلاح غايتها ومنهجها.
لقد تأسست حركة مجتمع السلم في مرحلة دقيقة من تاريخ الجزائر المعاصر، وانخرطت في المشهد الوطني في ظرف تاريخي بالغ التعقيد، وكانت الجزائر آنذاك تواجه تحديات وجودية تهدد وحدتها واستقرارها ومستقبلها، فاختارت ألا تنخرط في منطق المغالبة والصدام، ولم تستسلم لإغراءات الشعوبية السياسية، لكنها اختارت طريقًا أكثر صعوبة وأكثر مسؤولية: طريق الإصلاح المتدرج، والعمل السياسي السلمي، والدفاع عن الدولة الوطنية، والانحياز الدائم إلى مصلحة الجزائر العليا، حاملةً مشروعًا وطنيًا إصلاحيًا يستلهم قيم الإسلام السمحة، ويستجيب لتطلعات الشعب الجزائري في الحرية والعدالة والتنمية والاستقرار.
ومنذ انطلاقتها، اختارت الحركة طريق المشاركة السلمية والعمل السياسي المسؤول، وأسهمت في ترسيخ ثقافة الحوار والتوافق، والدفاع عن الوحدة الوطنية، وصيانة مؤسسات الدولة، والحفاظ على استقرار البلاد في مختلف المنعطفات التي عرفتها الجزائر. وخلال هذه المسيرة، تمكنت الحركة من بناء تجربة سياسية متميزة، جمعت بين الثبات على المبادئ والمرونة في الوسائل، وبين الوفاء للمرجعية والانفتاح على متطلبات العصر. كما نجحت في تكوين أجيال متعاقبة من القيادات والكفاءات الوطنية، ساهمت في مواجهة الإرهاب والتصدي للتطرف والمساهمة في الإصلاح من مختلف مواقع المسؤولية السياسية والمؤسساتية والاجتماعية، مؤمنةً بأن خدمة الوطن مسؤولية جماعية ورسالة مستمرة.
فقد نجحت الحركة، عبر مسيرتها الطويلة، في بناء مدرسة سياسية قائمة على مفهوم الأخلاق السياسية المتكاملة بين المبادئ والسلوكيات والمواقف، والقدرة على إدارة الاختلاف دون عداوة، والمعارضة دون تخريب، والمنافسة دون إقصاء، والتمسك بالمبادئ دون جمود، وممارسة السياسة دون التفريط في القيم. ودفعت، مقابل ذلك، أثمانًا سياسية بسبب تمسكها بهذا الخيار، لكنها كسبت نموذجًا لحزب يمكن أن يختلف مع السلطة دون أن يعادي الدولة، وأن يعارض السياسات دون أن يطعن في استقرار الوطن، وأن يتمسك بهويته ومرجعيته دون أن ينغلق عن محيطه الوطني والإنساني.
وعملت على تجسيد مشروع سياسي غايته خدمة المجتمع وحماية الوطن وصيانة وحدته. وظلت تؤمن بأن الاختلاف لا يبرر العداوة، وأن المعارضة لا تعني الخصومة مع الدولة، وأن التنافس السياسي لا يقتضي إقصاء الآخرين أو التشكيك في وطنيتهم.
الأخلاق السياسية التي صنعت من خصوصية حركة مجتمع السلم تجربةً حافظت على وضوح مشروعها وهويتها، وعلى تماسك صفها الداخلي، وعلى قدرتها المستمرة على تجديد أدواتها وأساليب عملها دون أن تتخلى عن مرجعيتها أو رسالتها.
ولذلك لم تكن خمسة وثلاثون سنة مجرد عمر سياسي أو تنظيمي، بل كانت مسارًا متواصلًا لتكوين وتنشئة الرجال والنساء، وتأهيل القيادات والكفاءات، وترسيخ ثقافة الشورى والعمل الجماعي، وصناعة أجيال تربت على تحمل المسؤولية تجاه الدين والوطن والأمة وفلسطين قبل تحقيق أي طموح سياسي.
إن القيمة الحقيقية التي قدمتها حركة مجتمع السلم للجزائر خلال خمسة وثلاثين سنة هي استمرارها كمدرسة وطنية تدافع عن فكرة جوهرية مفادها أن السياسة يمكن أن تكون نظيفة، وأن الاختلاف يمكن أن يكون راقيًا، وأن الوطن يمكن أن يبقى فوق الجميع، وأن أي مشروع سياسي وطني يمكنه أن يصمد إذا تأسس على القيم قبل المصالح، وعلى الأخلاق قبل المكاسب، وعلى الإيمان بأن الجزائر تستحق من أبنائها أن يختلفوا من أجلها لا أن يختلفوا عليها.
إن الرسالة التي نقدمها للجزائريين بعد خمسة وثلاثين سنة من النضال من أجل القيم والحريات والانخراط في مسارات الوطن الإصلاحية والتنموية، هي أن الجزائر أمام فرصة لاستعادة الثقة في أبنائها وقدراتها ومقدراتها، بعيدًا عن ممارسات الإقصاء والتيئيس وصناعة الاحتقان والدفع نحو استمرار العزوف.
خمسة وثلاثون سنة من الشهود والبذل والتضحية والتنازل والسعي إلى التوافق والإيمان بالإجماع والعمل على نصرة فلسطين.
رحم الله المؤسسين، وعلى رأسهم الشيخ الرئيس محفوظ نحناح، والشهيد الذبيح محمد بوسليمان، وثبت الله من جاء بعدهم واقتفى أثرهم وصان نهجهم، وأدام الله هذه الحركة المباركة ذخرًا للوطن والأمة وفلسطين.
رئيس حركة مجتمع السلم
عبد العالي حساني شريف