05/04/2026
القائد الشهيد/ عيسى محمد سيف
حين صار الثبات موقفًا … والشهادة خاتمة الحكاية
(7 - 7)
القائد الشهيد/ عيسى محمد سيف
حين صار الثبات موقفًا … والشهادة خاتمة الحكاية
(7 - 7)
‐-----------------
لم تكن النهاية في حياة عيسى محمد سيف لحظة مفاجئة…
بل كانت امتدادًا طبيعيًا لطريقٍ اختاره بوعيٍ كامل، منذ أن قرر أن يكون في صف الفكرة … لا في ظل السلطة.
بعد أن خفت صوت حركة 15 أكتوبر 1978 الناصرية،
وسقط الحلم ميدانيًا قبل أن يكتمل،
بدأ فصلٌ آخر … أكثر قسوة، وأكثر كشفًا:
فصل المطاردة، والاعتقال، والمواجهة الأخيرة.
في الساعات الأولى لذلك الفجر المضطرب…
كان عيسى لا يزال في غرفة العمليات،
مع بعضًا من رفاقه، يقرأ ما حدث، ويُدرك أن اللحظة لم تعد لحظة فعل … بل لحظة حساب.
اتُخذ القرار بإيقاف الحركة…
لا هروبًا، بل تجنبًا لانزلاق البلاد إلى دمٍ أوسع.
خرج عيسى برفقة رفاقه … بهدوء القائد الذي يعرف أن المعركة لم تنتهِ … لكنها تغيّرت.
وفي الطريق … عُرضت عليه فرص النجاة:
اللجوء إلى القبيلة،
الانسحاب إلى مناطق آمنة،
الاختفاء حتى تتضح الصورة.
لكنه … رفض.
لم يكن ذلك عنادًا،
بل موقفًا.
كان يرى أن القائد لا ينجو وحده،
وأن المسؤولية لا تُترك خلفه.
قالها بوضوحٍ يختصر شخصيته كلها:
"سأدافع عنهم … وسأتحمل المسؤولية".
كان يعتقد … وربما يأمل…
أن كونه مدنيًا قد يخفف الحكم،
وأن التضحية بنفسه قد تنقذ غيره.
عاد إلى غرفة العمليات…
ليلتقط أنفاسًا قصيرة،
في زمنٍ لم يعد فيه للراحة معنى.
لكن الأمن … كان أسرع.
داهمت القوات المكان…
سألوه: أين عيسى؟
فأجابهم … بهدوءٍ لا يشبه لحظة المطاردة:
"غير موجود".
وكأن القائد … حتى في لحظة القبض عليه،
كان يحاول أن يربك خصومه … أو يؤخرهم … أو يحمي غيره.
نزل الجنود مترددين…
يتساءلون: ماذا سنقول؟
لم نجد عيسى…
لكن القرار كان قد اتُخذ:
أن يُؤخذ هذا الرجل…
أيًّا كان.
وحين وصلوا به إلى قائدهم…
قال الجملة التي حسمت كل شيء:
"هذا هو عيسى محمد سيف".
وهكذا…
تم القبض عليه.
لا في معركة،
ولا في هروب…
بل في موقفٍ اختاره بنفسه.
بدأت رحلة الاعتقال…
زنازين قصر البشائر امتلأت بالوجوه التي حملت الحلم،
والتحقيقات لم تكن بحثًا عن الحقيقة…
بل محاولة لكسر الإرادة.
تعذيب…
ضغط نفسي…
إهانات…
لكن شيئًا واحدًا لم ينكسر:
الثبات.
كان عيسى … كما عرفه رفاقه:
هادئًا،
صلبًا،
واضحًا.
وكان يردد ما آمن به دائمًا:
"طريق النضال مخاطر … وطريق النصر تضحيات".
ثم جاءت المحاكمات…
لم تكن محاكمات بقدر ما كانت إجراءات لإصدار حكمٍ مُعدّ سلفًا.
جلسات سريعة،
دفاع مختصر،
وأحكام ثقيلة تُلقى كما لو أنها قدرٌ لا يُناقش.
في 27 أكتوبر … أُعدم تسعة من رفاقه العسكريين رميًا بالرصاص،
وإخفاء جثامينهم.
وفي 5 نوفمبر 1978… جاء الدور على أثنى عشر مدنيًا.
وكان عيسى … في مقدمتهم.
حين نُطق الحكم…
لم ينحنِ،
لم يتوسل،
لم يتراجع.
بل وقف…
كما لو أنه ينتظر هذه اللحظة منذ البداية.
ويُروى أنه … لم يستقبل الحكم بالخوف،
بل بشيءٍ يشبه السخرية الهادئة من عدالةٍ مزيفة،
وبتصفيقٍ يهزّ صمت القاعة،
وصرخةٍ تختصر القضية كلها:
"لقد ثرنا ضد الظلم…"
لم تكن كلمات دفاع…
بل بيانًا أخيرًا للتاريخ.
ونُفذ الحكم بحسب إعلان السلطة.
في مكانٍ لم يُعلن،
وفي صمتٍ أرادوا له أن يطوي القصة.
لكن القصة … لم تُطوَ.
سقط عيسى محمد سيف…
كما يسقط الكبار:
واقفًا.
لم يترك وراءه سلطة،
ولا منصبًا،
ولا مكسبًا سياسيًا…
بل ترك معنى.
ترك فكرةً، قيمً، تقول:
إن الحرية لا تُمنح … بل تُنتزع،
وأن الأوطان لا تُبنى بالكلمات … بل بالتضحيات.
لم يكن وحده…
كان معه عشرون حالمًا بالشهادة،
من الشمال الى الجنوب،
مجسدين وحدة الأرض والإنسان
لم وحده؛
بل كان قلباً ينبض بين عشرين حالمًا بالشهادة.
احتشدوا من شمال الوطن إلى جنوبه،
ليصهروا المسافات في خندق واحد،
مجسدين في وقفتهم تلك وحدة الأرض والإنسان
في أبهى صورها الفدائية.
وكان خلفهم جيلٌ كامل…
يحمل ما لم يكتمل.
امتلأت السجون،
تشرد الرفاق،
وتفرقت الطرق…
لكن شيئًا واحدًا بقي:
الذاكرة.
وهكذا…
انتهت حياة عيسى محمد سيف،
لكنها بدأت … في مكانٍ آخر.
بدأت في وجدان الناس،
في الأسئلة التي لم تُجب،
في الحلم الذي لم يمت.
لأن بعض الرجال…
حين يُعدمون،
لا يُغلق ملفهم…
بل يُفتح تاريخهم.
فسلامٌ عليه…
يوم اختار الطريق،
ويوم دفع الثمن،
ويوم بقي … فكرةً لا تموت.
#أنتهى
#حمدان