اللجنة المحلية لحزب العمال بقرمبالية

اللجنة المحلية لحزب العمال  بقرمبالية الصفحة الرسمية للحملة الإنتخابية لحمة الهمامي بقرمبالية

لمحة عن الحزب
تأسس حزب العمال الشيوعي التونسي يوم 3 جانفي 1986، أي في الدكرى الثانية لانتفاضة الخبز، و كان ميلاده تتويجا لنضالات و نقاشات معمقة بين ثلة من المناضلات و المناضلين الثوريين دامت حوالي سنتين و أثمرت عددا مهما من الوثائق الفكرية و السياسية أبرزها البرنامج العام للحزب الدي يتضمن تحليل المسار التاريخي لتطور المجتمع التونسي وتشكيلاته الطبقية و تناقضاتها، و البرنامج العام للثورة في تونس.

01/06/2026
01/06/2026

، سلسلة جديدة - العدد 131، الجمعة 29 ماي 2026
لقراءة العدد انقر على الرابط التالي: https://drive.google.com/file/d/1VPYaEkWHUZcnLLnjxByvjDln_4VZiFWl/view?usp=sharing
تابعونا على قناة تلغرام: https://t.me/sawt_echaab
محتوى العدد :
* افتتاحية:
حين يصبح العبث أسلوبا لحكم تونس، لا بدّ من إيقافه
* صوت الوطن:
- وداعا جمال مسلّم، وداعا المناضل الاستثنائي
- القضاء الوظيفي والحق النقابي
- هل هي انتفاضة الكترونية في مقاومة الخوف والتخويف؟
- في ذكرى استشهاد نبيل البركاتي
* قرأت لكم/ن:
- كتاب: "كارل ماركس في أمريكا"
* الصوت العربي:
- صراع القوى العظمى للسيطرة على ليبيا (الجزء الثالث والأخير)
- إعلان المبادئ الثاني في السودان: إعادة إنتاج الأزمة الطبقية أم تسوية سياسية؟
* صوت العالم:
- الذكاء الاصطناعي ومستقبل الرأسمالية من منظور ماركسي ونيوكلاسيكي
- حين تلتقي الكواسر الامبريالية، على الشعوب أن تحذرَ
- بوليفيا : هل تعصف الانتفاضة الشعبية بحكم الرئيس اليميني رودريغو باز؟

25/05/2026

: “الخطر الإفريقي” المزعوم في تونس: كيف صُنِع العدوّ الوهمي لإخفاء الانهيار الحقيقي؟
بقلم : رشيد سوايح

في كل مرة تشتدّ فيها الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في تونس، يظهر “عدوّ جديد” يُطلب من الناس أن يوجّهوا نحوه غضبهم وخوفهم. مرّة يكون المضاربين، ومرّة المحتكرين، ومرّة “الخونة والعملاء”، واليوم جاء الدور على المهاجرين القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء. فجأة تحوّل آلاف البشر الفقراء، الهاربين من الحروب والجوع والانهيار في بلدانهم، إلى “خطر وجودي” يهدّد الدولة والمجتمع والديمغرافيا والهوية الوطنية.

لكن خلف الضجيج الإعلامي والخطابات المشحونة بالخوف، تختبئ حقيقة أكثر تعقيدا وأكثر إحراجا: تونس ليست ضحية “غزو إفريقي”، بل ضحية سياسات إقليمية ودولية حوّلتها إلى منطقة احتجاز بشرية تخدم أوروبا قبل أي طرف آخر. أما “الخطر” الذي يجري تضخيمه يوميا، فهو في جانب كبير منه خطر مصطنع، يُستعمل لصرف الأنظار عن الانهيار الاقتصادي والاجتماعي الذي تعيشه البلاد منذ سنوات.

تونس التي أُغلقت في وجه أبنائها… أصبحت فخّا للمهاجرين العالقين

المفارقة القاسية أن آلاف الشباب التونسيين أنفسهم يحلمون يوميا بالهجرة من البلاد، هربا من البطالة والفقر وانسداد الأفق، ونفس الحلم يراود حتّى الإطارات من مختلف القطاعات، ولا يستثني الأدمغة. بينما يُطلب من التونسيين في الوقت ذاته أن يصدّقوا أن بلادهم أصبحت “جنة” يريد أفارقة جنوب الصحراء الاستقرار النهائي فيها.

الحقيقة أن أغلب المهاجرين القادمين من جنوب الصحراء لا يعتبرون تونس وجهة نهائية أصلا. تونس بالنسبة إليهم ليست أكثر من محطة عبور نحو أوروبا. لكن بعد تشديد الرقابة الأوروبية على المتوسط، وإغلاق طرق العبور التقليدية، وجد هؤلاء أنفسهم محاصرين داخل بلد يعاني أصلا من أزمة اقتصادية خانقة.

لقد تحوّلت تونس تدريجيا إلى ما يشبه “منطقة عازلة” أو “مخيم انتظار كبير” نيابة عن أوروبا. فالمهاجر الذي كان يطمح للوصول إلى إيطاليا أو فرنسا أصبح عالقا في صفاقس أو العامرة أو جبنيانة، ممنوعا من العبور شمالا، وغير قادر على العودة جنوبا.

أوروبا لا تريد حلّ الأزمة… بل إبعادها عن شواطئها

الاتحاد الأوروبي يتحدث كثيرا عن “الشراكة” و”التعاون” و”مكافحة الهجرة غير النظامية”، لكن ما يهمّه فعليا ليس حماية المهاجرين ولا حماية تونس، بل حماية حدوده فقط.

الاتفاقيات المبرمة مع تونس خلال السنوات الأخيرة، وخاصة مذكرة التفاهم مع الاتحاد الأوروبي سنة 2023، قامت على منطق واضح: أوقفوا المهاجرين قبل أن يصلوا إلينا، شدّدوا الرقابة على السواحل، وحوّلوا تونس إلى خط دفاع متقدّم عن أوروبا. وفي المقابل، تحصل الدولة التونسية على مساعدات مالية وتقنية وأمنية. أما الكلفة الإنسانية والاجتماعية والسياسية، فتُترك للتونسيين وللمهاجرين أنفسهم.

هذه السياسة ليست جديدة. أوروبا طبّقتها سابقا مع تركيا وليبيا وغيرهما. والنتيجة في كل مرة واحدة: مزيدا من الموت في البحر، مزيدا من شبكات التهريب، ومزيدا من تحويل دول الجنوب إلى حراس حدود بالوكالة.

الحدود الرخوة… والتواطؤ الذي لا يريد أحد الحديث عنه

من السذاجة الاعتقاد أن آلاف المهاجرين يستطيعون عبور الصحاري والحدود والوصول إلى تونس بشكل عفوي تماما. فالهجرة غير النظامية في شمال إفريقيا أصبحت منذ سنوات اقتصادا ضخما تديره شبكات تهريب عابرة للحدود، تمتد من دول الساحل الإفريقي إلى ليبيا والجزائر ثم تونس.

الحدود الليبية المفتوحة جزئيا بسبب انهيار الدولة هناك، والحدود الجزائرية الشاسعة، جعلت تونس نقطة تجمّع طبيعية للمهاجرين الباحثين عن طريق نحو المتوسط. لكن الأخطر أن الجميع يتعامل مع الملف بمنطق النفاق السياسي:

فالجزائر تتهم تونس بالتقصير،

وتونس تتهم ليبيا،

وليبيا تتحدث عن شبكات عابرة للحدود، وأوروبا تموّل الجميع كي يبقى المهاجرون بعيدين عن شواطئها.

في الأثناء، تواصل شبكات التهريب تحقيق الأرباح، بينما يُدفع بالمهاجرين نحو مزيد من الهشاشة واليأس.

كيف صُنِع “العدوّ الإفريقي“؟

حين تعجز السلطة عن تقديم حلول اقتصادية واجتماعية حقيقية، يصبح البحث عن “كبش فداء” ضرورة سياسية. وهنا ظهر المهاجر من إفريقيا جنوب الصحراء كعدوّ مثالي: فقير، بلا حماية سياسية، أسود ومختلف ثقافيا، يمكن بسهولة تحميله مسؤولية كلّ مصائب العباد والبلاد.

وهكذا بدأ الخطاب الذي يتحدث عن “الغزو” و”التوطين” و”تغيير التركيبة الديمغرافية”. وتحولت شبكات التواصل الاجتماعي إلى مصنع يومي للخوف والشائعات ونظريات المؤامرة.

لكن الوقائع أكثر عنادا من الخطابات. فالأرقام المتوفرة لا تشير إطلاقا إلى وجود “استبدال سكاني” أو “غزو ديمغرافي”. بل إن مختصين في الديمغرافيا أكدوا أن الحديث عن تغيير هوية تونس أو تركيبتها السكانية أقرب إلى الهلع السياسي منه إلى الواقع العلمي.

فالمشكلة الحقيقية ليست في “احتلال ديمغرافي”، بل في غياب سياسة دولة واضحة لإدارة ملف معقد وحساس.

من أزمة هجرة إلى أزمة إنسانية مفتوحة

في مناطق مثل العامرة وجبنيانة وصفاقس، تحولت بساتين الزيتون إلى مخيمات مفتوحة يعيش فيها آلاف المهاجرين في ظروف مأساوية. غياب الماء والكهرباء، انتشار الأمراض، انعدام الحماية، وعنف متبادل يغذّيه الاحتقان والخوف والفقر، ومع كل حملة أمنية لتفكيك المخيمات، تنتقل الأزمة من مكان إلى آخر دون حل جذري.

فالمأساة هنا أصبحت مزدوجة: المهاجرون عالقون بلا أفق، والسكان المحليون يشعرون بأن الدولة تركتهم وحدهم في مواجهة وضع متفجر.

لكن بدل الاعتراف بفشل المقاربة الحالية، يجري الاكتفاء بالحلول الأمنية والخطابات الشعبوية.

حتى التضامن أصبح تهمة

في مناخ الخوف والتحريض، أصبحت حتى الجمعيات والمنظمات التي تقدم مساعدات إنسانية للمهاجرين محلّ اتهام وشبهة.

صار تقديم الطعام أو العلاج أو المساعدة القانونية يُقدَّم أحيانا وكأنه “تشجيع للهجرة” أو “تنفيذ لأجندات أجنبية”. وتحول العمل الإنساني نفسه إلى نشاط محفوف بالمخاطر السياسية والإعلامية.

والنتيجة أن آلاف البشر وجدوا أنفسهم بين نارين: سلطة تتعامل معهم أمنيا، ورأي عام يُدفع يوميا نحو اعتبارهم خطرا جماعيا.

لماذا لا يتمّ ترحيلهم ببساطة؟

السؤال الذي يتكرر كثيرا في النقاشات الشعبية هو: لماذا لا تقوم الدولة بترحيل المهاجرين إلى بلدانهم وتنتهي الأزمة؟

لكن الواقع أكثر تعقيدا بكثير. فالقانون الدولي يمنع الترحيل الجماعي القسري، خاصة إذا كان المرحَّلون مهددين في بلدانهم الأصلية. كما أن عددا كبيرا من المهاجرين لا يملكون وثائق رسمية، وبعض دول المنشأ ترفض استقبال المرحّلين أو تعجز عن ذلك.

لهذا تعتمد المنظمات الدولية أساسا على “العودة الطوعية”، أي عودة المهاجر بموافقته مقابل مساعدات مالية أو لوجستية.

لكن هذه الآلية محدودة، لأنها لا تعالج أصل المشكلة من حروب وفقر وانهيار اقتصادي واستبداد مقيت يدفع ملايين الأفارقة إلى الفرار شمالا.

الاقتصاد الذي يربح من الفوضى

الهجرة غير النظامية ليست مجرد مأساة إنسانية، بل أيضا سوق ضخمة تدرّ أموالا هائلة: المهربون يربحون، شبكات الفساد الحدودي تربح، بعض أصحاب الأعمال يستفيدون من اليد العاملة الرخيصة، وشركات الأمن والمراقبة الأوروبية تربح بدورها.

أما الخاسرون الحقيقيون فهم المهاجرون الذين يتحولون إلى سلعة بشرية، والمواطنون التونسيون الذين يُطلب منهم دفع ثمن سياسات لا يشاركون في صنعها.

الأزمة الحقيقية ليست “إفريقية“… بل تونسية

من السهل جدا إقناع الناس بأن “الغريب” هو سبب الأزمة، لكن الأصعب هو مواجهة الحقيقة

المهاجر من إفريقيا جنوب الصحراء لم ينهب المال العام في تونس
ولم يدمر القطاع الصحي
ولم يخلق البطالة الجماعية
ولم يفرض التبعية الاقتصادية للخارج

الأزمة التونسية أعمق بكثير من وجود آلاف المهاجرين العالقين: اقتصاد هشّ، تنمية غير عادلة متى وُجدت أصلا، فساد مزمن، انهيار الخدمات العمومية، وارتهان متواصل للمؤسسات المالية الدولية.

لكن الخطاب الشعبوي يحتاج دائما إلى عدوّ بسيط وسهل الكراهية، حتى لا يوجّه الناس غضبهم نحو جذور الأزمة الحقيقية.

تونس أمام مفترق خطير

إذا استمرت المقاربة الحالية، فإن تونس مهددة بأن تتحول تدريجيا إلى فضاء احتجاز دائم للمهاجرين، وسوق مفتوحة لشبكات التهريب، ومختبر اجتماعي للعنصرية والخوف والانقسام.

أما الحل الحقيقي، فلا يمكن أن يكون أمنيا ، لأن الهجرة ليست جريمة، بل نتيجة مباشرة لعالم غير متكافئ:

إفريقيا الفقيرة تطرد أبناءها،

وأوروبا الغنية تغلق أبوابها،

بينما تُترك دول العبور مثل تونس لمواجهة الانفجار وحدها.

لهذا تحتاج البلاد إلى سياسة عقلانية وسيادية وإنسانية في آن واحد:

مكافحة شبكات التهريب فعليا،

رفض التحول إلى شرطي حدود لأوروبا،

احترام حقوق الإنسان،

وفتح نقاش وطني بعيد عن الهلع والعنصرية والتحريض.

خاتمة: العدوّ الحقيقي ليس المهاجر الفقير

المهاجر القادم من جنوب الصحراء ليس “غزوا” ولا “مؤامرة ديمغرافية”. إنه إنسان هارب من بؤس آخر، اصطدم ببؤس تونسي متفاقم، ثم وجد نفسه في قلب لعبة إقليمية ودولية أكبر منه بكثير.

أما “الخطر المصطنع” الحقيقي، فهو تحويل هؤلاء البشر إلى شمّاعة تُعلَّق عليها أزمات الدولة، وإلى أداة لتأجيج الخوف والكراهية داخل مجتمع يعيش أصلا حالة اختناق اقتصادي واجتماعي غير مسبوقة.

وحين تصبح السلطة عاجزة عن إقناع الناس بمستقبل أفضل، يصبح أسهل عليها أن تقنعهم بوجود “عدوّ” يجب الخوف منه.
لكن الأوطان لا تُنقذ بالخوف، ولا بالتحريض، ولا بتحويل الفقراء إلى وحوش.
بل تُنقذ بالعدالة والسيادة والتنمية والكرامة الإنسانية للجميع..

رابط المقال على موقع : https://www.sawt-achaab.tn/32299/

25/05/2026

: حين تتحوّل وزارة العدل إلى خصم للمحاكمة العادلة
بقلم رشيد سوايح

إنّ البلاغ الصادر عن وزارة العدل التونسية يوم 18 ماي 2026 لم يكن مجرّد بيان إداري عابر، بل كان إعلانًا سياسيًا وقانونيًا خطيرًا يكشف مرّة أخرى عن طبيعة المقاربة السائدة داخل السلطة تجاه مرفق العدالة وتجاه أحد أهمّ أعمدته: المحاماة المستقلة. فبدل أن تتعامل الوزارة مع التحرّكات الاحتجاجية للمحامين باعتبارها جرس إنذار حقيقي حول ما آلت إليه أوضاع القضاء والمحاكمات وضمانات الدفاع، اختارت لغة التحدّي والإنكار، وقدّمت للرأي العام صورة مضلّلة توحي بأنّ “الأمور عادية” وأنّ العدالة ستواصل السير بصورة طبيعية رغم احتقان غير مسبوق داخل المحاكم.

لكن الحقيقة القانونية والحقوقية مختلفة تمامًا.

فالعدالة ليست بناية تُفتح أبوابها صباحًا وتُغلق مساءً، وليست مجرّد كتبة وموظفين وملفات وجلسات شكلية. العدالة، في معناها الدستوري والإنساني، تقوم أساسًا على ضمانات المحاكمة العادلة، وعلى حقّ الدفاع، وعلى استقلال القضاء، وعلى احترام الإجراءات القانونية. وكلّ مساس بهذه العناصر يجعل من المحاكمة مجرّد إجراء قسري فاقد للشرعية، حتى وإن تمّ تحت لافتة “استمرارية المرفق العمومي.

إنّ أخطر ما ورد في البلاغ هو محاولة التقليل من تأثير تحركات المحامين عبر القول إنّ “امتناعهم عن تقديم الخدمة لا تأثير له على سير مرفق العدالة “. وهذه العبارة ليست فقط مستفزّة، بل تكشف جهلًا أو تجاهلًا متعمّدًا لطبيعة وظيفة المحامي داخل المنظومة القضائية. فالمحامي ليس عنصرًا ثانويًا أو مكمّلًا شكليًا للمحاكمة، بل هو جزء أساسي من ضمانات التقاضي العادل. والحق في الدفاع ليس منّة من السلطة، بل حق دستوري ثابت تكرّسه المواثيق الدولية والدستور التونسي ذاته.

فكيف يمكن الحديث عن “سير عادي للمحاكم” في غياب الدفاع؟

وكيف يمكن الحديث عن “إيصال الحقوق إلى أصحابها” بينما أصحاب الحقوق أنفسهم يُحرمون من الضمانات الأساسية لمحاكمة عادلة؟

وأيّ عدالة هذه التي تعتبر حضور المحامي أو غيابه مسألة ثانوية لا تؤثّر في جوهر المحاكمة؟

إنّ ما جاء في البلاغ يعكس نزعة بيروقراطية خطيرة تختزل العدالة في الجانب الإداري والإجرائي، بينما تتجاهل بعدها الحقوقي والدستوري. فالمحاكمة ليست مجرّد جلسة تنعقد، بل هي منظومة متكاملة من الضمانات. وأيّ مساس بحقوق الدفاع يجعل الأحكام الصادرة محلّ تشكيك قانوني وأخلاقي، ويضرب ثقة المواطنين في القضاء وفي الدولة نفسها.

ثم إنّ الوزارة تتحدّث عن “تواصل انعقاد الجلسات” وكأنّ انعقاد الجلسة في حدّ ذاته إنجاز. والحال أنّ الجلسة التي تُعقد دون احترام كامل لحقوق الدفاع قد تتحوّل إلى مجرّد إجراء صوري يفتقد لأدنى شروط العدالة. فالمحكمة التي تواصل النظر في القضايا رغم تعطّل الدفاع أو رغم احتجاجات واسعة حول خروقات تمسّ تركيبة الدوائر الجزائية، إنّما تساهم عمليًا في تعميق أزمة الثقة في القضاء.

ولا يمكن فصل هذا البلاغ عن السياق العام الذي تعيشه العدالة في تونس منذ سنوات، حيث تتزايد المخاوف من تراجع استقلال القضاء ومن توسّع التدخّل التنفيذي في الشأن القضائي، ومن توظيف القضاء في تصفية الخصوم السياسيين أو في إدارة الملفات الحساسة بمنطق الولاء لا بمنطق القانون. لذلك فإنّ احتجاج المحامين اليوم لا يتعلّق فقط بظروف العمل أو بالمطالب المهنية الضيّقة كما قد يحاول البعض تصويره، بل يتعلّق أيضًا بالدفاع عن جوهر المحاكمة العادلة وعن الحدّ الأدنى من الضمانات القانونية التي بدونها تتحوّل المحاكم إلى فضاءات لإضفاء الشرعية الشكلية على قرارات جاهزة.

إنّ احترام تركيبة الدوائر القضائية، وخاصة الجزائية، ليس تفصيلًا إداريًا يمكن تجاوزه، بل هو مسألة جوهرية تمسّ شرعية.

الأحكام نفسها. فالقاضي الطبيعي، واستقلالية التركيبة القضائية، وحياد المحكمة، كلّها مبادئ أساسية معترف بها في الفقه القانوني الدولي وفي اجتهادات المحاكم المقارنة. وعندما يشعر المحامون بأنّ هذه المبادئ تتعرّض للاهتزاز، فإنّ من واجبهم المهني والأخلاقي دقّ ناقوس الخطر، لا الصمت.

والأخطر من ذلك أنّ البلاغ يحاول خلق انطباع بأنّ السلطة قادرة على إدارة العدالة دون المحامين، وكأنّ الدفاع عبء يمكن الاستغناء عنه. وهذه العقلية تمثّل انحدارًا خطيرًا نحو تصور سلطوي للعدالة، حيث تصبح المحاكمة مجرّد مسار إداري تتحكّم فيه الدولة من البداية إلى النهاية، دون توازن حقيقي بين سلطة الاتهام وحقوق الدفاع.

في كلّ الديمقراطيات الحقيقية، عندما يحتجّ المحامون بسبب مخاوف تتعلّق بالمحاكمات العادلة، يُنظر إلى الأمر باعتباره أزمة دولة تستوجب الحوار والمعالجة العاجلة. أمّا في الأنظمة التي تضيق بالنقد وتخشى استقلال المهن القضائية، فإنّ الردّ يكون عادة بالتقليل من أهمية الاحتجاجات أو بمحاولة كسرها معنويًا وإعلاميًا. ولهذا فإنّ البلاغ الحالي لا يبدو بيان تهدئة بقدر ما يبدو رسالة سياسية مفادها أنّ السلطة ماضية في خياراتها مهما كانت الاعتراضات القانونية والحقوقية.

غير أنّ التاريخ القضائي في كلّ أنحاء العالم أثبت حقيقة بسيطة: لا عدالة بدون دفاع مستقل. ولا قضاء محترم بدون محاماة حرّة. وكلّ سلطة تحاول إضعاف المحامين أو تحجيم دورهم إنّما تضع نفسها في مواجهة مباشرة مع مبادئ دولة القانون.

إنّ الأزمة الحالية ليست أزمة قطاعية عابرة، بل هي جزء من معركة أوسع حول طبيعة الدولة نفسها:

هل نريد قضاءً مستقلًا ومحاكمات عادلة وضمانات فعلية للمتقاضين؟

أم نريد جهازًا قضائيًا مطيعًا يشتغل بمنطق التعليمات والولاءات؟

إنّ البلاغ، في بنيته اللغوية والسياسية، لا يبدو موجّهًا فقط إلى المتقاضين، بل إلى الرأي العام بأسره. فاختيار التأكيد على أنّ “المحاكم ستواصل عملها بصورة عادية” رغم احتجاجات المحامين، لا يخلو من رغبة واضحة في عزل التحرّك المهني عن حاضنته الشعبية، وتقديم المحامين في صورة الطرف الذي “يعطّل مصالح المواطنين”، بدل تقديمهم كجزء متآمر في خضم معركة أوسع تتعلّق بضمانات المحاكمة العادلة واستقلال القضاء.

وهنا تكمن خطورة الخطاب الرسمي حين يتحوّل من خطاب مؤسساتي يفترض فيه البحث عن التهدئة والحوار، إلى خطاب إيحائي يزرع الشكّ في مشروعية التحرّكات المهنية، ويفتح المجال أمام حملات التحريض والتشويه. فحين تصدر السلطة رسالة مفادها أنّ احتجاج المحامين “لا تأثير له” وأنّ العدالة يمكن أن تسير دونهم، فإنّها لا تكتفي بإنكار دور الدفاع، بل تساهم عمليًا في صناعة مناخ عدائي تجاه المحاماة نفسها، وفي تأليب جزء من الرأي العام ضدّها وضدّ مناضليها.

وليس من قبيل الصدفة أنّ مثل هذه البلاغات كثيرًا ما تتحوّل، في المناخات السياسية المتوتّرة، إلى مادّة جاهزة لبعض المنابر الإعلامية وصفحات التحريض الرقمي التي تبحث عن صناعة “عدو داخلي” جديد. فبدل فتح نقاش جدّي حول أسباب غضب المحامين، وحول التحذيرات المتكرّرة المتعلقة بتركيبة الدوائر الجزائية وضمانات التقاضي، يجري اختزال المسألة في صورة سطحية تبسيطية: “محامون يعرقلون مصالح الناس”. وهي سردية خطيرة لأنّها تنقل النقاش من جوهر الحقوق والحريات إلى منطق الشحن العاطفي ضدّ فئة مهنية تؤدي دورًا دستوريًا في حماية المتقاضين.

إنّ السلطة التي تدخل في مواجهة مفتوحة مع المحاماة لا تستهدف المحامين كأشخاص، بل تستهدف وظيفة الدفاع ذاتها. فالمحامي، تاريخيًا، لم يكن مجرّد مقدّم خدمة، بل أحد آخر خطوط الحماية أمام تغوّل السلطة التنفيذية وأمام الانتهاكات المحتملة لحقوق الأفراد. لذلك فإنّ إضعاف صورته داخل المجتمع، أو تصويره كعبء على العدالة، يمثّل خطوة خطيرة نحو تطبيع الرأي العام مع فكرة “العدالة بلا دفاع قوي”، أي مع عدالة مختلّة التوازن تميل تلقائيًا إلى الطرف الأقوى: السلطة القائمة.

والأخطر أنّ هذا المناخ التحريضي قد ينعكس مباشرة على المتقاضين أنفسهم، وعلى علاقة المواطنين بمحاميهم، عبر خلق انطباع مضلّل بأنّ المعركة الجارية هي معركة “امتيازات مهنية”، بينما الحقيقة أنّ جوهر التحرّك يتعلّق بضمانات المحاكمة العادلة وبحقّ كلّ مواطن، قبل المحامي، في المثول أمام قضاء مستقل ومحكمة تتوفّر فيها شروط الحياد واحترام القانون.

لهذا فإنّ المطلوب اليوم ليس التحريض على المحامين ولا شيطنة تحرّكاتهم، بل فتح نقاش وطني حقيقي حول واقع العدالة في تونس، وحول المخاطر التي تهدّد استقلال القضاء وحقوق الدفاع. لأنّ المجتمع الذي يصفّق لإضعاف المحاماة اليوم، قد يكتشف غدًا أنّه ساهم، دون أن يدري، في إضعاف آخر الضمانات التي تحميه من التعسّف والانتهاك.

إنّ المحامين الذين حملوا الشارة الحمراء اليوم لا يدافعون فقط عن مهنتهم، بل يرفعون إنذارًا حول

مستقبل العدالة في تونس. ومن يحاول تصوير تحركاتهم كأنّها مجرّد تعطيل لمرفق عمومي، يتعمّد تجاهل أنّ أخطر تعطيل للعدالة ليس في تأجيل جلسة، بل في تحويل القضاء إلى جهاز فاقد للاستقلال والحياد والثقة الشعبية.

فالعدالة لا تُقاس بعدد الجلسات المنعقدة، بل بمدى احترام حقوق الإنسان داخلها. والمحاكم التي تنعقد بلا ضمانات دفاع كافية قد تنتج أحكامًا، لكنها لا تنتج عدالة.

ولهذا فإنّ البلاغ الصادر عن وزارة العدل، بدل أن يطمئن الرأي العام، عمّق المخاوف القائمة أصلًا. لأنّه كشف بوضوح عن عقلية تعتبر أنّ انتظام الشكل أهمّ من جوهر الحقوق، وأنّ استمرارية الإدارة أهمّ من استمرارية العدالة نفسها. وهنا بالضبط يكمن الخطر الحقيقي.

رابط المقال على موقع : https://www.sawt-achaab.tn/32305/

25/05/2026

: منظومة الحكم على وقع فصل جديد من أزمة سياسية داخلية حادة وخانقة
بقلم : شيراز بن حسين

بينما تئنّ تونس تحت وطأة تفقير متزايد وأزمة اقتصادية واجتماعية خانقة، بالتوازي مع انسداد سياسي مستمر منذ انقلاب 25 جويلية، تتجه سلطة قيس سعيد مؤخّرا نحو خطوة جديدة تكشف طبيعة علاقتها بالمؤسسات التي أنشأتها بنفسها حيث جاء قرار الحكومة الأخير بتعليق حضور وزرائها في الجلسات البرلمانية ليؤكّد بأنّ الوظيفة التشريعية (وفقا للمنظومة الحاكمة) بغرفتيها ليست سوى واجهة صورية مجرّدة من أيّ مشاريع تنموية أو سلطة رقابية حقيقية.

وتأتي هذه القطيعة الحكومية كأثر مباشر للمنظومة الدستورية الانفرادية التي صاغها رئيس السلطة التنفيذية لتجفيف منبع التوازن بين السلطات وذلك من خلال تعطيل أدوات المحاسبة (حتى لو كانت صورية) وفرض تشتيت واستهداف وضرب متعمّد لقوى المجتمع المدني والسياسي. وتبدو النتيجة الحتمية هي خنق الحياة العامة ومحاصرة حتى تلك المؤسسات الصورية التي صيغت على مقاس الحاكم بأمره، حيث أنّ برلماناً معزولاً وتائهاً لا يملك آليات إنقاذ وطن من اختناق سياسي واقتصادي لا يؤكّد سوى أنّ المنظومة القائمة لا تطيق سماع أيّ صوت حتى وإن كان من داخل حزامها “الدستوري” الصوري.

تبدو الأزمة الراهنة والمتزايدة في الفترة الأخيرة لنظام قيس سعيّد كأزمة بنيوية مركّبة لنموذج حكم يدمج بين السلطوية السياسية المطلقة، والعجز البنيوي في القطع مع النمط التنموي الرأسمالي التابع. فلقد شكّل مسار 25 جويلية نقطة تحوّل حاسمة نحو إرساء سلطة بونابرتية فردية قامت على أنقاض ديمقراطية تمثيلية معطوبة، لتنتقل البلاد من أزمة “الديمقراطية التوافقية” البورجوازية إلى مربّع الاحتكار التام للقرار وتصفية المكاسب السياسية الناشئة، واستندت استراتيجية المنظومة إلى تفكيك الأجسام الوسيطة، من أحزاب ومنظمات ومجتمع مدني، لقطع الطريق أمام أي حراك جماهيري منظّم، بالتوازي مع تقويض استقلالية المرفق القضائي وتدجين ونسف الهيئات التعديلية (وفي مقدمتها هيئة الانتخابات) لضمان إعادة إنتاج سلطة ديكتاتورية وفاشية بشكل جديد. ورافق هذا الإغلاق السياسي هجوم شرس على الحريات العامة وحرية التعبير، عبر ترسانة من المراسيم السالبة للحرية (كالمرسوم 54)، بهدف حصار القوى الحية والمعارضة التقدّمية والاجتماعية والاقتصادية. وهنا يبرز تناقض صارخ بين الخطاب الشعبوي ذي المسحة السيادية، وبين الخيارات المالية الفعلية للسلطة التي تمثل استمراراً وفياً للنهج النيوليبرالي المتوحّش، فإن الاستسلام لإملاءات المانحين الدوليين، والعجز عن صياغة بديل تنموي وطني وشعبي، تُرجم ميدانياً عبر استفحال البطالة، وارتفاع معدلات التضّخم، والتفقير المتسارع للشغالين، فضلاً عن العجز الهيكلي عن تأمين المواد الأساسية، وضمن هذه الديناميكية، يشتغل الخطاب الرسمي لمنظومة الحكم كآلية إيديولوجية لتزييف الوعي وحجب التناقضات الطبقية، عبر تقسيم المجتمع افتراضياً إلى “شعب طاهر” في مواجهة “تآمر الخصوم“، بالتوازي مع هندسة مشروع “البناء القاعدي” والمجالس المحلية لترذيل المجتمع وعرقلة التشكّل السياسي والنقابي المنظم. وقد أدّت هذه الخيارات المأزومة إلى عزلة اجتماعية وسياسية متفاقمة للمنظومة، تفضح زيف وعودها وتضعها في مواجهة مباشرة مع استحقاقات الواقع.

الأزمة الداخلية لمنظومة الحكم وسقوط الأوهام

تواجه منظومة الحكم الحالي في تونس أزمة بنيوية حادة تخترقها من الداخل، وهي أزمة لا تعود لـ“صعوبات عابرة” بل تعبّر عن مأزق وظيفي وتاريخي شامل. إنّها النتيجة الحتمية لنمط حكم شعبوي يعيد إنتاج الاستبداد السياسي لحماية خيارات اقتصادية ليبرالية تابعة، ويتجلّى هذا المأزق في تفتّت الكتلة الطبقية والسياسية المحيطة برأس السلطة، حيث تحوّل فضاء القرار إلى ساحة خلفية لتناحر الأجنحة البيروقراطية وصراعات الأجهزة لتقاسم النفوذ، ممّا أدخل المنظومة في حالة ارتياب دائم وتوجّس متبادل يعوق قدرتها على صياغة أيّ مشروع “تاريخي” كما تروّج له.

ويتزامن هذا التآكل الداخلي مع تفكيك ممنهج للمرفق العمومي وجهاز الدولة الإداري. فسياسة الإقالات العشوائية والمحاكمات الإدارية للوزراء والمسؤولين لا تمثل “تطهيراً“، بل هي إفراغ متعمّد للإدارة من الخبرة الفنية وتصفية لما تبقى من “ذاكرة الدولة الاجتماعية” وتحميلهم فشل خيارات رأس السلطة التنفيذية، وكل ذلك لصالح تعيين الموالين وأبناء المسار الذين يفتقرون للحسّ السياسي والدراية الفنية، بل إنّ توجّه هذا النمط في التعيين الفوقي لم يساهم إلاّ في نشر ثقافة الرعب والتردّد بين صغار ومتوسطي الموظفين كما حوّل الإدارة إلى جثّة هامدة تخشى المبادرة خوفا من العقوبات وتنتظر التعليمات لا غير.

إنّ هذا التآكل من الداخل لم يفرز سوى عزلة سياسية خانقة للسلطة وعنوانا لأزمة داخلية باتت أكثر وضوحا حتى في صفوف أبناء “المسار” حيث بعد قرار منع الوزراء من الحضور في الجلسات العامة للبرلمان الحالي والذي أثار جدلا حتى لدى عدد من النواب، وفي انتظار التحوير الوزاري الذي كثر الحديث عنه مؤخّرا (محاولة جديدة لإنقاذ رأس المنظومة من الفشل)، مثّل البيان الصادر عن وزارة الدفاع بتاريخ 21 ماي الجاري والذي تحدّث فيه عن دور المؤسسة العسكرية وابتعادها عن التجاذبات السياسية واستقلاليتها عنوانا جديدا للجدل المثير والتحليلات والتأويلات باعتبار أن مثل هذه البيانات عن وزارة سيادية نادرا وقلّ ما تنشر للرأي العام، ما يشير فعلا إلى وجود أزمة خانقة لم تكشف تفاصيلها وملامحها بدقّة بعد.

وأمام كلّ هذا فإنّ مراهنة رأس السلطة على الخطابات الشعبوية والتعبئة العاطفية الأحادية والتهديد إثر زيارته الأخيرة إلى قصر الحكومة بالقصبة وقوله “لقد بلغ السيل الزبى” تزيد دليلا عن الانفصال والأزمة الخانقة، لعلّ أبرزها وكما تم تداوله مؤخّرا عن الزيارة التي أدّاها سعيد إلى دوّار هيشر والتي لم تنشر عنها صفحة رئاسة الجمهورية كما جرت العادة ولو صورة، حيث تداولت بعض الصفحات أنّ غضب المواطنين من ارتفاع الأسعار وتدهور المقدرة الشرائية واحتجاجهم كان السبب في عدم النشر والترويج لالتحام الرئيس بالمواطنين.

وفي هذا السياق، يعيش المشهد المؤسساتي شللاً تاماً حيث تحوّل البرلمان والمجالس الصورية بموجب “المسار الجديد” إلى مجرد واجهات ديكورية منزوعة الصلاحيات، وصدى ملطف لإملاءات السلطة التنفيذية، بالتوازي مع تجميد الهيئات الديمقراطية والتعديلية لضمان الهيمنة المطلقة. وتتفاقم هذه المعضلة بفعل النزوع نحو المركزية المطلقة وحصر الصلاحيات بيد “الفرد الواحد“، ما كرّس بيروقراطية مشلولة تخشى المسؤولية وتنتظر “الأوامر الفوقية“، ممّا عطّل مصالح الشعب ومشاريع التنمية المحلية. وقد انعكست هذه الاختلالات البنيوية بشكل كارثي على الوضع الاقتصادي والاجتماعي، مكرّسة الفشل الذريع لمنظومة عاجزة عن القطع مع إملاءات الدوائر المالية العالمية (كصندوق النقد الدولي)، فلقد عجزت الحكومة عن إدارة أزمات فقدان المواد الأساسية، والارتفاع الجنوني للأسعار، وتفاقم المديونية التي تكبّل السيادة الوطنية. وفي المقابل، يهرب الخطاب الرسمي نحو “مؤامرات الاحتكار” أو سعيه المحموم نحو “معركة التحرير الوطني” لتبرير عجزه والتغطية عن غياب أيّ رؤية تنموية وطنية وشعبية، وعن فرض إصلاحات ضريبية عادلة أو تأميم القطاعات الحيوية لإنقاذ المالية العمومية وفرض السيادة الوطنية الحقيقية.

إنّ هذا التداخل المعقّد بين صراعات الأجهزة، وتفكيك الإدارة، وتصفية العمل السياسي والتشريعي، والمركزية الخانقة، والعجز عن قمع توغّل رأس المال الطفيلي، يثبت أنّ هذه المنظومة غير قادرة على تجديد نفسها أو تقديم حلول للأزمة الشاملة. إنها ليست الحل، بل هي جوهر المأزق البنيوي التاريخي الذي يستنزف مقدّرات الشعب التونسي ويدفع بالبلاد نحو الانفجار الاجتماعي، ما يتطلب اليوم وبشكل ملحّ توحيد الجهود للمواجهة والاستعداد أكثر من أيّ وقت مضى لإنقاذ البلاد قبل الانهيار.

رابط المقال على موقع : https://www.sawt-achaab.tn/32295/

24/05/2026

"مَا تِدْرُوشْ عَالدُّنْيَا… ممكن غُدوة تستحقُّو للمحامين"
بقلم: حمّه الهمّامي

قِصر النظر عواقبه وخيمة على صاحبه… وما أكثر أصحاب النظر القصير في بلادنا. فهم لا يفكّرون إلّا في الآني ولا يقرؤون حساب الغد. يغرّهم مركزهم ويذهب في ظنّهم أنّهم باقون فيه إلى أبد الآبدين وأنّهم في مأمن من انقلاب الأوضاع فيدفعهم غرورهم ونزعتهم الاستبداديّة إلى الدوس على القوانين أو سَنِّ ما يخدم منها مصالحهم الضيّقة وتطويع القضاء وفق رغباتهم و تدمير ما كسبه المجتمع من عوامل المناعة، حريات وحقوقا أومؤسّسات وهيئات مدنيّة، للتوقّي من الظلم والطغيان.
جالت بخاطري هذه المعاني وأنا أتابع هذه الأيّام تحرّكات المحامين احتجاجا على ظروف عملهم التي أصبحت لا تسمح لهم بالقيام بدورهم. "لا محاكمة عادلة دون دفاع حرّ". هذا هو الشعار المركزي الذي رفعه المحامون في وجه التضييقات التي يتعرّضون لها تحت سلطة الانقلاب مطالبين بتوفير ضمانات المحاكمة العادلة لموكّليهم خاصّة في القضايا السياسيّة ووقف المحاكمات والأحكام الجائرة.
ولا يمكن لأيّ إنسان حرّ أن ينكر عن المحامين رفع هذه الشعارات التي لا تهمّهم وحدهم بل تهمّ كافة المواطنات والمواطنين لأنّ أيّا منهم قد يكون عرضة في حياته، سواء في شخصه أو في شخص أحد أفراد العائلة أو الأقرباء، لإشكال قد يوجب منه الاستعانة بمحام. وبقدر ما تتوفّر شروط الدفاع الحرّ، تتوفّر له ضمانات "الحصول على حقّه".
العميد شوقي الطبيب، أحد ضحايا الاستبداد، الذي يقبع منذ مدّة في إحدى زنزانات سجن المرناقيّة ختم مؤلّفه: "الكتاب الأبيض للمحامين التونسيّين" الصادر سنة 2024 (*) بأمثلة ثلاثة عن أشخاص من ذوي النفوذ في الدولة التونسيّة، من أزمنة مختلفة لم يقرؤوا حساب التاريخ وظنّوا أنّهم في الحكم "خالدون" وأنّهم لن يحتاجوا لا إلى قواعد المحاكمة العادلة ولا إلى المحاماة الحرّة إلى أن دارت عليهم الأيّام ووجدوا أنفسهم ضحايا الاستبداد الذي ساهموا في إرساء أسسه، القانونيّة والهيكليّة، فإذا بهم يطالبون بقواعد المحاكمة العادلة ويبحثون عن محامين "معاركيّة" لتبنّي قضاياهم وعن دعم من الحركة الحقوقية.

المثال الأوّل
يقول العميد شوقي الطبيب:
« يحلو للعميد البشير الصيد بأن يذكّر غالبا بأنّ "أحمد بن صالح" الرجل القويّ في الدولة التونسيّة خلال فترة التعاضد (في ستينات القرن الماضي) اعترف وهو في عزّ مجده، بأنّه اعترض في شارع باب بنات المحامي الجزائي الشهير صاحب التوجّهات اليوسفيّة محمّد بالناصر، وليس محمّد الناصر، فلامه بشدّة على مرافعاته التي كان يتعمّد خلالها التهجّم على السلطة متوجّها له بالقول: "مازلت لسانك طويلا"، فأجابه المحامي: "سيأتيك يوم وتحتاج إلى هذا اللسان الطويل…" وفعلا أشهرا قليلة بعد لقاء الرجلين، عزل بورقيبة بن صالح وأحاله على محكمة أمن الدولة (سنة 1970) بتهمة الخيانة العظمى… هرعت زوجة بن صالح لزيارته في السجن فكان أوّل ما أمرها به أن تذهب مباشرة للقاء، "صاحب اللسان الطويل"، المحامي محمّد بالناصر وتطلب منه الدفاع عنه وهذا ما كان… ».

المثال الثاني…
« يروي العميد منصور الشفّي رحمه الله أنّه كانت تجمعه بمحمد مزالي خلال السنوات الأولى من حكمه (وزير أول ما بين 1980 و1986) علاقات طيّبة إلى درجة استشارته في عديد المسائل القانونيّة بل وحتّى اقتراحه على بورقيبة تعيينه وزيرا للعدل… فكان أن أشار العميد منصور الشفّي على مزالي بتنقيح عديد النصوص القانونيّة المناهضة لحقّ الدفاع ومبادئ المحاكمة العادلة. لم يقبل مزالي الأخذ بنصيحة الشفّي. وبعد سنوات عزله بورقيبة وحوكم غيابيّا وتمّت مصادرة أملاكه وحتّى بيت ابنه ظلما وجورا… بعث مزالي من منفاه رسالة تظلّم إلى عميد المحامين طالبا تدخّله فأجابه هذا الأخير بأنّ ما لديه حيلة بحكم أنّ التشريع الذي عرض عليه تنقيحه في السابق ورفضه لا يمكّنه من ذلك… ».

المثال الثالث
« في كتابها الذي أصدرته من منفاها "حقيقتي"، تعرّضت ليلى الطرابلسي أرملة الرئيس بن علي إلى ما اعتبرته مظالم حاقت بها وبأفراد عائلتها "الذين تمّت محاكمتهم دون مراعاة حقوق الدفاع وتم احتجازهم في ظروف غير إنسانيّة وحتّى تعذيبهم"… وصبّت جام غضبها على منْ؟ على الحقوقيّين وعلى رأسهم المحامية راضية النصراوي التي سكتت حسب قول ليلى الطرابلسي على تلك المظالم… كنت أقرأ تلك السطور لصاحبة الكتاب وأنا أستحضر عمليّتي التعنيف الشديد اللتين كنت شخصيّا شاهدا عليهما وكانت ضحيّتهما راضية النصراوي بالذات، مرّة أولى سنة 2000 أمام مصحّة خاصة لمجرّد وقوفنا بطريقة سلميّة احتجاجا على احتجاز البوليس السياسي موكّلنا توفيق بن بريك… ومرّة ثانية سنة 2005 حين تمّ الاعتداء علينا أمام محطّة مترو ساحة بالباساج بمناسبة وقوفنا للاحتجاج على دعوة النظام مجرم الحرب شارون لحضور قمة المعلومات… يومها قام بعض الأعوان على مرأى ومسمع من "أعرافهم" باستهداف راضية النصراوي بصفة خاصة وضربها بوحشيّة كبيرة أدهشتنا وأرعبتنا جميعا إذ قاموا بانتزاعها من بيننا وأشبعوها ركلا ولكما، حطّموا وجهها وأنفها وكسّروا ضلوعها حتى خلنا أنّه صدرت تعليمات عُليا باغتيالها ».
ــــــ
خلاصة القول :
ماذا لو فكّر أحمد بن صالح ومحمد مزالي وليلة الطرابلسي في "اليوم الموالي"؟ هل كانوا سيتعرّضون لما تعرّضوا له؟

قال الشابي :
« ومَنْ يَزْرَعِِ الشَوْكَ يَجْنِ الجِرَاحْ... »
تونس في 23 ماي 2026

23/05/2026

، سلسلة جديدة - العدد 130، الجمعة 22 ماي 2026
لقراءة العدد انقر على الرابط التالي: https://drive.google.com/file/d/1i6grDrR9D_XJMvgD2ltUt14Eg4-7Xla1/view?usp=sharing
تابعونا على قناة تلغرام: https://t.me/sawt_echaab
محتوى العدد :
* افتتاحية:
تونس تدخل المنطقة الرماديّة والحلّ في وضوح الطريق للشعب
* صوت الوطن:
- منظومة الحكم على وقع فصل جديد من أزمة سياسية داخلية حادة وخانقة
- حين تتحوّل وزارة العدل إلى خصم للمحاكمة العادلة
- "الخطر الإفريقي" المزعوم في تونس: كيف صُنِع العدوّ الوهمي لإخفاء الانهيار الحقيقي؟
- من أزمة المعيشة إلى أزمة إعادة إنتاج المجتمع: التراجع الديمغرافي في تونس امتداد للأزمة الاقتصادية والاجتماعية
- علوش العيد في تونس: العائلات التونسية بين مطرقة مضاربات السماسرة وتخلي الدولة عن دورها الرقابي
- الأمن الغذائي في تونس بين الشّعارات والواقع
* الصوت العربي:
- صراع القوى العظمى للسيطرة على ليبيا (الجزء الثاني)
* صوت العالم:
- فاتورة حرب إيران: ما الكلفة الحقيقية التي تخفيها واشنطن؟
- كينيا وفرنسا تستضيفان قمة إفريقية فرنسية في نيروبي
- الكابلات البحرية وصراع الهيمنة الرقمية: كيف توظف "شرايين الإنترنت" كورقة سيادة جيوسياسية؟

Address

شارع علي بالهوان عمارة مسلم مكتب عدد 4 (الحديقة العمومية الجامع الكبير )
Grombalia
[email protected]

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when اللجنة المحلية لحزب العمال بقرمبالية posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Contact The Organization

Send a message to اللجنة المحلية لحزب العمال بقرمبالية:

Share