15/05/2026
سَلَمْية.. جمهوريةُ الفلسفة
هناك مدنٌ لا تجيدُ حشوَ
البنادق.
لكنها تتقنُ حشوَ الرؤوس بالأسئلة.
لا تعرف كيف ترفع السلاح.
لكنها تتقن كيف ترفع الرأس.
مدنٌ تُقاتل بالعقل.
وتُشيّع ابناءها بالكلمات لا بالأناشيد.
مدنٌ لا تبني مجدها فوق الجماجم
بل فوق الكتب القديمة والكرامة.
سلمية واحدة منها…
بل ربما آخرها.
مدينة تشبه فنجان قهوة نُسي على طاولة التاريخ.
برد تماما ..
لكن رائحته ما زالت تعبق في المكان تزعج الرقيب.
مدينة لا تكره أحدًا.
لكنها لا تثق بأحد أيضًا
تحبّ الحياة.
لكنها تعيشها كمن يحفر قبره بوردة كي يغيظَ حفّارَ القبور!
في مقاهيها..
الناس تجتمع لا ليخططوا للثأر.
بل ليتآمروا على الحزن ببيت شعر.
وليخدعوا اليأس بنكتةٍ تقطر وجعًا كحد الموس.
فيها لا أحد ينتظر المعجزات
فالمعجزة الوحيدة كانت دومًا
أن يبقى الإنسان إنسانًا.
رغم كل هذا الخراب.
سلمية..
حيث يلتقي الملحدُ والمؤمن
ليقتسما سيجارةً وشتيمةً
سياسية.
دون أن يخرج أحدهم بسكين.
الثورةُ هناك تبدأُ من دفترِ ملاحظات.
حيث الأسئلة تُطلق النار على الأجوبة.
لا من فوهة بندقية.
فالمثقف مشروع مقاومة
والقصيدة سلاح أبيض في وجه القتلة.
لكن حتى الأنقياء يصدأون
حين يُتركون في العراء طويلًا
وحتى المدن تتعب حين يطول انتظار الفجر.
فالتي صمدت بالفكر
تُستنزف اليوم بالبؤس.
والتي قاومت بالوعي
تُغتال بالخذلان.
يُراد لها أن تصمت لا
أن تفكر.
أن تضحك كي لا تُسأل.
أن تتأقلم كي لا تُعدم.
وهي..
لن تنسى من تكون.
لن تصير ظلًا لظلّها
مدينة بلا سؤال.
بلا دهشة.
بلا نار.
لن تموت بسهولة
فالمدن التي تؤمن بالكلمة
لن يُغلق عليها التاريخ أبوابه.
وما تحتاجه ليس خطيبًا جديدًا.
بل ذاكرة صادقة.
على إنها منارة لا خيمة.
فالناس تعبت من الزعماء.
من صورهم على الجدران.
من جدرانهم على الوجوه.
والشعب يريد وطنًا يُدار بالفكر
لا بالهراوات.
بالقانون لا بالمقابر.
سلمية جمهورية الفلسفة.
لا ملحدة.
ولا مؤمنة.
جمهورية العقول.
التي تحترم الله دون أن تحتكره.
وتحترم الإنسان قبل أن تحاكمه.
سلامٌ على المدينةِ التي لا ترفعُ يدها إلا لتحيّةِ الفكر أو صفعِ الخرافة.
سلامٌ على الذين يشبهون الفجر: لا يراهم أحدٌ في العتمة
لكنهم أولُ مَن يُعدمُ حين يشرقُ الضوء!
سلامٌ على سلمية..
المدينة التي لم تفسدها الحرب
بل فضحتنا جميعاً.
كشعبٍ صرخَ طويلاً يطلبُ الحرية.
لكنهُ حين رآها تمشي في الشوارع..
خافَ منها واحتمى بسجّانه.!
- من صفحة المهندس عزام الحموي.