19/03/2026
بين وداع رمضان وطلعة العيد
﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
ها هو رمضان… ذلك الضيف العزيز الذي ما إن يألفه القلب حتى يتهيأ للرحيل.
كأن الأيام فيه كانت أخفَّ من الندى، وأقربَ إلى الروح من النبض، وكأن لياليه لم تكن مجرد ساعات تمضي، بل كانت مواسم سكينة، ومدارج نور، ومرافئ يعود إليها القلب كلما أثقلته الحياة. ثم إذا بنا نقف على عتبة الوداع، مذهولين من سرعة انقضائه، واجمين أمام صمته الأخير، وكأننا لا نودع شهراً من الشهور، بل نودع شيئاً من أرواحنا.
ها هو رمضان يطوي آخر صفحاته، بعد أن ملأ ليالينا نورًا، وملأ أرواحنا رجاءً، وربّى فينا معنى القرب من الله؛ مرَّ سريعًا كنسمةٍ ربانية، خفيفًا في أيامه، عظيمًا في أثره، حتى إذا ألفته القلوب، وأحبّته الأرواح، وألِفت فيه لذّة الطاعة، إذا به يلوّح مودِّعًا، كضيفٍ كريمٍ أحببناه ثم حان أوان رحيله.
مضى رمضان، وقد ترك في النفوس أثره، وفي القلوب نداءه، وفي الأرواح شوقاً لا يُفسَّرِ ؛ مضى بعد أن عمّر ليالينا بالقيام، وملأ أسماعنا بترتيل القرآن، وأيقظ فينا المعاني التي كثيراً ما تذبل تحت ضجيج الدنيا. مضى وقد علّمنا أن الجوع ليس حرماناً، بل تهذيب؛ وأن العطش ليس مشقة فحسب، بل تذكير؛ وأن العبادة ليست طقساً عابراً، بل حياة أخرى يولد فيها الإنسان من جديد.
فيا رمضان، ما أسرع انقضاءك، وما أثقل فراقك؛ جئتَ فأنرتَ العتمات فينا، وأيقظتَ ما خمد من الشوق، وجبرتَ ما تصدّع من الأرواح، ثم ها أنت تمضي، تاركًا في القلب فراغًا لا يملؤه إلا رجاء القبول، وفي العين دمعةً لا يهدّئها إلا الأمل في أن نكون من الذين نظرتَ إليهم السماء برحمة، وغشيتهم المغفرة، وكُتبت لهم النجاة.
ثم يجيء العيد ؛ يجيء مكبّرًا، نقيًّا، مفعمًا بالبِشر، كأنه رسالة سماوية تقول لنا: إن الطاعة لا تورث التعب، بل تورث الفرح، وإن من صدق مع الله في رمضان، ألبسه الله من سكينة العيد ما لا تصفه الكلمات.
الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرةً وأصيلًا.
الله أكبر ما فرح الصائمون بفطرهم، وما علت أصوات الموحِّدين بالتكبير، وما صافحت الأرواحُ معاني الرضا، وما ازدانت البيوت بذكر الله قبل زينتها بالثياب والأنوار.
الله أكبر ما كان العيد في حقيقته شكرًا لا مظهرًا، وقربًا لا عادةً، ورحمةً تمتد من القلب إلى القلب، ومن البيت إلى البيت، ومن اليد إلى يد المحتاج والمسكين."
فالعيد ليس مجرّد يومٍ للزينة والتهاني، ولا مناسبةً عابرةً تتكرّر كل عام؛ بل هو شاهدٌ على نعمة الإتمام، ودليلٌ على رحمة الله بعباده، وفرحةُ روحٍ أتمّت مسيرتها في مدرسة الصبر والعبادة، ثم وقفت على باب الشكر قائلةً: الحمد لله الذي هدانا، الحمد لله الذي أعاننا، الحمد لله الذي بلغنا تمام النعمة.
إنه العيد فيأتي كنسمة رحمة بعد موسم طاعة، وكبشارة قبول بعد تعب العبادة، وكأن الله يسكب على القلوب فرحاً يليق بمن أتموا العدة، ورفعوا أكفهم إليه، وسألوه القبول والعتق والغفران. فيكبر المسلمون فرحاً لا بطراً، ويحمدون الله شكراً لا عادة، وتتهلل الوجوه لأن الله أعانهم على الصيام والقيام، وبلغهم تمام النعمة بعد تمام العبادة.
وفي العيد تتجدد معاني الخير كلها:
صلة الأرحام، وصفاء القلوب، ومصافحة الأيام بوجه أكثر رضاً، ونفس أكثر صفاء، وروح تعلمت من رمضان أن أجمل ما في الحياة أن يكون الإنسان قريباً من الله، نافعاً لعباده، رحيماً بمن حوله، ثابتاً على الطاعة في السر والعلن. فما قيمة رمضان إن ودّعناه بألسنتنا، ولم تبقَ آثاره في أخلاقنا وقلوبنا وأعمالنا؟ وما حقيقة الشكر إلا أن يمتد نور العبادة إلى ما بعد العبادة، وأن تبقى التقوى رفيقة الطريق لا زائرة موسم.
غير أن للعيد وجهاً آخر لا يشعر به إلا من عرف مرارة البعد…
وجه المغترب الذي يستقبل صباح العيد بعيداً عن أهله، بعيداً عن أمه وأبيه، عن أبنائه الذين كان يرجو أن يراهم في ثياب الفرح، وعن إخوته وأقاربه، وعن البيت الذي كان يضج في مثل هذا اليوم بالسلام والضحكات وتفاصيل المحبة الصغيرة.
هناك، على رصيفِ البعد، يجلسُ مغتربٌ يلوّحُ بذكرياتِ العيد لأبنائه وأهله. تتوقفُ عقاربُ صباحِ شوال عند لحظةِ وداعٍ أخيرة، فيشعرُ أن الفرحَ ناقصٌ من دون «دفءِ المكان» ووجوهِ الأحبة. ومع ذلك، فالغربةُ ليست عقوبةً بل ضريبةُ ارتقاء؛ مَن اغتربَ ليبني مستقبلًا أو يطلبَ علمًا أو يعيلَ أهلًا، فهو مرابطٌ على ثغرِ العطاء. حافظْ على بهجةِ العيد في روحك، ولا تدَعْ بُعدَ الجسدِ يصوغُ اغترابًا نفسيًّا؛ فدموعُ الشوقِ دليلُ حياةِ قلبك، وربٌّ بارك في القليل قادرٌ أن يجعلَ من مسافاتِك جسرًا إلى غدٍ أجمل.
ففي يوم العيد يجب أن لا ننسي أن التقوى التي نبتَت في حقولِ رمضان لا تُحصدُ في ليلةِ العيد ثم تُنسى؛ إنما تُسقى بمواظبةِ الطاعة ومراقبةِ اللهِ في السرّ والعلن، وحملِ النفسِ على جميلِ الأخلاقِ وبرِّ الخَلق. مَن رضي بالله ربًّا وبالإسلامِ دينًا وبمحمد نبيًّا، ذاقَ طعمَ الإيمان وعاشَ حياةً طيبةً لا تكَدُّها المسافاتُ ولا تُعكِّرُها الفتن.
اللهم إنّا نسألك في وداع رمضان ألّا تجعل آخر عهدنا به، وأن تكتب لنا فيه القبول، والعفو، وبلوغ المقصود من الصيام والقيام، وأن تجعل أثره باقيًا في أخلاقنا وقلوبنا وأعمالنا.
اللهم اجعل عيدنا هذا عيدَ رضًا ورحمة، لا عيدَ مظهرٍ وغفلة، واملأه شكرًا وطمأنينةً وسلامًا.
نمضي من رمضان ولسان حالنا يقول:
ما ودّعناه زهدًا فيه، ولكنّها سنّة الأيام؛ ويقبل العيد فنستقبله بقلوبٍ تعلّمت أنّ الفرح الحقّ ليس فيما يبهج العين وحدها، بل فيما يطمئنّ له القلب، ويسكن إليه الضمير، وتأنس به الروح.
فيا لهناءة من خرج من رمضان وقد أصلح الله سريرته، وأيقظ فيه التقوى، وجعل العيد عنده شكرًا يليق بالهداية؛ ويا لبشارة المغترب الصابر، فإنّ الله الذي رأى دمعته في الخفاء، وسمع رجاءه في جوف الليل، لن يضيّع قلبًا تعلّق به، ولا شوقًا صبر صاحبُه ابتغاء مرضاته.
كلُّ عامٍ وقلوبُنا إلى الله أقرب،
وكلُّ عامٍ وأرواحُنا من معاني الإيمان أنقى وأعذب،
،
وكلُّ عامٍ وأعيادُنا عامرةٌ بالقبول، مزدانةٌ بالسكينة، موصولةٌ برضا الرحمن
✍️:د.جلال الدين يوسف أحمد
خاطرة العيد ٢٠٢٦