18/07/2026
مقال بعنوان :
تفلتات المشتركة ستؤدي إلى غضب شعبي.. وعلى القيادة ألا تهرب من مسؤوليتها .
بقلم: عثمان علي كدوم
لم يعد المواطن السوداني ينظر إلى ما يحدث على أنه حوادث متفرقة أو أخطاء فردية يمكن تجاوزها. فالتفلتات التي تُنسب إلى عناصر من المشتركة أصبحت تتكرر بصورة تثير القلق، وتفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول قدرة القيادة على فرض الانضباط، أو رغبتها في محاسبة المتجاوزين.
لقد دفع المواطن السوداني ثمن الحرب بما يكفي. فقد منزله، وتشردت أسرته، وانهارت الخدمات، وتضرر اقتصاده، ولم يعد يحتمل أن يجد نفسه مهددًا مرة أخرى على يد من يفترض أنهم جزء من المنظومة التي تعمل من أجل استقرار البلاد. إن أي اعتداء على المواطنين أو ممتلكاتهم، وأي تجاوز للقانون، لا يمكن تبريره تحت أي ظرف.
إن أخطر ما يواجه أي قوة مسلحة ليس العدو في الميدان، وإنما فقدان ثقة المواطنين. فالقوة التي تخسر احترام الناس تخسر أهم سند يمكن أن تعتمد عليه. ولهذا فإن استمرار هذه التفلتات دون محاسبة لن يؤدي إلا إلى اتساع دائرة الغضب الشعبي، وهو غضب قد تكون عواقبه أكبر مما يتوقعه البعض.
وللأسف، فإن بعض الممارسات الصادرة من عناصر ومؤيدين للحركات المسلحة باتت تُفهم لدى قطاعات واسعة من المواطنين على أنها استفزاز متعمد، خاصة في ولايات شمال السودان، وهو أمر بالغ الخطورة. فلا أحد يملك حق التعامل مع أهل تلك المناطق أو غيرهم بمنطق الغلبة أو الاستعلاء أو فرض النفوذ بقوة السلاح. إن احترام المواطن هو أساس الاستقرار، وأي محاولة لاستفزاز المجتمعات المحلية لن تجلب إلا مزيدًا من الاحتقان والانقسام.
إن الاعتقاد بأن السلاح وحده قادر على فرض القبول الشعبي هو وهم سياسي وأمني. فالشعوب قد تصبر على الظروف، لكنها لا تصبر على الإهانة، ولا تنسى من يتجاوز في حقها. وكل حادثة تمر بلا محاسبة تضيف جرحًا جديدًا إلى ذاكرة المجتمع، وتزيد الفجوة بين المواطنين وهذه القوات.
إن المسؤولية هنا لا تقع على المنفذين وحدهم، بل تمتد مباشرة إلى القيادات. فلا يمكن لأي قيادة أن تتنصل من الجرائم التي يرتكبها أفرادها إذا كانت عاجزة عن ضبطهم أو متقاعسة عن محاسبتهم. الصمت ليس حيادًا، والتبرير ليس حلًا، والتغاضي عن التجاوزات يفتح الباب أمام المزيد منها.
إن السودان اليوم في أمس الحاجة إلى دولة قانون، لا إلى تعدد مراكز القوة. فلا أحد يجب أن يكون فوق المحاسبة، ولا يجوز أن يشعر أي مواطن بأن حقوقه تضيع بسبب هوية المعتدي أو الجهة التي ينتمي إليها.
رسالة إلى جبريل إبراهيم، ومني أركو مناوي، ومصطفى تمبور، وإلى جميع قيادات الحركات المسلحة:
أنتم اليوم أمام اختبار حقيقي. فإن كنتم تؤمنون بالدولة، فأثبتوا ذلك بالأفعال لا بالشعارات. أوقفوا كل متجاوز، وقدموه للعدالة، وأعلنوا بوضوح أن كرامة المواطن السوداني خط أحمر لا يسمح بتجاوزه.
أما إذا استمر الصمت، أو استمرت محاولات التغطية على الانتهاكات، أو تُركت العناصر المتفلتة تعبث بأمن المواطنين، فإنكم تتحملون المسؤولية السياسية والأخلاقية عن كل ما يحدث، ولن يعفيكم التاريخ من ذلك.
إن محاولة بعض المؤيدين والعناصر التابعة للحركات المسلحة استفزاز المواطنين، وخاصة في ولايات شمال السودان، هو مسار خاسر لن يحقق سوى توسيع دائرة الرفض الشعبي. فلا يمكن كسب احترام الناس بالاستعراض، ولا تُبنى العلاقة مع المجتمع بالتهديد أو فرض النفوذ، بل بالانضباط والعدل واحترام القانون.
وفي الختام، تذكروا أن الشعوب قد تغفر الخطأ إذا رأت عدالة، لكنها لا تغفر الظلم إذا وجد الحماية. والتاريخ لا يكتب أسماء الأقوياء فقط، بل يكتب أيضًا كيف استخدموا قوتهم. فكونوا في صف الدولة والقانون، قبل أن تجدوا أنفسكم في مواجهة غضب شعب لم يعد يحتمل مزيدًا من التجاوزات.