25/05/2026
مجلة فلسطين - جامعة الدول العربية
مقابلة مع معالي الوزيرة أ. منى الخليلي
وزيرة شؤون المرأة
المرأة الفلسطينية، لا تكتفي بالتكيف مع الواقع بل تعيد تشكيله وفق ما هو متاح
سؤال:
كيف تصفين واقع المرأة الفلسطينية اليوم في ظل ما يضيفه الاحتلال الإسرائيلي من تحديات تضاعف من مكشلات المراة إقتصاديا وإجتماعيا؟؟
الجواب:
واقع المرأة الفلسطينية اليوم هو واقع مركّب ومعقّد، ليس طارئاً ولا لحظياً، بل ممتد عبر عقود من الاحتلال الذي شكّل منظومة متكاملة من القيود والعنف المباشر وغير المباشر، انعكست على كل تفاصيل الحياة اليومية. هذا الاحتلال الطويل لم يؤثر فقط على البنية السياسية، بل على البنية الاجتماعية والاقتصادية والنفسية أيضاً، وجعل المرأة الفلسطينية تعيش ضمن دوائر متراكبة من التحديات.
فمن جهة، هناك القيود المفروضة على الحركة والتنقل، وما يرافقها من أثر مباشر على فرص العمل والوصول إلى الخدمات، ومن جهة أخرى، هناك الاستهداف المتكرر للبنية التحتية خلال فترات العدوان، والذي ينعكس بشكل مباشر على استقرار الأسرة وعلى قدرة النساء على القيام بأدوارهن المتعددة داخل المجتمع.
وفي ظل هذا الواقع، تتحمل المرأة الفلسطينية أدواراً مضاعفة داخل الأسرة والمجتمع، فهي في كثير من الحالات المعيل الأساسي للأسرة، خاصة في ظل فقدان الزوج نتيجة القتل أو الاعتقال أو الإصابة أو النزوح. كما أن الأوضاع الاقتصادية الصعبة وتراجع فرص العمل وارتفاع نسب الفقر والبطالة جعلت النساء في موقع مواجهة يومية لتأمين الحد الأدنى من الحياة الكريمة.
ورغم هذا الواقع القاسي، تبقى المرأة الفلسطينية في حالة صمود مستمر، لا بوصفها فقط متأثرة بالواقع، بل بوصفها فاعلاً أساسياً فيه، تعيد إنتاج قدرتها على التكيف والحماية والإعالة، وتواصل أداء أدوارها الاجتماعية والوطنية رغم كل ما يحيط بها من تحديات مركبة.
سؤال:
مع تفاقم الأوضاع في قطاع غزة والضفة الغربية، كيف تصفين اليوم واقع المرأة الفلسطينية؟ وما هي التحديات "الوجودية" التي تواجهها وتختلف عن أي وقت مضى؟
الجواب:
ما تواجهه المرأة الفلسطينية اليوم يتجاوز حدود التحديات التقليدية إلى مستوى التحديات الوجودية، بمعنى أن المسألة لم تعد مرتبطة فقط بصعوبة الحياة، بل بتهديد مباشر للحق في الحياة ذاته، بما يشمل فقدان الأمن الجسدي، وانهيار الاستقرار الاقتصادي، وتفكك البنية الاجتماعية بشكل غير مسبوق.
في قطاع غزة تحديداً، شكّل العدوان الممتد مرحلة شديدة القسوة، حيث تشير البيانات إلى فقدان نحو 38,000 امرأة وفتاة حياتهن، وإصابة حوالي 11,000 امرأة وفتاة بإعاقات طويلة الأمد تعكس تكاليف صحية وإنسانية معقدة، في حين تعاني نحو 40% من النساء الحوامل من سوء تغذية حاد، ما يهدد بشكل مباشر حياة الأم والجنين على حد سواء.
هذا الواقع لم يقتصر على الأرقام، بل انعكس على انهيار شبه كامل للبنية التحتية الصحية والتعليمية والخدماتية، ما أدى إلى تحميل النساء أدواراً مركبة كمعيلات ومقدمات رعاية في ظروف غير إنسانية، حيث فقدت كثير من النساء مصادر الدخل، وأصبحن يتحملن مسؤولية إعالة أسر كاملة في ظل انعدام الموارد والخدمات الأساسية.
كما أن النزوح المتكرر، وفقدان المأوى، وغياب الخصوصية والأمان، خلق بيئة من الضغط النفسي والاجتماعي الحاد، انعكست على الصحة النفسية والجسدية للنساء بشكل مباشر. ومع ذلك، برزت المرأة الفلسطينية في هذا السياق كعنصر صمود أساسي، حيث لعبت دوراً محورياً في حماية الأسرة وإدارة الحياة اليومية داخل مراكز الإيواء، وتحويل المساحات القاسية إلى مساحات بقاء وحماية.
وفي الضفة الغربية، بما فيها القدس والمخيمات، تتجلى هذه التحديات الوجودية في أشكال مختلفة من التهجير القسري، وتقييد الحركة، وتدهور الظروف المعيشية، ما ينعكس على التعليم والعمل والصحة والأمان، لتصبح حياة النساء في حالة تهديد مستمر للاستقرار والوجود.
سؤال: إلى أي مدى غيّر العدوان الإسرائيلي المتكرر من أدوار النساء داخل المجتمع الفلسطيني، خصوصًا في مناطق المواجهة مثل قطاع غزة؟
الجواب:
المرأة الفلسطينية تاريخياً كانت حاضرة في قلب النضال الوطني والاجتماعي، ولم يكن دورها يوماً دوراً هامشياً، بل كانت جزءاً أساسياً من الفعل السياسي والمجتمعي، إلى جانب دورها المركزي داخل الأسرة. ومع العدوانات المتكررة، تعمّق هذا الدور وتحوّل ليأخذ أبعاداً أكثر تعقيداً وتركيباً.
ففي كثير من الحالات، أصبحت المرأة المعيل الأساسي للأسرة، خاصة في ظل فقدان الزوج أو دخوله الأسر أو فقدانه نتيجة العدوان، ما ضاعف من الأعباء الاقتصادية والاجتماعية عليها في بيئة تعاني أصلاً من انهيار اقتصادي واسع. كما أن تراجع فرص العمل وتدمير المشاريع الصغيرة أدى إلى فقدان العديد من النساء لمصادر دخلهن، ما انعكس على استقرار الأسرة وقدرتها على الصمود.
وفي المقابل، برزت المرأة الفلسطينية كقوة مبادرة في مواجهة الواقع، حيث ظهرت مبادرات مجتمعية وإنسانية داخل مراكز النزوح، شملت إنشاء عيادات بسيطة داخل الخيام، وتنظيم صفوف تعليمية للأطفال، ومبادرات لدعم المياه والغذاء، إضافة إلى مشاريع صغيرة جداً مثل توفير الطعام أو إعادة تشغيل خدمات أساسية بوسائل بدائية.
هذه المبادرات تعكس أن المرأة الفلسطينية لا تكتفي بالتكيف مع الواقع، بل تعيد تشكيله ضمن حدود الإمكانيات المتاحة، وتحول الأزمة إلى مساحة فعل يومي لحماية الأسرة والمجتمع.
سؤال: هل ترين أن الخطاب النسوي الفلسطيني يختلف عن نظيره في العالم العربي؟ وأين تكمن خصوصيته؟
الجواب:
نعم، الخطاب النسوي الفلسطيني يتميز بخصوصية واضحة ومختلفة عن الخطاب النسوي في العالم العربي، لأن السياق الذي تتحرك فيه المرأة الفلسطينية ليس سياق دولة مستقرة، بل سياق احتلال طويل الأمد يفرض أولويات مختلفة تماماً على مستوى الخطاب والممارسة.
في الخطاب النسوي الفلسطيني، لا يمكن فصل الحديث عن الحقوق والمساواة والعدالة الاجتماعية عن السياق الوطني العام، حيث يتداخل النضال النسوي مع النضال من أجل الحرية وإنهاء الاحتلال. وبالتالي، فإن الخطاب الفلسطيني يجمع بين بعدين متلازمين: بعد حقوقي داخلي يتعلق بالمساواة والعدالة داخل المجتمع، وبعد وطني عالمي يطالب بإنهاء الاحتلال ومساءلة ممارساته بحق النساء والشعب الفلسطيني.
لذلك، فإن خصوصية الخطاب النسوي الفلسطيني تكمن في أنه خطاب مركّب، لا ينفصل فيه الاجتماعي عن الوطني، ولا الحقوقي عن السياسي، بل يتشكل في مساحة واحدة تعكس واقعاً استثنائياً تعيشه المرأة الفلسطينية تحت الاحتلال.
سؤال: ما هي أبرز التحديات التي تواجهها المرأة الفلسطينية في الوصول إلى مواقع صنع القرار السياسي؟ وكيف يمكن التوفيق بين النضال الوطني ضد الاحتلال والنضال النسوي من أجل الحقوق والمساواة؟
الجواب:
المرأة الفلسطينية موجودة بالفعل في مواقع صنع القرار، سواء في المؤسسات الحكومية أو القطاع الخاص أو العمل المجتمعي، وهناك حضور نسائي في مواقع وزارية وقيادية متعددة. لكن التحدي الأساسي لا يكمن في الوجود بحد ذاته، بل في توسيع هذا الحضور وتعزيزه ليكون أكثر تأثيراً واستدامة.
في هذا السياق، هناك إرادة سياسية فلسطينية واضحة لتكريس نسبة تمثيل لا تقل عن 30% للنساء في مواقع صنع القرار، وقد شهدت السنوات الأخيرة تقدماً تدريجياً في هذا المسار، خاصة في المجالس المحلية والبلديات، مع استمرار الجهود لتعزيز هذه النسبة وترسيخها بشكل مؤسسي.
أما فيما يتعلق بالعلاقة بين النضال الوطني والنضال النسوي، فالتجربة الفلسطينية تؤكد أن هذين المسارين ليسا متعارضين، بل متداخلين ومترابطين بشكل عميق. فالمرأة الفلسطينية تخوض النضالين في الوقت نفسه، انطلاقاً من إيمان بأن تحقيق التحرر الوطني هو جزء أساسي من تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة، وأن تعزيز حقوق المرأة لا ينفصل عن السياق الوطني العام.
سؤال: فقدت آلاف النساء المعيل الأساسي لأسرهن؛ ما هي خطط الوزارة لإعادة التمكين الاقتصادي "الطارئ" للنساء، خاصة في ظل تدمير البنية التحتية والمشاريع الصغيرة؟
الجواب:
التمكين الاقتصادي للمرأة يشكّل في صلب أولويات وزارة شؤون المرأة، باعتباره أحد أهم ركائز الصمود الاجتماعي وبناء الأسرة والمجتمع. وعليه، يتم توجيه البرامج والمشاريع نحو تمكين النساء اقتصادياً، خاصة في المناطق التي تعاني من أوضاع اقتصادية صعبة.
ومن بين هذه التدخلات، المبادرة الاقتصادية التي تنفذها الوزارة لدعم المؤسسات النسوية القاعدية، من خلال تقديم منح مالية بعد دراسة احتياجات كل منطقة جغرافية، بهدف تمكين مشاريع صغيرة ومتوسطة تقودها نساء، وقد شملت هذه الجهود عشرات المشاريع في مناطق مختلفة.
كما تعمل الوزارة ضمن مبادرات إقليمية بالشراكة مع هيئة الأمم المتحدة للمرأة، بهدف تعزيز مشاركة النساء في سوق العمل ورفع نسب التشغيل. وتقوم هذه الجهود على رؤية استراتيجية تعتبر أن التمكين الاقتصادي ليس مجرد دعم، بل هو أداة أساسية لتعزيز قدرة النساء على الصمود والاستمرار في ظل الظروف الصعبة.
سؤال: في خضم الانشغال بالوضع السياسي، أين وصل ملف تطوير القوانين المحلية مثل "قانون حماية الأسرة من العنف"؟ وهل تعتبر الأوضاع الحالية عائقاً أم دافعاً لتعجيل هذه التشريعات؟
الجواب:
إن الواقع الحالي يشكل دافعاً أساسياً لتعجيل عملية تطوير التشريعات والقوانين الفلسطينية، وليس عائقاً أمامها، خاصة في ظل الحاجة إلى منظومة قانونية موحدة تعكس الخصوصية الفلسطينية وتواكب التحولات الاجتماعية والاقتصادية.
فالنظام القانوني الفلسطيني ما زال يعاني من تعددية قانونية تعود إلى حقب تاريخية مختلفة، الأمر الذي يجعل من الضروري العمل على تطوير قوانين فلسطينية حديثة، وعلى رأسها قانون الأحوال الشخصية وقانون حماية الأسرة من العنف، بما ينسجم مع الواقع الفلسطيني.
وقد شهدت السنوات الأخيرة حراكاً قانونياً واسعاً شاركت فيه مؤسسات رسمية ومجتمع مدني وحقوقي ونسوي، وأسفر عن مسودات متقدمة من القوانين، يجري العمل على تطويرها لتصبح أكثر شمولاً واستجابة للتحديات الاجتماعية، خاصة تلك التي برزت في ظل العدوان وتداعياته.
سؤال: كيف يتم العمل على توثيق الجرائم المرتكبة بحق النساء لتقديمها أمام الجنائية الدولية؟ وما هو دور المرأة في فرق التوثيق والتحقيق الوطنية؟
الجواب:
تتم عملية رصد وتوثيق الانتهاكات بشكل مستمر من خلال المؤسسات الرسمية والأهلية، ويتم رفع تقارير دورية إلى الجهات الدولية المختصة. ولتعزيز هذا المسار، أطلقت وزارة شؤون المرأة في أيار 2026 المرصد الوطني لرصد العنف المبني على النوع الاجتماعي، كمنصة وطنية مركزية لتجميع وتوحيد بيانات الانتهاكات.
يعمل هذا المرصد على رصد وتوثيق انتهاكات الاحتلال، بما فيها الانتهاكات المرتبطة بالمستوطنين، إضافة إلى العنف الاجتماعي والاقتصادي، من خلال شبكة من المؤسسات الشريكة مثل وزارة الصحة، الشرطة، وزارة التنمية الاجتماعية، وزارة العمل، وهيئة الجدار والاستيطان، ومؤسسات المجتمع المدني.
يساهم هذا النظام في إنتاج بيانات وطنية دقيقة، تسمح بفهم أنماط العنف جغرافياً ونوعياً، وتساعد صناع القرار في توجيه التدخلات والسياسات، كما يتيح إعداد تقارير موثقة تُرفع إلى الجهات الدولية، بما يعزز مساءلة الاحتلال عن انتهاكاته بحق النساء.
سؤال: ما هو دور المؤسسات الدولية في دعم قضايا المرأة الفلسطينية؟ وهل هذا الدعم كافٍ أم أنه مشروط ومحدود؟ وإلى أي مدى يتحقق التعاون مع جامعة الدول العربية في هذا الشأن؟
الجواب:
يتجلى دور المؤسسات الدولية في مستويات متعددة، منها ما يرتبط بدعم البرامج الوطنية الفلسطينية في مجالات الحماية والتمكين الاقتصادي وتنفيذ أجندة المرأة والسلام والأمن، ومنها ما يتعلق بالاستجابة الإنسانية والإغاثية، إلا أن هذا الدعم يبقى في مجمله غير كافٍ مقارنة بحجم الاحتياجات المتفاقمة، خاصة في ظل تدمير واسع للبنية التحتية وتزايد الأزمات الإنسانية.
في المقابل، يبقى الجهد الدولي على مستوى المناصرة والضغط السياسي مهماً، حيث تم خلال السنوات الأخيرة تكثيف إيصال صوت المرأة الفلسطينية في المحافل الدولية، بما في ذلك الأمم المتحدة ولجانها المختصة، وإصدار تقارير وقرارات تعكس جزءاً من الواقع، رغم استمرار الحاجة إلى آليات مساءلة أكثر فاعلية.
أما على مستوى جامعة الدول العربية، فهناك تعاون مستمر ومؤسسي، خاصة من خلال لجنة المرأة في الجامعة، التي تشهد تنسيقاً دائماً مع دولة فلسطين، وأسفر هذا التعاون عن مبادرات وتقارير وفعاليات مشتركة، ما يعكس حضور القضية الفلسطينية كجزء أساسي من أجندة العمل النسوي العربي.
سؤال: إلى أي مدى أثرت وسائل التواصل الاجتماعي في إبراز صوت المرأة الفلسطينية عالميًا؟
الجواب:
وسائل التواصل الاجتماعي اليوم تُعد من أهم الأدوات التي أعادت تشكيل طريقة وصول الرواية الفلسطينية إلى العالم، وخصوصاً خلال السنوات الأخيرة ومع تصاعد العدوان على قطاع غزة والضفة الغربية والقدس. فقد شكّلت هذه المنصات مساحة مفتوحة وسريعة لنقل الحقيقة مباشرة من الأرض، بعيداً عن الوسائط التقليدية، ما أتاح للعالم رؤية الواقع كما هو، بصورته المباشرة وغير المفلترة.
وقد لعبت هذه المنصات دوراً محورياً في كسر حالة التعتيم الإعلامي، حيث أصبح من الممكن إيصال الصوت الفلسطيني من داخل قطاع غزة والمخيمات والقدس والضفة الغربية بشكل لحظي، من خلال نساء ورجال وإعلاميين ومؤثرين فلسطينيين استخدموا هذه الأدوات بشكل واعٍ ومسؤول لنقل تفاصيل الحياة اليومية، والمعاناة، والانتهاكات، وكذلك قصص الصمود الإنساني.
هذا الحضور الرقمي ساهم بشكل واضح في التأثير على الرأي العام العالمي، حيث لوحظ خلال العدوان الأخير تغيّر في مواقف شعوب عديدة، وارتفاع مستوى التعاطف والوعي بطبيعة ما يجري على الأرض، سواء في إطار الحرب أو في السياق الأوسع للقضية الفلسطينية. ويمكن القول إن جزءاً مهماً من هذا التحول ارتبط مباشرة بدور وسائل التواصل الاجتماعي في نقل الحقيقة من مصادرها الحية.
وفي هذا السياق، برزت المرأة الفلسطينية أيضاً كصوت فاعل على هذه المنصات، سواء من داخل فلسطين أو من الشتات، حيث ساهمت في نقل التجربة اليومية بكل أبعادها الإنسانية والاجتماعية، ما جعلها جزءاً أساسياً من صناعة الرواية الفلسطينية الحديثة، وليس فقط موضوعاً لها.
سؤال: تطالب فلسطين باستمرار بتوفير حماية دولية للنساء والأطفال؛ في ظل غياب الاستجابة الفاعلة، ما هي الرسالة التي توجهينها للمجتمع الدولي والمنظمات النسوية العالمية التي التزمت الصمت؟
الجواب:
في ظل استمرار معاناة النساء الفلسطينيات تحت الاحتلال، وفي ظل ما يتعرضن له من انتهاكات مركبة تمسّ الحق في الحياة والكرامة والأمان، تبقى الرسالة الأساسية التي نوجهها إلى المجتمع الدولي والمنظمات النسوية العالمية هي أن الصمت لم يعد خياراً، وأن الحديث عن حقوق المرأة لا يمكن أن يكون انتقائياً أو مجتزأً، ولا يمكن فصله عن الواقع الإنساني الذي تعيشه النساء في فلسطين.
إن النساء الفلسطينيات لا يحتجن فقط إلى بيانات تضامن، بل إلى موقف أخلاقي وإنساني واضح يترجم مبادئ العدالة إلى فعل حقيقي على الأرض. فالقيم التي قامت عليها الحركة النسوية العالمية، من حماية النساء والدفاع عن حقوقهن ورفض العنف ضدهن، يجب أن تكون شاملة وغير خاضعة للازدواجية، بحيث لا تُستثنى المرأة الفلسطينية من منظومة الحماية الدولية تحت أي ذريعة.
ونؤكد في هذا السياق على أهمية احترام القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين على نطاق واسع ودون أي عوائق، إضافة إلى توفير الحماية الفعلية للنساء والفتيات، وتعزيز المساءلة عن الانتهاكات المرتكبة بحقهن. كما نؤكد ضرورة وضع النساء والفتيات في صميم جهود الاستجابة والتعافي، وعدم التعامل معهن كفئة متأثرة فقط، بل كطرف أساسي في صياغة الحلول.
كما نؤكد على أهمية المضي قدماً في تنفيذ قرار مجلس الأمن 1325 والقرارات اللاحقة ذات الصلة، وقرار المجلس الاقتصادي والاجتماعي L28، باعتبارها أدوات دولية ملزمة تهدف إلى حماية النساء في سياقات النزاع، وتمكينهن، وضمان مشاركتهن الفعلية في عمليات السلام وإعادة الإعمار.
إن الرسالة الأهم اليوم هي أن العدالة لا تتجزأ، وأن حقوق النساء لا يمكن أن تكون انتقائية، وأن المرأة الفلسطينية تستحق نفس مستوى الحماية والاهتمام الذي يُرفع باسمه خطاب حقوق المرأة في أي مكان آخر من العالم.
سؤال: السيدة الوزيرة، بصفتكِ مسؤولة وامرأة فلسطينية، ما هي الكلمة التي توجهينها للمرأة في المخيمات، وفي الشتات، وفي القدس، لتعزيز صمودها أمام محاولات التهجير والطمس الهوياتي؟؟
الجواب:
رسالتي إلى النساء الفلسطينيات في كل مكان، في المخيمات، وفي القدس، وفي غزة والضفة، وفي الشتات، هي رسالة فخر واعتزاز عميقين. فهذه المرأة الفلسطينية التي واجهت كل أشكال الاحتلال والعدوان والحرمان، لم تكن يوماً مجرد متأثرة بالواقع، بل كانت في قلبه، وصانعة لصموده، وحافظة لاستمراره.
إن المرأة الفلسطينية، بكل ما حملته من أعباء مضاعفة، من أمومة ومسؤولية وإعالة وصبر ومواجهة، هي الأساس الحقيقي لاستمرار النضال الوطني والاجتماعي الفلسطيني عبر الأجيال. وبفضل صمودها، بقي هذا الشعب قادراً على الاستمرار، وعلى حماية هويته وحقوقه رغم كل محاولات الطمس والاقتلاع.
وأؤكد أن هذا النضال، بشقيه الوطني والاجتماعي، لن يتوقف حتى تحقيق الهدف الوطني الأسمى في قيام الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة، دولة المواطنة والعدالة والمساواة، التي تنصف جميع أبنائها وبناتها، وتضمن للنساء فيها حقوقهن الكاملة دون تمييز أو انتقاص.
كما أؤكد أن العمل مستمر على المستويين التشريعي والمؤسسي من أجل تطوير منظومة قوانين فلسطينية عادلة، تحمي الأسرة، وتصون حقوق المرأة، وتكفل حقوق الإنسان، بما في ذلك حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وبما يرسّخ منظومة قانونية حديثة تنسجم مع تطلعات المجتمع الفلسطيني وكرامة الإنسان فيه.
إن المرأة الفلسطينية كانت وستبقى ركيزة هذا الوطن، وشريكة أساسية في بناء مستقبله، مهما اشتدت الظروف ومهما طال الطريق