تأسس الحزب الشيوعي اللبناني رسمياً في 24 تشرين أول أوكتوبر 1924 تم تأسيسه في بلدة الحدث من ضواحي بيروت الجنوبية. حضر الاجتماع التأسيسي عمال نقابيون، أسسوا نقابات عمالية حقيقية، من نوع جديد في لبنان وبلاد الشام. ـ كانت النقابات، حتى ذلك الحين، جمعيات مهنية تضم أرباب العمل والعمال – إلى هؤلاء العمال ضم الاجتماع نخبة من المثقفين والجامعيين، اصحاب مهن حرة وكتاباً وصحافيين، من الذين سبق ونشطوا كتابة وخ
طابة في الترويج لافكار مستمدة من شعارات الثورة الفرنسية في الحرية والعدالة والاخاء، ومما تمكنوا من الاطلاع عليه في كتابات ماركس وأنجلس وغيرهم، ومتأثرين بوهج الثورة الروسية، ثورة تشرين أول (أوكتوبر) وانجازاتها الأولى بقيادة لينين. وكان هؤلاء المثقفون قد تتلمذوا على كتابات مفكري النهضة العربية المشرقية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. وتأثروا، بخاصة، بالأفكار الجريئة لبعض رواد النهضة، وبما كشف هؤلاء من أفكاز ومواقف وتجارب ثورية في التراث العربي طمستها كلها عصور الأنحطاط المديدة، وبما نقلوا وترجموا من نتاجات الغرب المتقدمة في العلوم، وبالأخص منها علم الأجتماع.
كان الحزب الذي أسس في ذلك اليوم، رسمياً، حزباً للشيوعيين على امتداد المنطقة العربية التي أخضعت للانتداب الفرنسي، أي الجمهوريتين الحاليتين، اللبنانية والسورية، ولواء الأسكندرون الذي قايضه الفرنسيون، عام 1939، بامتناع تركيا عن دخول الحرب لجانب ألمانيا، وتم فيه تطهير عرقي بطرد سكانه العرب وهو إلى جانب التطهير العرقي الذي أصاب الأرمن قبل ذلك في تركيا نفسها، من اخطر التطهير العرقية التي حصلت في القرن العشرين واستمرت مفاعيله دون أي إدانة أو تعديل أو تعويض.
الحزب الشيوعي اللبناني هو أقدم حزب في لبنان. وهو يتميز بأنه يضم في صفوفه مناضلين من مختلف الطوائف اللبنانية وهو ينتشر في كل المناطق والمدن اللبنانية.
كما تؤكد وثائق التأسيس، فان الحزب الشيوعي اللبناني، على خلاف نشوء احزاب شيوعية أخرى في المنطقة وخارجها، نشأ دون أي تدخل خارجي مباشر، بل بعملية تطور داخلية هادئة وطويلة نسبياً، تلبية لطموحات عناصر متقدمة الوعي من العمال والمثقفين وعلى قاعدة نضوج ظروف موضوعية لحصول هكذا حدث.
شكل هؤلاء الشيوعيون حزبهم باسم "حزب الشعب" واصدروا جريدة بعنوان: "الإنسانية"، ولم تتم صلته بـ "الكومنترن" الا عام 1927، سنة انتسابه اليه وتغيير اسمه من "حزب الشعب" إلى "الحزب الشيوعي". وكان ذلك شرطاً من شروط الانتساب.
هو أول من نادى في لبنان بتحديد ساعات العمل، بثمانية ساعات في اليوم. كان الشعار الذي اطلقه وناضل من أجل إنجازه: ثمان ساعات عمل، ثمان ساعات تعلّم وتنزه، وثمان ساعات نوم
في 7 يوليو / تموز 1928، في الذكرى الأولى لاعلان الاسم الجديد للحزب : الحزب الشيوعي، وعودته إلى النشاط العلني المكثف، اصدر الحزب "البلاتفورم" الذي كلف "الكونفرانس" اللجنة المركزية اعداده بعنوان : "لماذا يناضل الحزب الشيوعي، غايته القصوى وشي من "بروغرامه". يؤكد الحزب في هذه الوثيقة ان غايته الأساسية، كسواه من الأحزاب الشيوعية في العالم، هي تقويض النظام الرأسمالي – الاستعماري، وإنشاء النظام الاشتراكي على انقاضه. واذ يؤكد ان الاشتراكية هي الهدف الأساسي والنهائي فانه يشدد على المهام المباشرة لنضاله : تحرير سوريا (أي سوريا ولبنان)، من الاستعمار الفرنسي، ومن عملائه والمتعاونين معه في الحكومات في دمشق وبيروت، وتلبية مطالب العمال بثماني ساعات عمل، وحد أدنى للأجور، وتأمين الشروط الصحية في أماكن العمل، والضمان الاجتماعي على حساب الرأسماليين والحكومة، تعويضات للعاطلين عن العمل تفي حاجات المعيشة حسب عدد افراد العائلة، وإنذار العمال قبل صرفهم، ودفع شهر تعويض للعامل المصروف عن كل سنة عمل، وإعطاء العامل اجازة سنوية لا تقل عن الشهر مع دفع كامل اجرته. و لدى قراءة هذه المطالب التي شكلت قاعدة كفاح الطبقة العاملة في لبنان وسوريا طوال عقود وبعضها لم يتحقق بصورة قاطعة حتى الآن، يتبين كم كان نضج الحزب وارتباطه بواقع علاقات الإنتاج وقوى الإنتاج قد أصبح متطوراً… وتطالب الوثيقة بتحسين حياة الفلاحين والعمال الزراعيين وتصوغ مطالب لم يتحقق معظمها حتى الآن. كما تضع مهمات أخرى ديمقراطية عامة، وغيرها تتعلق بتآخي الشعوب وتضامنها.
في النصف الأول من الثلاثينات تصلب عود الحزب وبرزت فيه عناصر قيادية جديدة شابة اضحى معها الحزب مكوناً أساساً في الحياة السياسية. والى ازدياد نفوذ الحزب في الوسط العمالي وفي الحركة النقابية وبروز قادة نقابيين شيوعيين كبار، تعاظم تحلق المثقفين حول الحزب ولم يبق كاتب أو شاعر أو رجل علم، تقريباً، إلا واقام علاقة ما مع الحزب الشيوعي بصورة مباشرة، أو غير مباشرة، من خلال المؤسسات الصحفية والمنابر الفكرية التي أقامها وامتلكها أو شارك فيها.