16/09/2026
التشاؤم العراقي من الزيارات.. هل حقق الزيدي ما نتفاءل به؟
الدكتور ليث شبر
16 أيلول 2026
قبل نحو عشر ساعات من كتابة هذا المقال، نشرت سؤالاً قلت فيه إن المعلومات التي لدي تشير إلى أن زيارة رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي إلى فرنسا وألمانيا كانت ناجحة بكل المقاييس، ثم سألت الأصدقاء والمتابعين: أنتم ما رأيكم؟ كنت أريد أن أختبر قراءتي أمام قراءات أخرى، فجاءت الإجابات مختلفة، وبعضها خالفني تماماً ووصف الزيارة بالفشل، وبعضها قال إن النجاح لا يقاس بالاستقبال والصور ومذكرات التفاهم وإنما بما سينفذ منها، وبعضها دعا إلى الانتظار وترك الأيام تحكم على النتائج. وقد أسعدني بصورة خاصة أن يتحول السؤال داخل فضاء المبادرة الوطنية للإصلاح وبين قياداتها وضيوفها إلى نقاش حقيقي، لأنني أبحث عن الرأي الذي يصحح رؤيتي أكثر مما أبحث عن الرأي الذي يوافقها.
وللتشاؤم العراقي من الزيارات الرسمية ما يبرره؛ فقد شاهد العراقيون خلال أكثر من عقدين رؤساء حكومات ووزراء ووفوداً يسافرون إلى عواصم العالم، ويعودون ببيانات طويلة واتفاقيات ومذكرات وصور، ثم تمر السنوات ولا يجد المواطن أثراً يوازي ما أعلن. بل إن اسم سيمنز نفسه يعيد إلى الذاكرة سلسلة طويلة من الاتفاقات والخطط المتعلقة بالكهرباء، فيما بقيت أزمة الكهرباء حاضرة في حياة العراقيين. لذلك فإن من يسأل اليوم: ماذا سينفذ من اتفاقات باريس وبرلين؟ لا يمارس تشاؤماً بلا أساس، وإنما يستدعي تجربة طويلة جعلت العراقي يطالب بالنتيجة قبل الاحتفال بالإعلان. ومن هنا أيضاً تأتي أهمية اقتراح تشكيل آليات متابعة متخصصة لكل اتفاق، تنشر نسب الإنجاز والتعثر وأسبابه، لأن الاتفاق الذي لا يمتلك مسار تنفيذ وجدولاً زمنياً ومسؤولاً محدداً ومؤشرات قياس يبقى معرضاً للمصير الذي انتهت إليه اتفاقات كثيرة سبقته.
وقبل الدخول في التقويم، ثمة معيار أعمق لا يجوز أن نغفله. نحن في المبادرة الوطنية للإصلاح أكدنا مراراً أن المعضلة العراقية الأساسية بنيوية، تتصل بطبيعة النظام السياسي وآليات إنتاج السلطة والمحاصصة وتوزيع القرار وضعف البناء المؤسسي، ولذلك فإن رؤيتنا للإصلاح تذهب إلى أصل النظام قبل فروع الأداء الحكومي. لكننا في الوقت نفسه لا نستطيع أن نضع كل حدث وكل قرار وكل زيارة أمام هذا المعيار وحده، لأننا سنصل سلفاً إلى النتيجة نفسها مهما تغير الأداء.
نحن لم نتخذ قرار هذا النظام ولا قرارات الحكومات التي أنتجها، لكننا نعيش داخل الدولة ونسعى إلى التأثير في مساراتها، وإذا جعلنا رفض البنية سبباً لرفض كل حركة تجري داخلها فسوف نفقد قدرتنا على التأثير في مسارات لم نصنعها أصلاً. لذلك أقوّم هذه الزيارة من داخل أهدافها المعلنة: ماذا أرادت؟ ماذا فعلت؟ ماذا عادت به؟ وما الذي بقي معلقاً بين الورق والتنفيذ؟
ومن هذه الزاوية، حققت محطة فرنسا حصيلة لا يصح اختزالها بصورة مع ماكرون أو مراسم استقبال. فقد صدر بيان مشترك عراقي ـ فرنسي، ووُقعت ست مذكرات تفاهم شملت الدفاع الجوي والتعاون العسكري والشباب والابتكار والوكالة الفرنسية للتنمية والغاز والطيران المدني، واتفق الطرفان على مواصلة التعاون العسكري بصيغة ثنائية بعد انتهاء مهمة التحالف، كما طُرحت مشاريع طريق التنمية والربط الاقتصادي وتنويع سلاسل الإمداد، وأُعلن التحضير لمؤتمر بغداد ـ باريس. والتقى الزيدي كذلك رؤساء وممثلي شركات فرنسية، وبحث ملفات الطاقة والصناعة والدواء والسكك الحديد والبنى التحتية. هذه مخرجات فعلية للزيارة من حيث الدبلوماسية وإنتاج الأطر والاتفاقات، لكنها ليست إنجازات مكتملة؛ فمذكرة التفاهم بداية مسار، والمؤتمر المقترح فرصة، واهتمام الشركات احتمال استثماري، والاختبار يبدأ بعد عودة الطائرة إلى بغداد.
أما ألمانيا فقد حملت بعداً مختلفاً وأكثر اتصالاً بالصناعة والتكنولوجيا والطاقة؛ فالزيدي التقى المستشار فريدريش ميرتس والرئيس الألماني، وجرت مباحثات موسعة، وعُقد حوار مع قطاع الأعمال، كما اجتمع بممثلي نحو ثلاثين شركة ألمانية. والأهم عملياً توقيع المرحلة الرابعة من مبادئ التعاون في برنامج الطاقة مع سيمنز، وهي تشمل التوليد ومحطات النقل ومعالجة اختناقات الشبكة والصيانة والتمويل والتدريب. وهنا تحديداً يعود اعتراض المتشائم العراقي بقوة: لقد سمعنا باسم سيمنز من قبل، فما الجديد؟ والجواب لا ينبغي أن يكون دفاعاً عن الحكومة، وإنما إنشاء معيار جديد للحكم عليها: كم ميغاواط أضيف؟ كم اختناقاً عولج؟ ما المشاريع التي دخلت التنفيذ؟ ما التمويل؟ وما المدة؟ عندها يتحول الاتفاق من خبر سياسي إلى رقم يمكن للعراقي محاسبة الحكومة عليه.
وفي الجانب السياسي والسيادي، كانت لغة الزيدي في برلين طموحة وربما تجاوزت في بعض عباراتها مستوى القدرة العراقية الراهنة. قوله إن العراق لم يعد بحاجة إلى الدعم العسكري للتحالف وإن قواته تستطيع الدفاع عن أراضيه، مع تأكيده أن العمل جارٍ لحماية الأجواء وحصر السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة، يحمل رسالة سيادية مفهومة، لكن هذه الرسالة تضع الحكومة أمام اختبار ثقيل، ولا سيما أن العراق ما زال يعمل على استكمال قدراته في الدفاع الجوي. ومن الإنصاف هنا أن نقرأ التصريح كاملاً؛ فالزيدي قال أيضاً إن العراق قد يستعين بألمانيا أو بدول التحالف في مجال حماية الأجواء عند الحاجة، فيما أعلن ميرتس استعداد ألمانيا لمواصلة المساعدة إذا طلب العراق ذلك. ولذلك لا أرى أن قيمة هذا الخطاب تقاس ببلاغته، وإنما بما سيحدث لاحقاً: هل تستطيع الدولة فعلاً حماية سمائها؟ وهل يصبح قرار القوة بيدها؟ لقد رفع رئيس الوزراء سقف الالتزام أمام العراقيين والعالم، ومن حق العراقيين أن يحتفظوا بهذه الكلمات ويقيسوا عليها الأداء القادم.
ولي ملاحظة جوهرية على الخطاب الاقتصادي للزيارة، وهي المبالغة في تقديم زيادة إنتاج النفط إلى تسعة أو عشرة ملايين برميل يومياً بوصفها واحدة من أهم رسائل العراق الاقتصادية. وقد كتبت قبل أيام أن زيادة إنتاج النفط ليست هي الحل، وأكرر هنا أن ثروات العراق ملك للأجيال، وأن قوة العراق المستقبلية لا تقاس بعدد البراميل التي يستطيع استخراجها وبيعها، وإنما بمقدار ما يستطيع تحويل موارده إلى صناعة وزراعة وتكنولوجيا ومعرفة ورأس مال بشري. نعم، تنويع منافذ التصدير عبر تركيا وسوريا والبحر المتوسط يحمل قيمة استراتيجية ويقلل الارتهان لمسار واحد، لكن زيادة الكميات ينبغي ألا تتحول إلى فلسفة اقتصادية للدولة.
العراق الذي يذهب إلى فرنسا وألمانيا يجب أن يعرض نفسه دولة تريد المصانع والتكنولوجيا ونقل المعرفة وسلاسل القيمة، لا خزّاناً أكبر للنفط. وقد أعلن الزيدي في برلين خططاً لزيادة الإنتاج وتنويع طرق التصدير نحو أوروبا، وهو ما يجعل هذه المسألة بحاجة إلى نقاش وطني أعمق من حساب الإيرادات الآنية.
ويبقى السؤال الذي بدأت منه: هل حقق الزيدي ما نتفاءل به؟ المعطيات المتاحة بعد انتهاء الجولة تقول إن الزيارة فتحت مسارات سياسية واقتصادية وأمنية مهمة، وأنتجت اتفاقات محددة، وأعادت تقديم العراق أمام قوتين أوروبيتين كبيرتين بلغة الشراكة والاستثمار، لكنها لم تنتج بعد ما يسمح بتحويل هذه المخرجات إلى نتائج نهائية؛ فالزيارة تنتهي دبلوماسياً عند عودة الوفد، لكنها تبدأ حكومياً في اليوم التالي. ومن هنا أقترح أن تنشر الحكومة خلال مدة قصيرة مصفوفة معلنة لكل ما جرى توقيعه في باريس وبرلين: اسم الاتفاق، الجهة العراقية المسؤولة، الجهة المقابلة، الجدول الزمني، التمويل، مراحل التنفيذ، ونسبة الإنجاز التي تحدث دورياً. عندها فقط نستطيع أن ننقل النقاش العراقي من الانطباعات إلى القياس.
ولعلي بعد هذا النقاش أعدل عبارتي الأولى قليلاً: لقد كانت الزيارة ناجحة في مستوى فتح الأبواب وبناء العلاقات وإنتاج الاتفاقات، أما نجاحها في مستوى الدولة فسوف يكتبه التنفيذ. وهذه ليست مناورة بين المتفائلين والمتشائمين؛ فالمتشائم العراقي يمتلك أرشيفاً طويلاً يبرر شكه، والمتفائل يمتلك حق البحث عن فرصة جديدة، أما الإصلاحي فعليه أن يفعل شيئاً ثالثاً: أن يحول الاثنين إلى رقابة وقياس ومتابعة. لذلك سنضع في المبادرة الوطنية للإصلاح مخرجات زيارة فرنسا وألمانيا تحت الرصد، لا لكي نثبت أن من تفاءل كان على حق أو أن من تشاءم كان أدق، وإنما لكي نعرف بعد أشهر ماذا بقي من باريس وبرلين في بغداد، فهيهنا يبدأ التقييم الحقيقي.