03/08/2026
«جف النبع ومات الزرع».. كيف واجهت إدكو المجاعة منذ 70 عاما؟
في بدايات خمسينيات القرن الماضي، حاصر الجوع منطقة إدكو، السماء لم ترسل الأمطار، البحيرة نقصت أسماكها بشكل غريب، وتحول واعظ إدكو الشاب ويدعى حسن أبو جهل كصحفي يرسل الاستغاثات دون جدوى، حتى أنه خاض رحلة للذهاب للقاهرة ومعه فلاحين آخرين لإقناع الصحفيين بالمجيء لبلدته التي يحاصرها الجوع وهى أرض الخير الدائم، وهذا حدث بالتحديد عام 1953م
إدكو مدينة مصرية لها تاريخ ضارب في القدم، منذ العصر الفرعوني، وكافة الحقب التاريخية التي مرت على مصر، ويتحدث علي مبارك عنها بإسهاب في "الخطط التوفيقية" فيقول:"هي قرية كبيرة من مديرية البحيرة بقسم دمنهور، وكانت تابعة لمحافظة الإسكندرية تارة، ولمحافظة رشيد تارة ، ولمأمورية بلاد الأرز تارة أخري، وقدرت المسافة بينها وبين رشيد بساعتين وبينها وبين الإسكندرية بست ساعات، وبها جوامع وطواحين هواء، ومعمل فسيخ ودكاكين وأنوال لنسيج الحرير الإسكندراني والملس والملايات من القطن والكتان، وبها أشجار الكروم (العنب) ونحو سبعين ألف نخلة، ويزرع بها البطيخ وأنواع القثاء، وأهلها يصيدون السمك من بحيرتها، ويزرعون رمالها ويتجرون فاكهتها وبلحها، ويشربون من حفائر الرمل لبعدها عن النيل ومنهم مراكبية، وقد استولت الرمال علي أراضيها، ومن عوائد أهلها إلا تخرج النساء ليلاً إلا متحجبات، ومن مظاهر نشاط رجالها ألا يعود أحدهم إلا منزله إلا ومعه شئ وإلا وضع حجراً أو تراباً في مقطفه أنفة من أن يري في حال كسل أو بطالة، وهي منشأ لجماعة من العلماء، عرفنا بعضهم، ولا نزال نجهل الآخرين، مع كثرة مساجدهم وقبابهم بها".
وفي عام 1938م، رصد الباحثون الأجانب إدكو وخاصة نسيج الحرير المست التي كانت تنتجه إدكو، وقد أكد الباحثون الأجانب عدم وجود فنادق أو ملهي بها، ووصف منازلها المبنية بالطوب الأحمر تعلوها النخيل، وأبوابها المقوسة من أعلاها علي النمط الإيطالي، ولفت نظرهم طواحين الهواء المقامة علي التل المعروف عندهم بكوم الطواحين، ولكل طاحونة ثمانية أشرعة، وشرب أهلها من آبار في الرمال وفى الحرب العالمية الثانية سمحت حكومة مصر للإنجليز باتخاذ المساحات الواقعة بين إدكو والمعدية مطارات للإنجليز، فلقي الأهل من ذلك كل الأذى من شن الغارات الجوية عليهم ومن دهسهم بسياراتهم وهو يقودونها مخمورين أو مستهترين ومن تدخل الفرقة الهندية التي كانت متواجدة في المدينة بأمر الإنجليز في حرية الجزارين في ذبح ما أحله الإسلام؛ ولهذا تكونت فرق الفدائيين للفتك بالإنجليز وهم في خيامهم يغطون في نومهم أو سلب ذخائرهم، وقد استمرت المقاومة حتى قيام ثورة يوليو عام 1952م الصحافة.
ترصد المأساة مجلة التحرير التي أسستها ثورة يوليو 1952م ، التي أرسلت الصحفيين لمعاينة المجاعة، بل نشرت أجزاء من استغاثات الأهالي، ومنها: إذا لم تصدقوني فتعالوا إلى إدكو، لم ترسل السماء إلينا مطرا، ونحن مثل العربان نجوع إذا لم ترسل لنا السماء أمطارها، بل إن العربان أسعد حالاً منا، فهم إذا ضاقوا ذرعا بجفاف السماء انطلقوا عبر الوديان، وحطوا رحالهم في مكان تحنو عليه السماء بالمطر، أما نحن فلا يمكننا أن نهاجر من إدكو ".
وقام الصحفي على الدالي أحد أهم الكتاب المصريين المثقفين آنذاك بكتابة تحقيق مصور على المأساة ، حيث كان عليه أن يتجول مع الصحفي الواعظ في إدكو وأن يرفق صورا فوتوغرافية ترصد المأساة الحقيقية، بل أكد الدالي أن رئيس الجمهورية محمد نجيب، والزعيم جمال عبد الناصر، معهما صور من استغاثات أرسلها الصحفي الواعظ، ومعه الفلاح شحاتة محمد زيتون لهما، خاصة أن إدكو تزرع ما يزيد على عشرين ألف فدان من أراضي الأوقاف الملكية، ويتركون الأهالي يتجرعون الجوع والعطش.
وكشفت "التحرير" أن الأهالي كانوا يفكرون في إرسال خطاب لإرسال قطار الرحمة لهم؛ لإنقاذهم من المأساة.
قال الأهالي إن ما يغيظنا إن في مصر نهر النيل، ولم نشرب منه قطرة واحدة، ولم ترو مياهه أراضينا، فقط توجد ترعة اسمها ترعة إدكو الشرقية، وقد أًنشئت منذ عام واحد فقط بعد قيام ثورة يوليو، وأكد الأهالي أن زمام إدكو يزيد على ثمانية آلاف فدان، ويوجد بها 15 آلاف مزارع، وكل مزارع لا يملك سوى بضع قراريط فقط، وتزرع الطماطم والتين والبطيخ والعنب والنخيل على الأمطار فقط، بينما أكد أحد الفلاحين أن مصلحة الأملاك الأميرية جففت من البحيرة ثلاثة آلاف فدان وأنشأت ترعة لها ولم توزع علينا الحكومة أي شيء، رغم قيام الثورة والقضاء على الإقطاع.
التقط على الدالي من خلال خبرته الصحفية عددا من الظواهر الإنسانية في تحقيقه الصحفي عن إدكو، ومنها أم عجوز عائدة وهى تحمل البوص فوق رأسها، واسمها الحاجة آمنة، والتي تخطت الثمانين من العمر ومازالت تشقي وتتعب، كما رصد قصة شيخ الصيادين الذي كان في حيرة من أمره عن سر اختفاء السمك في إدكو، كما قام بأخذ تصريحات من كاتب الجمعية التعاونية، وكذلك من الصناعية مطالبين الحكومة بالتدخل العاجل، وهو ما تم بعد ذلك في زيارة جمال عبد الناصر لها.
فى عصرنا الحالي لقيت إدكو عناية فائقة من الحكومة، حيث مشروعات الثروة السمكية، وكذلك النسيج، فأرض الخير جعلت مصر من أهم الدول المصدرة للغاز الطبيعي في العالم.