منطقة الوعظ ولجنة الفتوى بالقليوبية -الأزهر الشريف-

  • Home
  • Egypt
  • Benha
  • منطقة الوعظ ولجنة الفتوى بالقليوبية -الأزهر الشريف-

منطقة الوعظ ولجنة الفتوى بالقليوبية -الأزهر الشريف- Contact information, map and directions, contact form, opening hours, services, ratings, photos, videos and announcements from منطقة الوعظ ولجنة الفتوى بالقليوبية -الأزهر الشريف-, Government Organization, شارع المعهد الديني بنها, Benha.

الصفحة الرسمية لمنطقة وعظ القليوبية – الأزهر الشريف
ترصد أنشطة الدعوة، والفتوى، والقوافل، والتوعية المجتمعية بمنهج أزهري وسطي
وتقدّم فيديوهات دعوية، ونشرات توعوية نافعة .


من أعمال منطقة وعظ القليوبية  .📍 من أنشطة منطقة وعظ القليوبية✨ رسالة وعي وإصلاح داخل مؤسسات المجتمع ✨في إطار الدور الدعو...
02/06/2026

من أعمال منطقة وعظ القليوبية
.📍 من أنشطة منطقة وعظ القليوبية
✨ رسالة وعي وإصلاح داخل مؤسسات المجتمع ✨

في إطار الدور الدعوي والتوعوي لمنطقة وعظ القليوبية، عُقد اليوم واعظات الأزهر الشريف بالقليوبية لقاءات دعوية داخل المراكز الصحية ودروس السيدات لنشر الوعي وترسيخ القيم الأخلاقية والمجتمعية

وتواصل منطقة وعظ القليوبية رسالتها الدعوية لنشر الفكر الوسطي وبناء وعي ديني
✍️ وذلك تحت رعاية فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب – شيخ الأزهر الشريف،
وبتوجيهات فضيلة الشيخ / أيمن عبدالغني – وكيل الأزهر الشريف،
وتعليمات الأستاذ الدكتور/ محمد الجندي – أمين عام مجمع البحوث الإسلامية،
وإشراف الدكتور/ محمود الهواري – الأمين العام المساعد للدعوة والإعلام الديني،
وبقيادة فضيلة الدكتور/ شريف أبو حطب،
وبتنسيق فضيلة الشيخ/ علي عامر – مدير الدعوة بمنطقة وعظ القليوبية

02/06/2026

❤️ ​المحبة الكنز الذي عُذِّب من أجله يوسف.
- ​في دستور القلوب، لا تُقاس الثروات بالدراهم والدنانير، بل بنظرات الحب ومكانة الود.
هذه هي الحقيقة التي تجلت في أروع قصص القرآن الكريم؛ فإخوة يوسف لم يتآمروا عليه طلباً لميراث أو طمعاً في مال، بل كانت جريمتهم الكبرى أنهم طمعوا في "وجه أبيهم".

​١. جوهر الصراع: "ليخْلُ لكم وجه أبيكم"
​لقد حدد القرآن الكريم بوضوح منطلق الحسد عند إخوة يوسف، فقال تعالى على لسانهم: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [يوسف: 8].
إنهم لم يشتكوا فقراً، بل اشتكوا "نقصاً في المحبة" مقارنة بيوسف.
ومن هنا جاء تدبيرهم: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ [يوسف: 9].
لقد ظنوا أن إقصاء المحبوب سيفرغ قلب الأب لهم، ولم يدركوا أن الحب لا يُنال بالقهر بل بالاستحقاق.

​٢. الحسد على النعمة القلبية في السنة النبوية
​الحسد على المحبة والقبول هو أشد أنواع الحسد، لأنه يستهدف الروح.
وقد حذر النبي ﷺ من داء الأمم الذي يفسد هذه الروابط، فقال: «دبَّ إليكم داءُ الأممِ قبلكم: الحسدُ والبغضاءُ، هي الحالفةُ، لا أقولُ تحلِقُ الشَّعرَ ولكن تحلِقُ الدِّينَ» (رواه الترمذي).
إن حسد إخوة يوسف كاد أن يودي بدينهم وبحياة أخيهم لأنهم لم يصبروا على تميزه في قلب والده، وهو درس لنا بأن المحبة رزق من الله، وحسد الناس عليها هو اعتراض على قسمة الله للقلوب.

​٣. المحبة رزق سماوي لا يُشترى
​يؤكد الدين أن القبول والمحبة ليست سلعاً مادية، بل هي ثمرة للقرب من الله، كما جاء في الحديث القدسي: «إذَا أحَبَّ اللَّهُ العَبْدَ نادَى جِبْرِيلَ: إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلانًا فأحِبَّهُ، فيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، فيُنادِي جِبْرِيلُ في أهْلِ السَّماءِ: إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلانًا فأحِبُّوهُ، فيُحِبُّهُ أهْلُ السَّماءِ، ثُمَّ يُوضَعُ له القَبُولُ في الأرْضِ» (رواه البخاري).
فمن حسد يوسف على محبة أبيه، كان في الحقيقة يحسد "القبول السماوي" الذي وضعه الله له.

​٤. الحذر من علامات الحسد (دعاء الحفظ)
​عندما تظهر علامات الحسد أو "العين" بسبب القبول والمحبة التي يمنحها الله للعبد، يجب الاعتصام بالله. كان النبي ﷺ يعوذ الحسن والحسين ويقول: «أُعِيذُكُما بكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ، مِن كُلِّ شيطَانٍ وهامَّةٍ، ومِن كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ».
​وقل عند رؤية علامات الحسد:
​"اللهم يا كافي يوسف شر إخوته، اكفني شر كل حاسد على ما رزقتني من فضلك ومحبتك. اللهم اصرف عني عيون الناظرين، وقلوب الحاقدين، واجعلني في كنفك وحرزك. بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم."
​ محمد أبوالنصر

🔴 أسبقية الأم في الحضانة وأدلتها . ▪️إذا افتَرَق الزَّوجانِ ولهما طِفلٌ صغير، فإن الشريعة تتقدم لتضع القاعدة الأولى التي...
02/06/2026

🔴 أسبقية الأم في الحضانة وأدلتها .
▪️إذا افتَرَق الزَّوجانِ ولهما طِفلٌ صغير، فإن الشريعة تتقدم لتضع القاعدة الأولى التي تكفل الاستقرار النفسي للطفل، وهي أن الأم هي الحضن الأول، فهي أحق به من كل أحد، ما لم يطرأ عليها ما يسقط هذا الحق.

● أولاً: الأم أحق بالحضانة عند الافتراق
اتفق الفقهاء على أنَّ الأُمَّ أحَقُّ بحَضانتِه من الأب وغيره، ما لم تتزوَّجْ، وما لم يثبت فيها مانع من موانع الحضانة.
وهذا التقديم ليس مجرد قاعدة تنظيمية، بل هو حكم شرعي مبني على أدلة قاطعة من السنة والإجماع والنظر الصحيح، نذكر منها:

• الدليل الأول: من السنة النبوية المطهرة
عن عَمرِو بنِ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو رضي الله عنهما: ((أنَّ امرأةً قالت: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ ابني هذا كان بَطني له وِعاءً، وثَدْيي له سِقاءً، وحِجْري له حِواءً، وإنَّ أباه طلَّقَني، وأراد أن ينتَزِعَه منِّي، فقال لها رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أنتِ أحَقُّ به ما لم تَنكِحي)). .
وهذا الحديث هو العمدة في هذا الباب. انظروا إلى بلاغة هذه المرأة التي وصفت حالها بأوجز عبارة وأصدقها: فهي الوعاء الذي حمله، والسقاء الذي أرضعه، والحواء الذي آواه، فقدمها النبي صلى الله عليه وسلم تقديماً مطلقاً ما دامت لم تتزوج، تأكيداً لهذه الصلة الفريدة.

• الدليل الثاني: من الإجماع القطعي
لقد نَقَل الإجماعَ على أن الأم أحق بالحضانة من الأب حال قيام النكاح وافتراقه: الإمامُ ابنُ المُنذِرِ، والإمام الخطَّابيُّ، والإمام ابنُ عَبدِ البَرِّ، والإمام ابنُ قُدامةَ، والإمام ابنُ القَيِّمِ، والإمام ابنُ الهمامِ، والإمام برهان الدين ابنُ مُفلحٍ، وغيرهم من أئمة الإسلام. وهذا الإجماع يجعل هذه المسألة من المسائل القطعية التي لا يسوغ الخلاف فيها.

• الدليل الثالث: من الآثار عن الصحابة الكرام
وهو ما يرويه القاسِمُ بنِ مُحمَّدٍ قال: (كانت عندَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّه عنه امرأةٌ مِن الأنصارِ، فوَلَدَت له عاصِمَ بنَ عُمَرَ، ثمَّ إنَّه فارَقَها، فجاء عُمَرُ قُباءَ، فوجد ابنَه عاصِمًا يلعَبُ بفِناءِ المسجِدِ، فأخذ بعَضُدِه فوَضَعه بين يَدَيه على الدابَّةِ، فأدركَتْه جَدَّةُ الغُلامِ فنازَعَتْه إيَّاه، حتى أتيا أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ رضي الله عنه. فقال عُمَرُ: ابني. وقالت المرأةُ: ابني. فقال أبو بكرٍ: خَلِّ بينها وبَينَه. قال: فما راجَعَه عُمَرُ الكَلامَ).
ووجه الدلالة واضح جلي، ففيه قضاء من الخليفتين الراشدين بأن الأم والجدة (أم الأم) أولى من الأب، وهذا يؤكد قاعدة تقديم جهة الأمومة.

• الدليل الرابع: بالنظر إلى مقاصد الشريعة وطبائع البشر
إن الأمهاتِ أشفَقُ وأرفَقُ، وأقدَرُ وأصبَرُ على تحَمُّلِ المشاقِّ العظيمة بسَبَبِ الوَلَدِ، وذلك على طُولِ الأعصارِ. كما أنها بطبعها أفرَغُ للقِيامِ بخِدمتِه من الرجل المنشغل بأمور المعاش والكسب خارج البيت. ولأنَّ الأبَ في الغالب لا يتولَّى الحَضانةَ بنَفسِه المباشرة، وإنَّما يَدفَعُه إلى مَن يَقومُ به مِنَ النِّساءِ قهراً، فتكونُ الأُمُّ أَولى بهذه المهمة حباً وشفقةً من امرأة أخرى. وأخيراً، لأنها زادت على الأبِ بِرَحِم الوِلادةِ المحَقَّقةِ، والأنوثةِ اللَّائِقةِ بخدمة الصغار ومداراتهم
✍️ محمد أبوالنصر

🔴 الإحسان: حقيقته، مجالاته، وثماره في الدنيا والآخرة.✍️ محمد أبوالنصر.الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَاقِب...
02/06/2026

🔴 الإحسان: حقيقته، مجالاته، وثماره في الدنيا والآخرة.
✍️ محمد أبوالنصر.
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنْ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ أَرْسَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ:
▪️إن الإحسان ليس مجرد نافلة من نوافل العمل، بل هو الذروة السامقة التي يتطلع إليها السالكون إلى الله، وهو الروح التي تدب في جسد العبادات لتبعث فيها الحياة. هو أن تعبد الله كأنك تراه، فتجمع بين هيبة المراقبة وأنس المشاهدة.

⚫ مفهوم الإحسان ومكانته في الدين:
الإحسان كلمةٌ عظيمةٌ تتضمَّن معاني واسعة تدور حول صلاح الإنسان وفلاحه، وهي غايةُ الغايات، ومحطُّ نظر ذوي الهِمَم العاليات، ويُمكن تأصيلها من خلال الآتي:

● تعريف الإحسان:
الإحسان في اللغة من "أحسن"، أي أتى بما هو حسن، وفي الشرع هو إتقان الظاهر والباطن على حد سواء.
● مرتبة الإحسان في الدين:
الْإِحْسَانُ أَعْلَى مَرَاتِبِ الدِّينِ؛ فَإِنَّ الدِّينَ إِسْلَامٌ وَإِيمَانٌ وَإِحْسَانٌ، ويُجلِّيه حديث جبريل -عليه السلام- حين قال للنبي ﷺ: «أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانِ. قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[رواه مسلم].
فالإحسان يتجاوز "إسقاط الفريضة" إلى "تجويد الفريضة"، فالفقيه ينظر لرفع الحرج، والمحسن ينظر لطلب الرضا.
● شمولية الإحسان:
الإحسانُ مطلوبٌ في شأن المُكلف كلِّه؛ في إسلامه، وإيمانه، وعباداته،فالإسلام لم يحصر الإحسان في محراب الصلاة فقط، بل جعله قانوناً كونياً يحكم علاقة الإنسان بربه، وبنفسه، وبالكون من حوله.
● الإحسان في القول والفعل:
إن الكلمة الطيبة إحسان، وكف الأذى إحسان.
* يقول سبحانه: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسانِ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾ [الإسراء: 53].
* قال رسول الله ﷺ: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإحْسَانَ علَى كُلِّ شيءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فأحْسِنُوا القِتْلَةَ، وإذَا ذَبَحْتُمْ فأحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» (خرجه مسلم في صحيحه، رقم: 1955).
• إذا كان الإحسان مطلوباً حتى مع الحيوان في لحظة ذبحه، فكيف بكرامة الإنسان؟ وكيف بحقوق الوالدين والأقربين؟

⚫ أنواع الإحسان ومجالاته
تتعدد مجالات الإحسان لتشمل علاقة العبد بربه، وعلاقته بالخلق بكافة أصنافهم:
● أولًا: الإحسان في حق الله تعالى (العبادة):
هو مُراقبةُ العبد ربَّه في جميع تصرُّفاته القولية والعملية والقلبية، ومن صوره:
• الإحسان في التوحيد: وذلك بالرضا بمقادير الله، وفهم العلاقة بين السبب والمسبب.
• تحقيق الاتباع للنبي ﷺ: في صدق محبَّته ولزوم طاعته ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ﴾ [آل عمران: 31].
• الإحسان في أركان العبادة: كإسباغ الطهور والخشوع في الصلاة، وإخراج الزكاة بطيب نفس، والصيام إيمانًا واحتسابًا.

● ثانيًا: الإحسان إلى الوالدين وذي القربى:
• الوالدان: هما أولى الناس بالإحسان ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ [الإسراء: 23].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا سأل النبي ﷺ: «مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أَبُوكَ» [رواه الشيخان].

• ذوو القربى والأرحام: بصلتهم وتفقد أحوالهم والصبر على أذاهم. لقول النبي ﷺ: «لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنِ الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا» [رواه البخاري].

● ثالثًا: الإحسان في الدائرة الأسرية (الزوجات والأولاد):
• الزوجات: لقوله ﷺ: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا» [رواه الشيخان]، وقوله: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ» [رواه الترمذي].

• الأولاد: وجامع الإحسان إليهم تعليمهم وتربيتهم على ما ينفعهم وحجزهم عما يضرهم.

● رابعًا: الإحسان إلى فئات المجتمع المختلفة:
• اليتامى والمساكين: بكفالتهم وسد خلّتهم ﴿ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ ﴾ [الضحى: 10].
• الجار: لقوله ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ» [رواه مسلم].

• الأصحاب والأصدقاء: لقوله ﷺ: «خَيْرُ الْأَصْحَابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ» [رواه أحمد].

• الخدم والعمال: بإنصافهم وعدم تكليفهم ما لا يطيقون.

• ابن السبيل: وهو الغريب عن بلده، والإحسان إليه بإكرامه وتأنيسه.

● خامسًا: الإحسان إلى عموم المسلمين وغير المسلمين:
• المسلمون: بالدعاء لهم والنصح ونفْسِ كرباتهم؛ لقوله ﷺ: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ» [رواه مسلم].
• غير المسلمين: بدعوتهم للإسلام ومجادلتهم بالتي هي أحسن ﴿ وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ [العنكبوت: 46].

● سادسًا: الإحسان إلى الحيوان والجماد:
• الحيوان: ففي كل كبد رطبة أجر، ومن ذلك إحسان الذبحة.

• الجماد: بنظرة المحبة والاعتبار، كما في قول النبي ﷺ عن جبل أحد: «أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ».

⚫ الإحسان في المعاملات والأخلاق العالية
● السماحة في البيع والشراء:
رحِمَ الله عبدًا سمحًا إذا باع، سمحًا إذا اشترى، وسمحًا إذا قضَى، وسمحًا إذا اقتضَى.

● مقابلة الإساءة بالإحسان:
وهي من أعلى مراتب النبل ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ [فصلت: 34]. يقول بعض السلف -: «الإحسانُ أن تُحسِنَ إلى المُسيءِ؛ فإن الإحسانَ إلى المُحسِن تجارة».

⚫ عوائق في طريق الإحسان وكيفية دفعها
الطريق إلى مقام الإحسان محفوف بتحديات النفس والشيطان.
● مدافعة الشح وغفلة القلب:
الإنسان بطبعه يميل إلى الأثرة، لكن الإحسان يقتضي الإيثار.
* قال تعالى : ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134].
● الاستمرار على الإحسان وإن قوبل بالإساءة:
وهذا هو الفقه العالي في السلوك، أن يكون إحسانك نابعاً من صلتك بالله لا من ردود فعل البشر.
* جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي... فقال ﷺ: «لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ» (خرجه مسلم في صحيحه .

⚫ ثمرات الإحسان وجزاؤه
مَنْ أَحْسَنَ في هذه الدنيا وجد عاقبة إحسانه في الدارين:
● في الدنيا: محبة الله، السعادة الشاملة، والذكر الحسن؛ كما وصف الله يوسف -عليه السلام-: ﴿ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف: 36].
● المعية الإلهية والمحبة:
* قال تعالى : ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ [النحل: 128]. وأيضاً: ﴿وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195].
● تفريج الكروب يوم القيامة:
* قال ﷺ: «المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ ولا يُسْلِمُهُ، ومَن كانَ في حَاجَةِ أخِيهِ كانَ اللَّهُ في حَاجَتِهِ، ومَن فَرَّجَ عن مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عنهُ كُرْبَةً مِن كُرُبَاتِ يَومِ القِيَامَةِ، ومَن سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَومِ القِيَامَةِ» (خرجه البخاري، ومسلم).
• وقفة تأمل: تأمل كيف رتب الله "المحبة" و"المعية" على وصف الإحسان، فالمحسن شخص أحبه الله فأطلعه على عيوب نفسه فاشتغل بإصلاحها وإحسان العمل فيها.

● في الآخرة: الجنة والزيادة ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾، وقوله سبحانه: ﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [الزمر: 34].
الْخَاتِمَةُ
يقول الإمام النووي -رحمه الله-: «الإحسانُ هو عُملةُ الصدِّيقين، وبُغيةُ السالكين، وكنزُ العارفين، ودأبُ الصالحين».

⚫ الخاتمة.
أيها الإخوة الفضلاء، إن الإحسان هو "الترياق" لعلل المجتمعات، وهو "المعراج" لصفاء الأرواح. فليكن شعارنا في كل حركة وسكنة: (هل أنا الآن أعبد الله كأنني أراه؟). إن الإحسان في العبادة يورث الخشوع، وفي العمل يورث البركة، وفي الخلق يورث المحبة.

🤲🤲 الدعاء 🤲 🤲
نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَدُلَّنَا عَلَى طُرُقِ الْإِحْسَانِ، وَأَنْ يَفْتَحَ لَنَا أَبْوَابَهُ، وَأَنْ يُبَلِّغَنَا مَنَازِلَ الْمُحْسِنِينَ.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّ مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِيْنَ. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
محمد أبوالنصر
#الإحسان









✍️ محمد سعيد أبو النصر

02/06/2026

🔴 الابتعاد عن الشبهات.
▪️روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي اللهُ عنه أن النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «لَيَاتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُبَالِي الْمَرْءُ بِمَا أَخَذَ الْمَالَ: أَمِنْ حَلَالٍ أَمْ مِنْ حَرَامٍ؟»
● قال ابن المبارك: «لأن أرد درهمًا واحدًا من شبهة أحب إليّ من أن أتصدق بمئة ألف.
● وقال عمر: «كنا ندع تسعة أعشار الحلال مخافة الوقوع في الحرام».
● قال بعض أهل العلم: إذا اشتبه عليك شيء هل هو من الحلال أو من الحرام فانظر إلى ثمرته ونتيجته، فإن الخير يأتي بالخير والشر لا ينتج عنه إلا شرًّا.
● قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «استَفْتِ نَفْسَكَ وَإِنْ أَفْتَاكَ المُفْتُونَ»

02/06/2026

🤲 اللَّهُمَّ يَا وَاسِعَ الْفَضْلِ وَالْعَطَاءِ، يَا عَظِيمَ الْمَنِّ وَالرَّجَاءِ، يَا مَنْ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ وَعَلَتْ صِفَاتُهُ، يَا قَرِيباً مِنْ دَاعِيهِ، يَا مُجِيباً لِمَنْ نَادَاهُ، يَا مَنْ وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ، وَعَمَّتْ نِعْمَتُهُ جَمِيعَ الْخَلَائِقِ، نَسْأَلُكَ فِي هَٰذَا الْمَقَامِ الْمُبَارَكِ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْنَا نَظْرَةَ رِضاً لَا نَشْقَى بَعْدَهَا أَبَداً.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا كُلَّهَا، دِقَّهَا وَجِلَّهَا، أَوَّلَهَا وَآخِرَهَا، سِرَّهَا وَعَلَانِيَتَهَا، وَخَطَأَهَا وَعَمْدَهَا. اللَّهُمَّ نَقِّنَا مِنَ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، وَطَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنَ الْآثَامِ كَمَا طَهَّرْتَ قَلْبَ نَبِيِّكَ وَحَبِيبِكَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

02/06/2026

🔴 كُنْ رَاضِيًا.. وَإِيَّاكَ وَالتَّبَاهِي
(الرِّضَا: حَقِيقَتُهُ، فَضَائِلُهُ، وَأَثَرُهُ فِي حَيَاةِ المُؤْمِنِ)
✍️ مُحَمَّد أَبُوالنَّصْر
▪️الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الرِّضَا بَابَهُ الْأَعْظَمَ، وَجَنَّةَ الدُّنْيَا، وَمُسْتَرَاحَ الْعَابِدِينَ، وَقُرَّةَ عُيُونِ الْمُشْتَاقِينَ.
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِيَدِهِ الْخَيْرُ كُلُّهُ، يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ، وَيَمْنَعُهُ عَمَّنْ يَشَاءُ حِكْمَةً مِنْهُ وَرَحْمَةً، لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ.
أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَشْكُرُهُ، وَقَدْ تَأَذَّنَ بِالزِّيَادَةِ لِمَنْ شَكَرَ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ وَأَسْتَغْفِرُهُ، يَقْبَلُ تَوْبَةَ عَبْدِهِ إِذَا أَنَابَ وَاسْتَغْفَرَ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً تُنْجِي قَائِلَهَا يَوْمَ الْعَرْضِ الْأَكْبَرِ، وَأَشْهَدُ أَنْ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، سَيِّدُ الْبَشَرِ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ الْأَطْهَارِ، وَأَصْحَابِهِ الْأَخْيَارِ، وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا مَا اتَّصَلَتْ عَيْنٌ بِنَظَرٍ، وَأُذُنٌ بِخَبَرٍ.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا أُمَّةَ الْإِسْلَامِ:
إِنَّ النَّاظِرَ فِي فِطْرَةِ الْإِنْسَانِ، وَالْمُتَأَمِّلَ فِي تَقَلُّبَاتِ قَلْبِهِ وَأَطْوَارِ نَفْسِهِ، لَيَقِفُ عَلَى حَقِيقَةٍ جَوْهَرِيَّةٍ لَا مِرَاءَ فِيهَا: إِنَّ هَذِهِ النَّفْسَ الْبَشَرِيَّةَ قَدْ جُبِلَتْ عَلَى الطَّمَعِ، وَفُطِرَتْ عَلَى حُبِّ الِاسْتِزَادَةِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، فَهِيَّ لَا تَكَادُ تَسْتَقِرُّ عَلَى حَالٍ، وَلَا تَهْدَأُ إِلَى قَرَارٍ، بَلْ هِيَّ دَائِمَةُ التَّطَلُّعِ إِلَى مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ، دَائِمَةُ الْحَنِينِ إِلَى مَا لَمْ تَنَلْهُ. وَكَمَا قَالَ الْقَائِلُ:
صَغِيرٌ يَطْلُبُ الْكِبَرَا *** وَشَيْخٌ وَدَّ لَوْ صَغُرَا
وَخَالٍ يَشْتَهِي عَمَلًا *** وَذُو عَمَلٍ بِهِ ضَجِرَا
وَرَبُّ الْمَالِ فِي تَعَبٍ *** وَفِي تَعَبٍ مَنِ افْتَقَرَا
وَذُو الْأَوْلَادِ مَهْمُومٌ *** وَطَالِبُهُمْ قَدِ انْفَطَرَا
وَمَنْ فَقَدَ الْجَمَالَ شَكَا *** وَقَدْ يَشْكُو الَّذِي بُهِرَا
وَيَبْغِي الْمَجْدَ فِي لَهَفٍ *** فَإِنْ يَظْفَرْ بِهِ فَتَرَا
شُكَاةٌ مَا لَهَا حَكَمٌ *** سِوَى الْخَصْمَيْنِ إِنْ حَضَرَا
هَذِهِ هِيَّ طَبِيعَةُ النَّفْسِ الْبَشَرِيَّةِ، وَهَذِهِ هِيَّ صُورَتُهَا الصَّادِقَةُ إِذَا تُرِكَتْ دُونَ تَهْذِيبٍ أَوْ تَزْكِيَةٍ. بَيْدَ أَنَّ الشَّرِيعَةَ الْإِسْلَامِيَّةَ، بِنُورِهَا الْمُبِينِ وَهَدْيِهَا الْقَوِيمِ، قَدْ جَاءَتْ لِتَقْوِيمِ هَذَا الِاعْوِجَاجِ الْفِطْرِيِّ، وَلِإِخْرَاجِ النَّاسِ مِنْ ظُلُمَاتِ التَّطَلُّعِ وَالْحِرْصِ وَالْجَشَعِ، إِلَى نُورِ الرِّضَا وَالْقَنَاعَةِ وَالطُّمَأْنِينَةِ.
وَلِهَذَا، فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- "الرِّضَا" مِنْ أَعْلَى مَقَامَاتِ الدِّينِ، وَأَجَلِّ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ إِلَيْهِ، وَجَعَلَهُ سِيَاجًا مَنِيعًا يَحْمِي قَلْبَ الْمُؤْمِنِ مِنْ تَقَلُّبَاتِ الزَّمَانِ، وَمَلَاذًا أَمِينًا يَأْوِي إِلَيْهِ مِنْ هَجِيرِ الْحَيَاةِ وَضَنْكِهَا.
وَفِي هَذِهِ الْخُطْبَةِ، نَقِفُ عَلَى هَذَا الْمَقَامِ الْعَظِيمِ -مَقَامِ الرِّضَا- وَقْفَةَ عِلْمٍ وَتَدَبُّرٍ، نَسْتَجْلِي حَقِيقَتَهُ، وَنَسْتَعْرِضُ فَضَائِلَهُ، وَنُحَلِّلُ آثَارَهُ فِي حَيَاةِ الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ، مُتَّخِذِينَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَكَلَامِ أَئِمَّةِ الْهُدَى، نِبْرَاسًا يُضِيءُ لَنَا السَّبِيلِ.
وَلِتَحْقِيقِ هَذِهِ الْغَايَةِ، فَإِنَّنَا سَنُقَسِّمُ هَذِهِ الْخُطْبَةَ إِلَى الْعَنَاصِرِ الْآتِيَةِ:
⚫ الْعُنْصُرُ الْأَوَّلُ: حَقِيقَةُ الرِّضَا: تَعْرِيفُهُ، وَبَيَانُ مَنْزِلَتِهِ، وَحُدُودُهُ الشَّرْعِيَّةُ.
⚫ الْعُنْصُرُ الثَّانِي: ثَمَرَاتُ الرِّضَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ: بَيْنَ الْأَمْنِ النَّفْسِيِّ وَالسَّعَادَةِ الْأَبَدِيَّةِ.
⚫ الْعُنْصُرُ الثَّالِثُ: آفَةُ Тَّبَاهِي وَالسَّخَطِ: حَقِيقَتُهَا، مَظَاهِرُهَا، وَالتَّحْذِيرُ مِنْهَا.
⚫ الْعُنْصُرُ الرَّابِعُ: مَنْزِلَةُ الرِّضَا بِأَقْدَارِ اللَّهِ، وَمَوْقِفُ الْمُؤْمِنِ مِنَ السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ.
⚫ الْعُنْصُرُ الْخَامِسُ: الرِّضَا بِالرِّزْقِ: غِنَى النَّفْسِ، وَبَرَكَةُ الْقَنَاعَةِ، وَشُكْرُ النِّعْمَةِ.
⚫ الْعُنْصُرُ السَّادِسُ: نَمَاذِجُ مِنَ الرِّضَا فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَسَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَثَرُهُ فِي وَاقِعِنَا.
وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ، وَمِنْهُ نَسْتَمِدُّ الْعَوْنَ وَالسَّدَادَ.

⚫ الْعُنْصُرُ الْأَوَّلُ
حَقِيقَةُ الرِّضَا: تَعرِيفُهُ، وَبَيَانُ مَنزِلَتِهِ، وَحُدُودُهُ الشَّرعِيَّةُ
الرِّضَا فِي اللُّغَةِ يَدُورُ مَعْنَاهُ حَوْلَ ضِدِّ السَّخَطِ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى الْقَنَاعَةِ وَالْمُوَافَقَةِ وَالْقَبُولِ.
وَأَمَّا فِي الِاصْطِلَاحِ الشَّرْعِيِّ، فَهُوَ مَقَامٌ إِيمَانِيٌّ رَفِيعٌ، وَحَقِيقَةٌ قَلْبِيَّةٌ سَامِيَةٌ. وَقَدْ عَبَّرَ عَنْهُ السَّلَفُ الصَّالِحُ بِعِبَارَاتٍ جَامِعَةٍ كَاشِفَةٍ عَنْ جَوْهَرِهِ.
● تَعْرِيفُ الرِّضَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ:
• قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- مُوَضِّحًا مَكَانَتَهُ وَفَضْلَهُ: "الرِّضَا بَابُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ، وَجَنَّةُ الدُّنْيَا، وَمُسْتَرَاحُ الْعَابِدِينَ، وَقُرَّةُ عُيُونِ الْمُشْتَاقِينَ، وَمَنْ مَلَأَ قَلْبَهُ مِنَ الرِّضَا بِالْقَدَرِ، مَلَأَ اللَّهُ صَدْرَهُ غِنًى وَأَمْنًا، وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِمَحَبَّتِهِ وَالْإِنَابَةِ إِلَيْهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ". فَهَذَا التَّعْرِيفُ يُجْلِي مَنْزِلَةَ الرِّضَا بِوَصْفِهِ الْغَايَةَ الَّتِي يَجِدُ فِيهَا الْعَابِدُ رَاحَتَهُ، وَالْمُشْتَاقُ إِلَى رَبِّهِ قُرَّةَ عَيْنِهِ.
• وَقَالَ عَطَاءٌ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: "الرِّضَا سُكُونُ الْقَلْبِ بِاخْتِيَارِ اللَّهِ لِلْعَبْدِ، وَأَنَّ مَا اخْتَارَهُ اللَّهُ لَهُ هُوَ الْأَحْسَنُ فَيَرْضَى بِهِ". وَهَذَا يُبْرِزُ رُكْنًا أَسَاسِيًّا فِي الرِّضَا، وَهُوَ الثِّقَةُ الْمُطْلَقَةُ بِحِكْمَةِ اللَّهِ وَتَدْبِيرِهِ.
• وَسُئِلَ أَبُو عُثْمَانَ الْبِيْكَنْدِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- عَنِ الرِّضَا فَقَالَ: "مَنْ لَمْ يَنْدَمْ عَلَى مَا فَاتَ مِنَ الدُّنْيَا وَلَمْ يَتَأَسَّفْ عَلَيْهَا". وَهَذَا يُشِيرُ إِلَى الثَّمَرَةِ الْعَمَلِيَّةِ لِلرِّضَا فِي الْقَلْبِ، وَهِيَّ السَّلَامَةُ مِنْ أَسْرِ الْحَسْرَةِ عَلَى الْفَائِتِ.
• وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: "مَنْ رَضِيَ بِقَضَاءِ اللَّهِ لَمْ يُسْخِطْهُ أَحَدٌ، وَمَنْ قَنِعَ بِعَطَائِهِ لَمْ يَدْخُلْهُ حَسَدٌ". وَهَذَا يُبَيِّنُ الْأَثَرَ الِاجْتِمَاعِيَّ وَالنَّفْسِيَّ لِلرِّضَا، فَهُوَ وِقَايَةٌ مِنْ سَخَطِ الْخَلْقِ وَمَرَضِ الْحَسَدِ.
● التَّأْصِيلُ الْقُرْآنِيُّ لِمَقَامِ الرِّضَا:
لَقَدْ أَكْثَرَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ مِنْ ذِكْرِ الرِّضَا وَبَيَانِ فَضْلِهِ فِي مَوَاضِعَ عَدِيدَةٍ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى سُمُوِّ مَنْزِلَتِهِ فِي مِيزَانِ الشَّرِيعَةِ. قَالَ تَعَالَى:
• ﴿رَّضِیَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُوا۟ عَنۡهُۚ﴾ [المائدة: ١١٩]. هَذَا هُوَ مُنْتَهَى الْأَمَلِ وَغَايَةُ السُّؤْلِ: أَنْ يَرْضَى اللَّهُ عَنِ الْعَبْدِ فَيَرْضَى الْعَبْدُ عَنْ رَبِّهِ.
• ﴿لَّقَدۡ رَضِیَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ﴾ [الفتح: ١٨]. بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ كَانَتْ مَيْدَانًا لِنَيْلِ هَذَا الشَّرَفِ الْعَظِيمِ.
• ﴿وَلَسَوۡفَ یُعۡطِیكَ رَبُّكَ فَتَرۡضَىٰۤ﴾ [الضحى: ٥]. وَهُوَ وَعْدٌ نَبَوِيٌّ كَرِيمٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ كُلُّ مُؤْمِنٍ، أَنْ يَكُونَ عَطَاءُ اللَّهِ لَهُ مَقْرُونًا بِالرِّضَا التَّامِّ.
• ﴿ٱرۡجِعِیۤ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةࣰ مَّرۡضِيَّةࣰ﴾ [الفجر: ٢٨]. هَذِهِ هِيَّ خَاتِمَةُ النَّفْسِ الْمُطْمَئِنَّةِ، تَعُودُ إِلَى رَبِّهَا رَاضِيَةً بِمَا قَدَّمَتْ، مَرْضِيَّةً بِمَا نَالَتْ.
• ﴿وَإِن تَشۡكُرُوا۟ يَرۡضَهُ لَكُمۡۗ﴾ [الزمر: ٧]، وَفِي هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الشُّكْرَ طَرِيقٌ مُوصِلٌ إِلَى رِضَا اللَّهِ.
• ﴿إِذَا تَرَٰضَوۡا۟ بَیۡنَهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ﴾ [النساء: ٢٤]، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرِّضَا هُوَ أَسَاسُ التَّعَامُلِ بَيْنَ النَّاسِ.
فَمَادَّةُ (ر ض ي) فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ تَدُورُ حَوْلَ أَعْلَى مَرَاتِبِ الْقَبُولِ وَالثَّوَابِ الْإِلَهِيِّ، وَحَوْلَ سَكِينَةِ النَّفْسِ وَطُمَأْنِينَتِهَا، مِمَّا يُؤَكِّدُ أَنَّ الرِّضَا هُوَ ثَمَرَةُ الْإِيمَانِ الْحَقِّ، وَعَلَامَةُ الْيَقِينِ الصَّادِقِ.
● الرِّضَا لَيْسَ اسْتِسْلَامًا سَلْبِيًّا:
مِنَ الْأَهَمِّيَّةِ بِمَكَانٍ، وَنَحْنُ فِي مَعْرِضِ تَعْرِيفِ الرِّضَا، أَنْ نُزِيلَ مَا قَدْ يَعْلَقُ بِالْأَذْهَانِ مِنْ لَبْسٍ. فَالرِّضَا الشَّرْعِيُّ لَيْسَ اسْتِسْلَامًا لِوَاقِعٍ مَرِيرٍ يُمْكِنُ تَغْيِيرُهُ، وَلَيْسَ تَوَاكُلًا وَتَرْكًا لِلْأَسْبَابِ، وَلَيْسَ انْهِزَامًا أَمَامَ الصِّعَابِ. كَلَّا! بَلْ هُوَ قَبُولٌ وَطُمَأْنِينَةٌ وَسُكُونٌ بَعْدَ اسْتِفْرَاغِ الْوُسْعِ، وَبَذْلِ الْجُهْدِ، وَالْأَخْذِ بِكُلِّ سَبَبٍ مَشْرُوعٍ لِتَحْقِيقِ الْهَدَفِ. فَالَّذِي يَسْعَى لِطَلَبِ الرِّزْقِ فِي مَنَاكِبِ الْأَرْضِ، أَوْ يَطْرُقُ أَبْوَابَ الْعِلَاجِ لِمَرَضٍ أَلَمَّ بِهِ، أَوْ يَجْتَهِدُ فِي دَفْعِ ضَرَرٍ عَنْهُ أَوْ عَنْ غَيْرِهِ، هُوَ فِي عِبَادَةٍ، وَهُوَ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ.
أَمَّا الرِّضَا فَيَأْتِي بَعْدَ أَنْ يَبْذُلَ كُلَّ مَا فِي وُسْعِهِ، ثُمَّ لَا يَتَحَقَّقُ مُرَادُهُ، فَعِنْدَئِذٍ يَسْكُنُ قَلْبُهُ، وَتَرْضَى نَفْسُهُ، وَيُوقِنُ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ. هَذَا هُوَ الْفَرْقُ الْجَوْهَرِيُّ بَيْنَ الرِّضَا الَّذِي هُوَ مَقَامٌ عَالٍ، وَالِاسْتِسْلَامِ الَّذِي هُوَ ضَعْفٌ وَخَوَرٌ.

⚫ الْعُنْصُرُ الثَّانِي
ثَمَرَاتُ الرِّضَا فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ: بَينَ الأَمنِ النَّفسِيِّ وَالسَّعَادَةِ الأَبَدِيَّةِ
إِذَا تَمَكَّنَ الرِّضَا مِنْ قَلْبِ الْعَبْدِ، أَوْرَثَهُ ثَمَرَاتٍ يَانِعَاتٍ فِي عَاجِلِ دُنْيَاهُ وَآجِلِ أُخْرَاهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُسْتَغْرَبٍ، فَالرِّضَا كَمَا قَالَ الْحَارِثُ الْمُحَاسِبِيُّ: "ثَمَرَةٌ مِنْ ثِمَارِ الْمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ، وَعَلَامَةٌ عَلَى حُسْنِ الظَّنِّ بِهِ". وَهَذِهِ الثَّمَرَاتُ يُمْكِنُ إِجْمَالُهَا فِي الْآتِي:
● أَوَّلًا: ذَوْقُ حَلَاوَةِ الْإِيمَانِ وَنَيْلُ مَحَبَّةِ اللَّهِ:
الرِّضَا هُوَ الْبَابُ الَّذِي يَذُوقُ مِنْهُ الْعَبْدُ طَعْمَ الْإِيمَانِ الْحَقِيقِيِّ، كَمَا قَالَ الْهَادِي الْبَشِيرُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا" . إِنَّهَا مُعَادَلَةٌ إِلَهِيَّةٌ دَقِيقَةٌ: لَا يَجِدُ الْمَرْءُ لَذَّةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَرْضَى بِاللَّهِ رَبًّا مُدَبِّرًا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَمَنْهَجًا، وَبِمُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نَبِيًّا مُرْشِدًا. بَلْ إِنَّ اللَّهَ -تَعَالَى- قَدْ جَعَلَ رِضَاهُ عَنِ الْعَبْدِ مَرْهُونًا بِرِضَا الْعَبْدِ عَنْهُ، كَمَا قَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إِنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- يَقُولُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ بَيْنَ يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ، فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى، وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، فَيَقُولُ: أَلَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالُوا: يَا رَبِّ، وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي، فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا". إِنَّهُ النَّعِيمُ الْأَبَدِيُّ الَّذِي لَا يُوصَفُ، وَهُوَ ثَمَرَةُ الرِّضَا فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ.
● ثَانِيًا: السَّكِينَةُ وَالطُّمَأْنِينَةُ وَالْحَيَاةُ الطَّيِّبَةُ:
مِنْ ثَمَرَاتِ الرِّضَا الْعَاجِلَةِ أَنْ يُفِيضَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِ عَبْدِهِ بِالسَّكِينَةِ وَالطُّمَأْنِينَةِ، فَيَعِيشَ فِي جَنَّةٍ مُعَجَّلَةٍ قَبْلَ جَنَّةِ الْآخِرَةِ. هَذِهِ هِيَّ "الْحَيَاةُ الطَّيِّبَةُ" الَّتِي وَعَدَ بِهَا -سُبْحَانَهُ- عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحࣰا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنࣱ فَلَنُحۡیِیَنَّهُۥ حَیَوٰةࣰ طَیِّبَةࣰۖ وَلَنَجۡزِیَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعۡمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]. قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: "الْحَيَاةُ الطَّيِّبَةُ هِيَّ الرِّضَا وَالْقَنَاعَةُ". فَلَا يَجِدُ الْمَرْءُ طِيبَ الْعَيْشِ وَرَاحَةَ الْبَالِ فِي الْقُصُورِ وَالْمَتَاعِ، وَإِنَّمَا يَجِدُهَا فِي قَلْبٍ رَاضٍ قَانِعٍ، وَهُنَا يَكْمُنُ الْمَعْنَى الْعَمِيقُ لِقَوْلِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ" . وَقَوْلِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ" .
● ثَالِثًا: الْغِنَى الْحَقِيقِيُّ وَسَلَامَةُ الصَّدْرِ:
الْغِنَى لَيْسَ بِكَثْرَةِ الْمَالِ، بَلْ هُوَ غِنَى النَّفْسِ الَّذِي يَجْعَلُ صَاحِبَهَا يَشْعُرُ بِالِاكْتِفَاءِ وَالْعِزَّةِ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ. هَذَا الْغِنَى هُوَ ثَمَرَةٌ مُبَاشِرَةٌ لِلرِّضَا، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "ارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ" . وَالْقَلْبُ الرَّاضِي قَلْبٌ سَلِيمٌ، قَدْ نَجَا مِنْ أَمْرَاضِ الْحَسَدِ وَالْغِلِّ وَالطَّمَعِ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: "مِنْ أَكْثَرِ مَوَاهِبِ اللَّهِ لِعِبَادِهِ وَأَعْظَمِهَا خَطَرًا: الْقَنَاعَةُ، وَلَيْسَ شَيْءٌ أَرْوَحَ لِلْبَدَنِ مِنَ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ، وَالثِّقَةِ بِالْقِسْمِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْقَنَاعَةِ خَصْلَةٌ تُحْمَدُ إِلَّا الرَّاحَةُ، وَعَدَمُ الدُّخُولِ فِي مَوَاضِعِ السُّوءِ لِطَلَبِ الْفَضْلِ، لَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَى الْعَاقِلِ أَلَّا يُفَارِقَ الْقَنَاعَةَ عَلَى حَالَةٍ مِنَ الْأَحْوَالِ" .
● رَابِعًا: نَيْلُ مَعِيَّةِ اللَّهِ وَوِلَايَتِهِ الْخَاصَّةِ:
الْمُؤْمِنُ الرَّاضِي يُوقِنُ أَنَّ اللَّهَ مَعَهُ، وَهَذِهِ الْمَعِيَّةُ تَمْنَحُهُ أُنْسًا دَائِمًا وَقُوَّةً لَا تَنْقَطِعُ. إِنَّهُ يَشْعُرُ أَنَّ اللَّهَ يَتَوَلَّى أَمْرَهُ وَيُدَبِّرُ لَهُ شُؤُونَهُ، فَيَسْكُنُ قَلْبُهُ لِهَذَا التَّدْبِيرِ الْإِلَهِيِّ الْمُحْكَمِ. وَهَذَا الشُّعُورُ هُوَ عَيْنُ السَّعَادَةِ، وَغَايَةُ الطُّمَأْنِينَةِ، فَكَيْفَ يَخَافُ أَوْ يَحْزَنُ مَنْ كَانَ اللَّهُ -تَعَالَى- وَلِيَّهُ وَمُعِينَهُ؟! وَهَذَا مِصْدَاقُ قَوْلِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: "أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي".

⚫ الْعُنْصُرُ الثَّالِثُ
آفَةُ التَّبَاهِي وَالسَّخَطِ: حَقِيقَتُهَا، مَظَاهِرُهَا، وَالتَّحذِيرُ مِنهَا
عَلَى الضِّدِّ تَمَامًا مِنَ الرِّضَا، تَقِفُ آفَاتٌ خَطِيرَةٌ تَفْتِكُ بِالْقَلْبِ وَتُفْسِدُ الدِّينَ وَالدُّنْيَا، وَأَبْرَزُهَا: التَّبَاهِي وَالتَّفَاخُرُ، وَالسَّخَطُ وَالتَّضَجُّرُ. وَهُمَا وَجْهَانِ لِعُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ أَمْرَاضِ النُّفُوسِ.
● أَوَّلًا: ذَمُّ الْمُبَاهَاةِ وَالتَّفَاخُرِ:
الْمُبَاهَاةُ هِيَّ الْمُفَاخَرَةُ وَإِظْهَارُ مَا عِنْدَ الْإِنْسَانِ مِنْ مَالٍ أَوْ جَاهٍ أَوْ عِلْمٍ أَوْ نَسَبٍ بِقَصْدِ التَّعَاظُمِ عَلَى الْخَلْقِ. وَهِيَّ دَاءٌ عُضَالٌ يُنَافِي حَقِيقَةَ الْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ، إِذْ تَجْعَلُ الْعَبْدَ مُعْجَبًا بِنَفْسِهِ، مُغْتَرًّا بِعَطَاءِ رَبِّهِ، نَاسِيًا أَنَّ هَذِهِ النِّعَمَ هِيَّ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَحْدَهُ. يَقُولُ الرَّاغِبُ الْأَصْفَهَانِيُّ مُحَلِّلًا هَذَا الْمَرَضَ: "الْفَخْرُ هُوَ الْمُبَاهَاةُ بِالْأَشْيَاءِ الْخَارِجَةِ عَنِ الْإِنْسَانِ... فَمَنْ نَظَرَ بِعَيْنِ عَقْلِهِ وَانْحَسَرَ عَنْهُ قِنَاعُ جَهْلِهِ عَلِمَ أَنَّ أَعْرَاضَ الدُّنْيَا عَارِيَّةٌ مُسْتَرَدَّةٌ، لَا يُؤْمَنُ فِي كُلِّ سَاعَةٍ أَنْ تُسْتَرْجَعَ، فَالْمُبَاهِي بِهَا مُبَاهَاةٌ بِغَيْرِ ثَرَاهُ". وَيَقُولُ الْحَارِثُ الْمُحَاسِبِيُّ: "وَفُضُولُ اللِّبَاسِ يَخْرُجُ إِلَى الْمُبَاهَاةِ وَالْخُيَلَاءِ".
وَقَدْ حَذَّرَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ مِنْ هَذَا الْخُلُقِ الذَّمِيمِ فِي آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ، مِنْهَا:
• قَوْلُهُ -تَعَالَى- وَاصِفًا حَالَ الْمَغْرُورِينَ: ﴿أَلۡهَىٰكُمُ ٱلتَّكَاثُرُ * حَتَّىٰ زُرۡتُمُ ٱلۡمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: ١-٢]. "أَلْهَاكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ الْمُبَاهَاةُ بِكَثْرَةِ الْمَالِ وَالْعَدَدِ عَنْ طَاعَةِ رَبِّكُمْ". فَهُوَ إِلْهَاءٌ عَنِ الْغَايَةِ الْعُظْمَى، وَاشْتِغَالٌ بِالْفَانِي عَنِ الْبَاقِي. < تفسير الطبري >
• وَقَوْلُهُ -سُبْحَانَهُ- عَنْ صَاحِبِ الْجَنَّتَيْنِ: ﴿وَكَانَ لَهُۥ ثَمَرࣱ فَقَالَ لِصَٰحِبِهِۦ وَهُوَ یُحَاوِرُهُۥۤ أَنَا۠ أَكۡثَرُ مِنكَ مَالࣰا وَأَعَزُّ نَفَرࣰا﴾ [الكهف: ٣٤]، وَكَانَتْ عَاقِبَتُهُ الْهَلَاكَ لَمَّا اغْتَرَّ بِمَظَاهِرِ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ.
• وَأَمَّا تَوْصِيَةُ لُقْمَانَ لِابْنِهِ فَكَانَتْ جَامِعَةً مَانِعَةً: ﴿وَلَا تُصَعِّرۡ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمۡشِ فِی ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨]. فَالْمُخْتَالُ: هُوَ الْمُعْجَبُ بِنَفْسِهِ، وَالْفَخُورُ: هُوَ مَنْ يُعَدِّدُ نِعَمَ اللَّهِ عَلَى سَبِيلِ الْبَطَرِ وَالِاسْتِطَالَةِ عَلَى النَّاسِ.
وَقَدْ بَلَغَتْ خُطُورَةُ هَذَا الدَّاءِ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- جَعَلَهُ مَظِنَّةَ الْهَلَاكِ، حَتَّى فِي أُمُورِ الدِّينِ وَالْعِبَادَةِ، إِنْ دَاخَلَهَا رِيَاءٌ وَطَلَبٌ لِلثَّنَاءِ. فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ»، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ» .
وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ طَعَامِ الْمُبَاهَاةِ وَالْمُبَارَاةِ، فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: "نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ طَعَامِ الْمُبَاهَاةِ، وَطَعَامِ الْمُتَبَارِيَيْنِ". (وَالْمُتَبَارِيَانِ: هُمَا الْمُتَعَارِضَانِ بِفِعْلِهِمَا، يُرِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَغْلِبَ صَاحِبَهُ فِي صَنِيعِ الطَّعَامِ وَنَحْوِهِ مُبَاهَاةً وَتَفَاخُرًا).
بَلْ حَذَّرَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ قَوْمٍ يَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ وَيُعَلِّمُونَهُ وَيَقْرَؤُونَهُ لَا لِوَجْهِ اللَّهِ، بَلْ لِيُقَالَ عَنْهُمْ، فَقَالَ: «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ وَيُعَلِّمُونَهُ وَيَقْرَؤُونَهُ فَيَقُولُونَ: قَدْ عَلِمْنَا وَقَرَأْنَا فَهَلْ أَحَدٌ خَيْرٌ مِنَّا فَهَلْ فِيهِمْ مِنْ خَيْرٍ؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أُولَئِكَ؟ قَالَ: «أُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ».
● ثَانِيًا: خُطُورَةُ السَّخَطِ وَعَاقِبَتُهُ:
السَّخَطُ هُوَ ضِدُّ الرِّضَا، وَهُوَ تَسَخُّطُ الْقَلْبِ عَلَى أَقْدَارِ اللَّهِ، وَعَدَمُ قَبُولِ مَا قَسَمَهُ لِعِبَادِهِ.
وَهُوَ دَاءٌ مُهْلِكٌ، لِأَنَّهُ اعْتِرَاضٌ عَلَى حِكْمَةِ اللَّهِ وَتَدْبِيرِهِ، وَسُوءُ ظَنٍّ بِهِ -سُبْحَانَهُ-. وَقَدْ قَرَنَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الرِّضَا بِالثَّوَابِ، وَالسَّخَطَ بِالْعِقَابِ، فِي قَاعِدَةٍ عَادِلَةٍ، فَقَالَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: «إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ» . فَانْظُرُوا -عِبَادَ اللَّهِ- إِلَى عَدْلِ اللَّهِ: مَنْ رَضِيَ بِقَضَائِهِ نَالَ رِضَاهُ، وَمَنْ سَخِطَ اسْتَحَقَّ سَخَطَهُ! وَأَيُّ حَسْرَةٍ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُصَابَ الْعَبْدُ بِبَلَاءٍ، فَيَجْزَعَ وَيَتَسَخَّطَ، فَيَجْمَعَ عَلَيْهِ بَيْنَ أَلَمِ الْبَلَاءِ فِي الدُّنْيَا وَحِرْمَانِ الْأَجْرِ، وَسَخَطِ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ؟!
وَلَقَدْ أَدْرَكَ الصَّحَابَةُ -رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ- هَذَا الْمَعْنَى، فَهَذَا ابْنُ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ بِقِسْطِهِ وَعَدْلِهِ جَعَلَ الرَّوْحَ وَالْفَرَحَ فِي الْيَقِينِ وَالرِّضَا، وَجَعَلَ الْهَمَّ وَالْحُزْنَ فِي الشَّكِّ وَالسَّخَطِ".
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- مُعَزِّيًا رَجُلًا مَاتَ وَلَدُهُ، وَمُبَيِّنًا هَذِهِ الْحَقِيقَةَ: "إِنْ صَبَرْتَ جَرَى عَلَيْكَ الْقَدَرُ، وَأَنْتَ مَأْجُورٌ، وَإِنْ جَزِعْتَ جَرَى عَلَيْكَ الْقَدَرُ وَأَنْتَ مَأْثُومٌ". فَالْقَدَرُ نَافِذٌ لَا مَحَالَةَ، لَكِنْ شَأْنُ الْمُؤْمِنِ أَنْ يُقَابِلَ هَذَا الْقَدَرَ بِالصَّبْرِ وَالرِّضَا، فَيَكُونَ لَهُ الْأَجْرُ وَالثَّوَابُ، لَا أَنْ يُقَابِلَهُ بِالْجَزَعِ وَالسَّخَطِ فَيَنْقَلِبَ عَلَيْهِ وِزْرًا وَإِثْمًا.
⚫ الْعُنْصُرُ الرَّابِعُ
مَنزِلَةُ الرِّضَا بِأَقدَارِ اللهِ، وَمَوقِفُ المُؤمِنِ مِنَ السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ
هَذِهِ هِيَّ الذُّرْوَةُ، وَهَذَا هُوَ الْمَحَكُّ الْحَقِيقِيُّ لِلْإِيمَانِ! الرِّضَا بِاللَّهِ رَبًّا لَا يَكْتَمِلُ إِلَّا بِالرِّضَا بِأَقْدَارِهِ كُلِّهَا، خَيْرِهَا وَشَرِّهَا، حُلْوِهَا وَمُرِّهَا. وَهَذَا الْمَقَامُ هُوَ الَّذِي يُمَيِّزُ الْمُؤْمِنَ الصَّادِقَ مِنَ الْمُدَّعِي.
● يَقِينُ الْمُؤْمِنِ بِأَنَّ قَضَاءَ اللَّهِ خَيْرٌ كُلُّهُ:
إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُوقِنُ يَقِينًا جَازِمًا لَا يَتَزَعْزَعُ أَنَّ اللَّهَ -تَعَالَى- أَرْحَمُ بِهِ مِنْ أُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَأَنَّهُ لَا يَقْضِي لَهُ قَضَاءً إِلَّا كَانَ الْخَيْرُ فِيهِ. وَهَذَا مَا أَرْشَدَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي قَوْلِهِ: "عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ" . فَالْمُؤْمِنُ الرَّاضِي يَتَلَقَّى النِّعْمَةَ بِالشُّكْرِ، فَيَكُونُ لَهُ أَجْرُ الشَّاكِرِينَ، وَيَتَلَقَّى الْبَلَاءَ بِالصَّبْرِ وَالرِّضَا، فَيَكُونُ لَهُ أَجْرُ الصَّابِرِينَ، فَهُوَ فِي كِلَا الْحَالَيْنِ عَلَى خَيْرٍ عَظِيمٍ.
هَذِهِ النَّظْرَةُ الْإِيمَانِيَّةُ الْعَمِيقَةُ هِيَّ الَّتِي تُرِيحُ الْقَلْبَ، وَتَشْرَحُ الصَّدْرَ، وَتَجْعَلُ الْمَرْءَ فِي سَكِينَةٍ دَائِمَةٍ، لِأَنَّهُ قَدْ فَوَّضَ أَمْرَهُ إِلَى مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، وَعَلِمَ أَنَّهُ حَيْثُمَا تَوَجَّهَ بِهِ قَضَاءُ اللَّهِ، فَهُنَاكَ الْخَيْرُ. وَهَذَا هُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-: "مَنِ اتَّكَلَ عَلَى حُسْنِ اخْتِيَارِ اللَّهِ -تَعَالَى-، لَمْ يَتَمَنَّ غَيْرَ مَا اخْتَارَ اللَّهُ لَهُ".
● تَمْيِيزُ الرِّضَا عَنْ عَدَمِ الْإِحْسَاسِ بِالْأَلَمِ:
تَنْبِيهٌ دَقِيقٌ لَا بُدَّ مِنْهُ: لَيْسَ شَرْطُ الرِّضَا أَنْ يَفْقِدَ الْإِنْسَانُ إِحْسَاسَهُ بِالْأَلَمِ، أَوْ أَنْ يَكُونَ بَلِيدَ الشُّعُورِ بِالْمُصَائِبِ. كَلَّا، فَالْحُزْنُ وَالْأَلَمُ عَلَى الْمُصِيبَةِ فِطْرَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ لَا تُنَافِي الرِّضَا، وَقَدْ بَكَى النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى وَلَدِهِ إِبْرَاهِيمَ وَقَالَ: «إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ». فَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ هُوَ التَّسَخُّطُ بِاللِّسَانِ كَالدُّعَاءِ بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ، أَوْ بِالْقَلْبِ كَسُوءِ الظَّنِّ بِاللَّهِ، أَوْ بِالْجَوَارِحِ كَلَطْمِ الْخُدُودِ وَشَقِّ الْجُيُوبِ. أَمَّا دَمْعُ الْعَيْنِ وَحُزْنُ الْقَلْبِ وَقَوْلُ اللِّسَانِ مَا يُرْضِي الرَّبَّ، فَذَلِكَ مِنْ كَمَالِ الْبَشَرِيَّةِ وَصَادِقِ الْإِيمَانِ.
● نَمَاذِجُ سَاطِعَةٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ:
• هَذَا الْفَارُوقُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- يَكْتُبُ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- كَلِمَةً جَامِعَةً هِيَّ دُسْتُورُ الرِّضَا: "أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ الْخَيْرَ كُلَّهُ فِي الرِّضَا، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَرْضَى وَإِلَّا فَاصْبِرْ". إِنَّهُ يُعَلِّقُ الْخَيْرَ كُلَّهُ بِالرِّضَا، ثُمَّ يَجْعَلُ الصَّبْرَ مَلَاذًا لِمَنْ عَجَزَ عَنْ بُلُوغِ مَقَامِ الرِّضَا، وَهَذَا مِنْ فِقْهِهِ الدَّقِيقِ.
• وَهَذِهِ صُورَةٌ مِنَ الرِّضَا الْعَجِيبِ: لَمَّا نَزَلَ الْمَوْتُ بِحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- جَزِعَ جَزَعًا شَدِيدًا، فَقِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: "مَا أَبْكِي أَسَفًا عَلَى الدُّنْيَا، بَلِ الْمَوْتُ أَحَبُّ إِلَيَّ، وَلَكِنِّي لَا أَدْرِي عَلَى مَا أَقْدَمُ عَلَى رِضًا أَمْ عَلَى سَخَطٍ؟" . إِنَّهُ لَا يَخْشَى الْمَوْتَ، بَلْ يَخْشَى أَنْ لَا يَكُونَ قَدْ قَدِمَ عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَنْهُ رَاضٍ. إِنَّهُ قَلَقُ الْمَقَامِ الْأَعْلَى، قَلَقُ مَنْ تَمَامِ تَحْقِيقِ الْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ.
• وَأَمَّا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فَقَدْ ضُرِبَ بِهِ الْمَثَلُ فِي الرِّضَا. فَبَعْدَ أَنْ كُفَّ بَصَرُهُ، وَجَاءَهُ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ الدُّعَاءَ، قَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّائِبِ: يَا عَمِّ، أَنْتَ تَدْعُو لِلنَّاسِ فَلَوْ دَعَوْتَ لِنَفْسِكَ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْكَ بَصَرَكَ. فَتَبَسَّمَ سَعْدٌ وَقَالَ كَلِمَتَهُ الْخَالِدَةَ الَّتِي سَارَتْ بِهَا الرُّكْبَانُ: "يَا بُنَيَّ قَضَاءُ اللَّهِ -سُبْحَانَهُ- عِنْدِي أَحْسَنُ مِنْ بَصَرِي" . لَقَدْ رَأَى بِلَذَّةِ الرِّضَا وَالتَّسْلِيمِ لِقَضَاءِ اللَّهِ مَا هُوَ أَلَذُّ وَأَحْسَنُ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةِ الْبَصَرِ، فَارْتَضَى بِقَدَرِ اللَّهِ وَفَضَّلَهُ عَلَى حَظِّ نَفْسِهِ مِنَ الدُّنْيَا.

⚫ الْعُنْصُرُ الْخَامِسُ
الرِّضَا بِالرِّزقِ: غِنَى النَّفْسِ، وَبَرَكَةُ الْقَنَاعَةِ، وَشُكْرُ النِّعْمَةِ
مِنْ أَهَمِّ مَجَالَاتِ الرِّضَا وَأَكْثَرِهَا الْتِصَاقًا بِحَيَاةِ النَّاسِ الْيَوْمِيَّةِ: الرِّضَا بِالرِّزْقِ الَّذِي قَسَمَهُ اللَّهُ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَالَ فِتْنَةٌ، وَالنَّفْسَ مُولَعَةٌ بِحُبِّهِ وَالتَّكَاثُرِ فِيهِ.
● حَقِيقَةُ الْغِنَى وَالْفَقْرِ:
اعْلَمُوا -عِبَادَ اللَّهِ- أَنَّ تَفَاوُتَ النَّاسِ فِي أَرْزَاقِهِمْ هُوَ مُقْتَضَى حِكْمَةِ اللَّهِ، لِيَقُومُوا بِمَصَالِحِ دُنْيَاهُمْ، وَلِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا، أَيْ لِيُسَخِّرَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي قَضَاءِ الْحَوَائِجِ وَالْمَصَالِحِ. قَالَ -تَعَالَى-: ﴿أَهُمۡ يَقۡسِمُونَ رَحۡمَتَ رَبِّكَۚ نَحۡنُ قَسَمۡنَا بَيۡنَهُم مَّعِيشَتَهُمۡ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَرَفَعۡنَا بَعۡضَهُمۡ فَوۡقَ بَعۡضࣲ دَرَجَـٰتࣲ لِّیَتَّخِذَ بَعۡضُهُم بَعۡضࣰا سُخۡرِیࣰّاۗ وَرَحۡمَتُ رَبِّكَ خَيۡرࣱ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢]. فَلَيْسَ تَفَاوُتُ الْأَرْزَاقِ دَلِيلًا عَلَى مَحَبَّةِ اللَّهِ لِلْغَنِيِّ وَبُغْضِهِ لِلْفَقِيرِ، فَرُبَّ فَقِيرٍ مُحْتَقَرٍ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ هُوَ أَعْظَمُ قَدْرًا عِنْدَ اللَّهِ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ. وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّ الْعِبْرَةَ بِغِنَى النَّفْسِ، لَا بِغِنَى الْمَالِ، فَقَالَ: "لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ" .
● الْعِلَاجُ النَّبَوِيُّ لِدَاءِ الطَّمَعِ:
إِنَّ طَمَعَ الْإِنْسَانِ وَجَشَعَهُ لَا حَدَّ لَهُ، وَقَدْ صَوَّرَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ذَلِكَ أَبْلَغَ تَصْوِيرٍ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: "لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى ثَالِثًا، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ" .
إِنَّهَا صُورَةٌ صَادِقَةٌ لِنَهَمِ الْإِنْسَانِ، وَعِلَاجُهَا فِي التَّوْبَةِ وَالرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ، وَفِي النَّظَرِ إِلَى مَنْ هُوَ أَقَلُّ مِنَّا فِي أُمُورِ الدُّنْيَا، كَمَا فِي الْحَدِيثِ: "انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ" .
● بَيْنَ شُكْرِ النِّعْمَةِ وَالتَّفَاخُرِ بِهَا:
إِنَّ مِنْ أَخْطَرِ مَظَاهِرِ السَّخَطِ وَالتَّبَاهِي فِي عَصْرِنَا أَنْ يُحَوِّلَ الْإِنْسَانُ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِلَى مَادَّةٍ لِلِاسْتِعْرَاضِ وَالتَّفَاخُرِ. فَتَرَاهُ يُخْرِجُ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ زَوْجَةٍ وَأَبْنَاءٍ وَمَسْكَنٍ وَمَأْكَلٍ وَمَرْكَبٍ، فِي مَحَافِلِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ، لَا شُكْرًا لِلَّهِ، وَلَا اعْتِرَافًا بِفَضْلِهِ، بَلْ طَلَبًا لِلْإِعْجَابِ وَإِثَارَةً لِلْحَسَدِ. وَهَذَا قَلْبٌ لِحَقَائِقِ النِّعَمِ، وَخِيَانَةٌ لِمَسْؤُولِيَّتِهَا، وَطَرِيقٌ إِلَى زَوَالِهَا.
قَالَ -تَعَالَى-: ﴿ثُمَّ لَتُسۡءَلُنَّ يَوۡمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]، فَهَذَا السُّؤَالُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ عَنْ أَصْلِ التَّمَتُّعِ بِالنِّعْمَةِ، بَلْ عَنِ الْقِيَامِ بِحَقِّهَا وَشُكْرِهَا، دُونَ أَنْ تَكُونَ لِلْبَطَرِ وَالِاسْتِطَالَةِ عَلَى عِبَادَ اللَّهِ. وَالْمُؤْمِنُ حَقًّا هُوَ مَنْ إِذَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَتَرَ النِّعْمَةَ وَشَكَرَهَا، وَأَدَّى حَقَّ اللَّهِ فِيهَا، وَلَمْ يَجْعَلْهَا وَسِيلَةً لِلْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ.
● ثَمَرَةُ الْقَنَاعَةِ:
الْقَنَاعَةُ هِيَّ أَنْ يَرْضَى الْإِنْسَانُ بِمَا لَدَيْهِ، وَهِيَّ كَنْزٌ لَا يَفْنَى. يَقُولُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ" . فَانْظُرُوا كَيْفَ قَرَنَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْفَلَاحَ بِثَلَاثَةٍ: الْإِسْلَامِ، وَالْكَفَافِ فِي الرِّزْقِ، وَالْقَنَاعَةِ بِهِ. فَلَيْسَتِ السَّعَادَةُ فِي الْكَثْرَةِ، بَلْ فِي الْبَرَكَةِ وَالرِّضَا، وَرُبَّ قَلِيلٍ يُغْنِي، وَكَثِيرٍ لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعِ.
⚫ الْعُنْصُرُ السَّادِسُ
نَمَاذِجُ مِنَ الرِّضَا وَأَثَرُهُ فِي وَاقِعِنَا المُعَاصِرِ
إِنَّ سِجِلَّ سَلَفِنَا الصَّالِحِ حَافِلٌ بِالنَّمَاذِجِ الْمُشْرِقَةِ الَّتِي جَسَّدَتْ مَعْنَى الرِّضَا فِي أَبْهَى صُوَرِهِ، مِمَّا يُشَكِّلُ لَنَا نِبْرَاسًا نَقْتَدِي بِهِ.
● النَّمُوذَجُ الْأَوَّلُ: رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قِمَّةُ الرِّضَا وَالزُّهْدِ:
وَهُوَ الْقُدْوَةُ الْعُظْمَى فِي هَذَا الْبَابِ، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: اضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى حَصِيرٍ، فَأَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ، جَعَلْتُ أَمْسَحُ جَنْبَهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا آذَنْتَنَا حَتَّى نَبْسُطَ لَكَ عَلَى الْحَصِيرِ شَيْئًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَا لِي وَلِلدُّنْيَا، مَا أَنَا وَالدُّنْيَا، إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا، كَرَاكِبٍ ظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا" . إِنَّهُ الرِّضَا الْكَامِلُ عَنِ اللَّهِ، وَالزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ، وَالنَّظَرُ إِلَيْهَا عَلَى أَنَّهَا مَحَطَّةٌ عَابِرَةٌ فِي طَرِيقِ الْآخِرَةِ.
● النَّمُوذَجُ الثَّانِي: قِصَّةُ الْأَرْمَلَةِ وَطِفْلِهَا (دَرْسٌ فِي الرِّضَا الْعَمَلِيِّ):
يُحْكَى أَنَّ أَرْمَلَةً فَقِيرَةً عَاشَتْ مَعَ طِفْلِهَا الصَّغِيرِ فِي حُجْرَةٍ صَغِيرَةٍ فَوْقَ سَطْحِ أَحَدِ الْمَنَازِلِ حَيَاةً مُتَوَاضِعَةً فِي ظُرُوفٍ صَعْبَةٍ، لَيْسَ لَهَا سَقْفٌ. وَفِي لَيْلَةٍ مُمْطِرَةٍ، ابْتَلَّتِ الْأُمُّ وَطِفْلُهَا، فَأَسْرَعَتِ الْأُمُّ إِلَى بَابِ الْغُرْفَةِ الْخَشَبِيِّ فَخَلَعَتْهُ وَوَضَعَتْهُ مَائِلًا عَلَى أَحَدِ الْجُدْرَانِ، وَأَخْفَتْ طِفْلَهَا خَلْفَهُ لِتَحْجُبَ عَنْهُ سَيْلَ الْمَطَرِ الْمُنْهَمِرِ. فَنَظَرَ الطِّفْلُ إِلَى أُمِّهِ فِي سَعَادَةٍ بَرِيئَةٍ، وَقَدْ عَلَتْ وَجْهَهُ ابْتِسَامَةُ الرِّضَا وَقَالَ: تُرَى مَاذَا يَفْعَلُ الْفُقَرَاءُ الَّذِينَ لَيْسَ عِنْدَهُمْ بَابٌ حِينَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمُ الْمَطَرُ؟! لَقَدْ شَعَرَ الصَّغِيرُ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ أَنَّهُ مِنَ الْأَثْرِيَاءِ، لِأَنَّ لَدَيْهِمْ بَابًا! هَذِهِ الْقِصَّةُ وَإِنْ كَانَتْ بَسِيطَةً، إِلَّا أَنَّهَا تَحْمِلُ مَعْنًى عَمِيقًا: وَهُوَ أَنَّ الرِّضَا وَالسَّعَادَةَ لَيْسَا بِكَثْرَةِ مَا نَمْلِكُ، وَلَكِنْ بِنَظْرَتِنَا إِلَى مَا نَمْلِكُ. فَالْمَرْءُ إِذَا رَضِيَ بِمَا عِنْدَهُ، وَرَأَى نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ فِيهِ، أَصْبَحَ غَنِيًّا بِهَا، وَالْتَفَتَ إِلَى مَنْ هُمْ دُونَهُ فَازْدَادَ شُكْرًا.
● أَثَرُ الرِّضَا عَلَى الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ الْمُعَاصِرِ:
في زَمَنِنَا هَذَا، حَيْثُ يَتَعَرَّضُ الْإِنْسَانُ لِوَابِلٍ مِنْ صُوَرِ الْبَذَخِ وَالْمِثَالِيَّةِ الزَّائِفَةِ عَبْرَ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ، وَحَيْثُ أَصْبَحَتِ الْمُقَارَنَاتُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ سِمَةَ الْعَصْرِ، تَبْرُزُ أَهَمِّيَّةُ تَحْصِيلِ مَقَامِ الرِّضَا كَضَرُورَةٍ نَفْسِيَّةٍ وَاجْتِمَاعِيَّةٍ.
فَالرِّضَا يُحَصِّنُ قَلْبَ الْمُؤْمِنِ مِنَ الِانْهِيَارِ أَمَامَ ضُغُوطِ الْحَيَاةِ، وَيُحَرِّرُهُ مِنْ عُبُودِيَّةِ الْمَظَاهِرِ، وَيَجْعَلُهُ يَعِيشُ حَيَاةً مُتَوَازِنَةً، يَسْعَى لِآخِرَتِهِ، وَلَا يَنْسَى نَصِيبَهُ مِنَ الدُّنْيَا، وَلَكِنْ دُونَ أَنْ تَكُونَ الدُّنْيَا هَمَّهُ الْأَكْبَرَ وَشُغْلَهُ الشَّاغِلَ.
فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَّ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ» . فَالْوَصْفَةُ النَّبَوِيَّةُ لِلسَّعَادَةِ وَالطُّمَأْنِينَةِ وَاضِحَةٌ جَلِيَّةٌ: أَنْ تَكُونَ الْآخِرَةُ هِيَّ الْهَمَّ الْأَكْبَرَ، وَعِنْدَهَا تَأْتِي الدُّنْيَا صَاغِرَةً رَاغِمَةً، وَيَمْتَلِئُ الْقَلْبُ غِنًى، وَيَتَجَمَّعُ الشَّمْلُ.
⚫ الْخَاتِمَةُ:
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ عِبَادَ اللَّهِ:
إِنَّ الرِّضَا هُوَ كَنْزُ الْإِيمَانِ، وَسِرُّ السَّعَادَةِ، وَسَبِيلُ الطُّمَأْنِينَةِ. إِنَّهُ الْخِيَارُ الْإِيمَانِيُّ الَّذِي نَتَلَمَّسُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ، فِي رِزْقٍ كُتِبَ لَنَا أَوْ صُرِفَ عَنَّا، فِي صِحَّةٍ أَوْ سَقَمٍ، فِي فَرَحٍ أَوْ تَرَحٍ. فَلْنِثِقْ بِخِيَارِ اللَّهِ لَنَا، وَلْنَرْضَ بِقَضَائِهِ، وَلْنَعْلَمْ أَنَّ الْخَيْرَ كُلَّ الْخَيْرِ فِيمَا اخْتَارَهُ مَوْلَانَا.
وَهَكَذَا -يَا عِبَادَ اللَّهِ- نَكُونُ قَدْ طَوَّفْنَا بِقُلُوبِنَا وَعُقُولِنَا فِي رِيَاضِ الرِّضَا الْوَارِفَةِ الظِّلَالِ، وَوَقَفْنَا عَلَى مَعِينِهِ الْعَذْبِ الَّذِي لَا يَنْضَبُ، وَتَأَمَّلْنَا فِي حَقِيقَتِهِ وَثَمَرَاتِهِ وَآثَارِهِ الْجَلِيلَةِ عَلَى الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ. لَقَدْ رَأَيْنَا كَيْفَ أَنَّ الرِّضَا لَيْسَ مُجَرَّدَ كَلِمَةٍ تُقَالُ، وَلَا شُعُورًا عَابِرًا يَخْطُرُ عَلَى الْبَالِ، بَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ إِيمَانِيَّةٌ رَاسِخَةٌ، وَمَقَامٌ عُبُودِيٌّ سَامِقٌ، يَمْلَأُ الْقَلْبَ سَكِينَةً، وَالنَّفْسَ طُمَأْنِينَةً، وَالْحَيَاةَ هَنَاءً وَرَاحَةً.
لَقَدْ تَجَلَّى لَنَا أَنَّ الرِّضَا بَابُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ، وَمُسْتَرَاحُ الْعَابِدِينَ، وَقُرَّةُ عُيُونِ الْمُشْتَاقِينَ، وَأَنَّهُ ثَمَرَةُ الْمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ، وَحُسْنُ الظَّنِّ بِهِ، وَالثِّقَةُ الْمُطْلَقَةُ فِي تَدْبِيرِهِ وَحِكْمَتِهِ. وَأَنَّ الْغِنَى الْحَقِيقِيَّ لَيْسَ غِنَى الْمَالِ، بَلْ هُوَ غِنَى النَّفْسِ بِالْقَنَاعَةِ، وَالرِّضَا بِمَا قَسَمَ اللَّهُ، وَالْيَقِينُ بِأَنَّ مَا أَصَابَ الْعَبْدَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ.
وَلَقَدْ وَقَفْنَا كَذَلِكَ عَلَى الدَّاءِ الْعُضَالِ الَّذِي يُنَاقِضُ الرِّضَا، وَهُوَ دَاءُ السَّخَطِ وَالتَّبَاهِي وَالتَّفَاخُرِ، الَّذِي يُمَزِّقُ الْقَلْبَ قَلَقًا، وَيَمْلَؤُهُ حَسَدًا وَغَيْظًا، وَيَجْعَلُ صَاحِبَهُ أَسِيرَ الْمُقَارَنَاتِ، عَبْدًا لِلْمَظَاهِرِ، شَقِيًّا بِرِزْقِهِ، بَعِيدًا عَنْ رَبِّهِ.
عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ الْحَيَاةَ قَصِيرَةٌ، وَالزَّادَ قَلِيلٌ، وَالرِّحْلَةَ إِلَى اللَّهِ طَوِيلَةٌ، فَلَا تَجْعَلُوا هَمَّكُمُ الدُّنْيَا، وَاجْعَلُوا الْآخِرَةَ نُصْبَ أَعْيُنِكُمْ، فَإِنْ فَعَلْتُمْ مَلَأَ اللَّهُ قُلُوبَكُمْ غِنًى، وَجَمَعَ شَمْلَكُمْ، وَأَتَتْكُمُ الدُّنْيَا وَهِيَّ رَاغِمَةٌ. وَارْضَوْا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نَبِيًّا وَرَسُولًا، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ طَعْمَ الْإِيمَانِ، وَفَوْزَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الرَّاضِينَ الْمَرْضِيِّينَ، وَامْلَأْ قُلُوبَنَا بِكَ، وَاشْغَلْنَا بِطَاعَتِكَ، وَأَمِتْنَا عَلَى حُبِّكَ وَرِضَاكَ، وَاجْمَعْنَا بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ، فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ.

⚫🤲 الدُّعَاءُ 🤲🤲
اللَّهُمَّ امْلَأْ قُلُوبَنَا بِالْإِيمَانِ، وَالرَّاحَةِ، وَالطُّمَأْنِينَةِ، وَالرِّضَا وَالْأَمَانِ.
اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مَصَائِبَ الدُّنيَا.
اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا قُلُوبًا رَاضِيَةً، وَنُفُوسًا مُطْمَئِنَّةً، وَأَخْلَاقًا مُتَوَاضِعَةً. اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا. وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ.
اللَّهُمَّ يَا وَاسِعَ الْعَطَاءِ، يَا كَرِيمَ الْمَنِّ، يَا مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، نَسْأَلُكَ بِأَسْمَائِكَ الْحُسْنَى، وَصِفَاتِكَ الْعُلَا، أَنْ تَمْلَأَ قُلُوبَنَا بِالْإِيمَانِ وَالرِّضَا وَالْيَقِينِ، وَأَنْ تُذِيقَنَا طَعْمَ السَّكِينَةِ وَالطُّمَأْنِينَةِ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا الرِّضَا بِقَضَائِكَ، وَالْيَقِينَ بِحُكْمَتِكَ، وَالثِّقَةَ بِتَدْبِيرِكَ. اللَّهُمَّ إِنَّا نُشْهِدُكَ أَنَّنَا رَاضُونَ بِكَ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نَبِيًّا وَرَسُولًا، فَارْضَ عَنَّا بِرَحْمَتِكَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَاجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الَّذِينَ قُلْتَ فِيهِمْ: ﴿رَّضِیَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُوا۟ عَنۡهُۚ﴾.
اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا الْقَنَاعَةَ وَالرِّضَا بِمَا قَسَمْتَ لَنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِيمَا أَعْطَيْتَنَا، وَلَا تَجَعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلَا إِلَى النَّارِ مَصِيرَنَا. وَاجْعَلْنَا مِنَ الَّذِينَ إِذَا أُعْطُوا شَكَرُوا، وَإِذَا ابْتُلُوا صَبَرُوا، وَإِذَا أَذْنَبُوا اسْتَغْفَرُوا، إِنَّك

Address

شارع المعهد الديني بنها
Benha
F5GH+39G13067

Opening Hours

Monday 8:30am - 2:30pm
Tuesday 8:30am - 2:30pm
Wednesday 8:30am - 2:30pm
Thursday 8:30am - 2:30pm
Saturday 8:30am - 2:30pm
Sunday 8:30am - 2:30pm

Telephone

01064621265

Website

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when منطقة الوعظ ولجنة الفتوى بالقليوبية -الأزهر الشريف- posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Share